التاريخ: كانون ثاني ٢٧, ٢٠١٧
المصدر: جريدة الحياة
مكوّنات الحراك اليمني الجنوبي تعود إلى الاصطفاف والحكومة تتحرك لرأب الصدع
عادل عبدالله 
بدت الذكرى الـ11 للتصالح والتسامح بين فصائل العمل السياسي ومكوناته في جنوب اليمن، والتي احتفل بها في عدن متواضعة هذا العام من حيث الفاعلية الاحتفالية وحجم الحضور الذي لم يتجاوز عدده المئات من أبناء المحافظات الجنوبية، ما يعكس حجم التباينات والخلافات بين مختلف الفصائل، ويحول دون تحقيق الغاية من هذه الفاعلية وهي استقلال الجنوب.

وتزامن الاحتفال بهذه المناسبة في الـ13 من كانون الثاني (يناير) الجاري، مع مواجهات مسلحة دارت وسط مدينة عدن بين قوات الأمن وفصائل من المقاومة الجنوبية، ما أثار مخاوف سكان المدينة، وأعاد إلى الأذهان المشاهد الدموية لمواجهات أقطاب الحزب الاشتراكي اليمني التي اندلعت في اليوم ذاته من عام 1986، وتحولت إلى صراع مناطقي بين قيادات محافظات أبين وأبنائها من جهة ولحج والضالع من جهة أخرى، مخلفة أكثر من عشرة آلاف قتيل.

وعلى رغم الجهود التي تبذل من بعض فصائل الحراك الجنوبي المطالبة بانفصال الجنوب اليمني عن شماله، والعودة باليمن إلى ما قبل الوحدة اليمنية التي أعلنت في الـ22 من أيار (مايو) 1990، للوصول إلى حالة التصالح والتسامح بين كل الفرقاء والمكونات الحراكية والسياسية، إلا أن معطيات الواقع والممارسات الحاصلة على الأرض، تؤكد أن صراعات الماضي لا تزال حاضرة في أذهان مختلف الأطراف وعقولها.

وفي تعليق له على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك»، يبين أبو خالد باراس العولقي حالة التشتت في أوساط المكونات الجنوبية، ويقول: «كثرت ألقاب قادة المقاومة وقاده الحراك السلمي، الحراك الثوري، والمجلس الأعلى، ومجلس الثورة، أما المجالس الشبابية فحدث ولا حرج»، ويرى العولقي أنه ومن خلال كثرة المكونات والكتائب استطاعت قوى خارجة على القانون، وقوى ليس لها علاقة بالنضال أن تستغل دماء الشهداء لمصلحة أجندة إرهابية وبلطجة لا تخدم قضيتنا».

ويؤكد مراقبون وباحثون أن المواجهات المسلحة التي وقعت في قلب مدينة عدن، وغيرها من الصراعات السياسية المحتدمة، أسقطت جميع الشعارات التي تتحدث عن وحدة الصف والتصالح والتسامح، وقالوا في أحاديث إلى «الحياة» أن المشكلة «بدأت صغيرة وما لبثت أن كبرت وتطورت لتصل إلى حد المواجهات المسلحة، التي دامت أكثر من 12 ساعة، بفعل الاصطفاف والشحن المناطقي الذي يمارسه كل طرف تجاه الطرف الآخر، قبل أن تتمكن وساطة محلية من احتوائها».

وعلى رغم احتواء هذه المواجهات، إلا أن المراقبين والباحثين يتوقعون «تكرارها في أي لحظة، بخاصة أن العوامل التي قد تتسبب في تجددها لا تزال قائمة، خصوصاً مع توافر كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة لدى كل فصائل المقاومة المسلحة ذات الانتماءات المناطقية والسياسية المختلفة.

إضافة إلى وجود خلافات عميقة وذات جذور مناطقية بين الكثير من الفصائل والقيادات الجنوبية، غير أن أكثرها حضوراً هذه الأيام الخلاف المتصاعد بين نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية في الحكومة الشرعية اللواء حسين عرب، وهو من أبناء محافظة أبين، والقيادات الأمنية في عدن وعلى رأسها مدير الأمن اللواء شلال شايع الذي ينتمي إلى محافظة الضالع، وهو ما عبر عنه بوضوح البيان الصادر عن فاعلية «التصالح والتسامح» مؤكداً رفض «الأصوات المناطقية والصراعات التي تحمل ذات الصبغة تحت أي مسمى كان».

وطالب عدد من أبناء المحافظات الجنوبية، بدراسة الأحداث الجديدة التي وقعت في مدينة عدن بدقة، وقالوا في أحاديث إلى «الحياة» أنه من المهم جداً التوقف طويلاً عند ما حدث ليل الجمعة 13 كانون الثاني الجاري ويوم السبت من مواجهات عدن العاصمة السياسية الموقتة لليمن، والتي يوجد فيها الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وحكومته، للبحث في جذور هذه الحادثة التي أعادت أجواء الحرب والرعب من جديد، وتحديد مسبباتها بدقة لمعالجتها وضمان عدم تكرارها مستقبلاً.

ويرى أبناء الجنوب أن هذه الحادثة «نكأت الجراح التي كان البعض يعتقد أنها اندملت، منذ انطلاق الجهود التي تبذل من جانب الخيرين من أبناء الجنوب لتحقيق مبدأ التصالح والتسامح منذ نحو عشر سنوات، بل وأبقت على حدود التقسيم المناطقي الذي يمثل عامل التوتر الدائم في الجنوب، وكشفت أن هذا التقسيم يسحب ذاته بقوة إلى مكونات وهياكل السلطتين المحلية والسياسية التي تتشكل اليوم في عدن».

وتتهم غالبية مكونات الحراك الجنوبي وفصائله المتعددة، الرئيس اليمني السابق علي صالح وأركان نظامه وقيادات شمالية بالوقوف خلف النكسات التي تعترض جهود هذه المكونات في لملمة الصف الجنوبي، وتجاوز صراعات الماضي، وترسيخ مبدأ التصالح والتسامح بين أقطاب وقيادات الصراعات السابقة، بهدف الحيلولة دون انفصال الجنوب عن الشمال.

وتقول مصادر سياسية يمنية تحدثت إلى «الحياة» أن هذا «الاتهام فيه شيء من الصواب، لكنه لا يمثل السبب الأبرز لحالة الصراع والاصطفاف المناطقي داخل الجنوب»، وتقول: «أن كل مكون من مكونات الحراك الجنوبي له ارتباطات بأطراف محلية وخارجية، فهناك من يرتبط بصالح، وآخر يرتبط بالحوثي، وثالث بحزب التجمع اليمني للإصلاح وغيرها، كما ترتبط بعض المكونات بإيران، بخاصة جناح علي سالم البيض وباعوم، وأخرى ذات ارتباط بدول إقليمية».

وتؤكد المصادر السياسية أن «تعدد ولاءات الفصائل الجنوبية يمثل انعكاساً للصراعات السياسية والأيديولوجية التي كانت قائمة قبل الوحدة اليمنية عام 1990، ولا تزال حاضرة بقوة في المشهد الراهن»، وأوضحت أن كل مكون «يسعى إلى الاستئثار بالجنوب بمعزل عن المكونات الأخرى، لهذا فإن الرئيس هادي والحكومة الشرعية لا يزالان محل رفض في أوساط الكثير من مكونات الحراك الجنوبي، لاعتبارات ذات صلة بأحداث 86 الدموية».

وتعتقد المصادر ذاتها أن تمترس القيادات الجنوبية خلف صراعات الماضي وعدم تجاوزها يحول دون تحقيق مطالب الانفصال، بل إن فك الارتباط بالشمال والتنصل من الوحدة اليمنية، من شأنهما أن يفتحا الباب على مصرعيه للاحتراب مجدداً، إن لم يصل الأمر إلى تشظى الجنوب إلى كانتونات صغيرة، مشيرة إلى الأصوات المتعالية لأبناء محافظة حضرموت التي تطالب بدولة مستقلة.

السياسي الاشتراكي والناشط في الحراك الجنوبي شفيع العبد رفض تحميل أطراف خارجية وزر ما يحدث في الجنوب، وقال العبد في منشور له على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» أنه «لم يعد مقبولاً البتة، تحميل أطراف غير جنوبية، مسؤولية ما يحدث في عدن» وقال: «الجنوبيون هم السبب لعدم قبولهم ببعض، وتمترسهم خلف إفرازات صراعات ماضوية».

وتابع العبد: «الجنوبيون هم من يحكمون محافظاتهم اليوم لا سواهم، ربما لم يعوا ذلك بعد، لذا تراهم يُصدرون أسباب فرقتهم خارج نطاقهم الجغرافي، متفقون على تحميل الشمال وزر كل شيء، عاجزون عن الاتفاق على وضع مداميك مشروع الدولة في مناطقهم».

الحكومة الشرعية التي لا تزال عاجزة حتى اليوم في ضبط الأمن داخل حدود مدينة عدن، تسعى في أعقاب المواجهات الأخيرة بين قوات الأمن وفصائل المقاومة، لمعالجة بعض القضايا المهمة، وفي طليعتها إخراج معسكرات الأمن من داخل المدينة، وتسليم مهمات الأمن إلى الأجهزة الأمنية، ما جعلها في مرمى هجوم كثرٍ من السياسيين والكتاب من أبناء المحافظات الجنوبية الذين وجهوا نقدهم إلى رئيس الحكومة أحمد بن دغر ووزير الداخلية حسين عرب، بسبب هذا التوجه.