التاريخ: آب ٣٠, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
واشنطن استعادت في 2011 ما خسرته بين 2007 - 2010 من قوتها في الشرق الأوسط - محمد سيد رصاص

ما حصل في الأشهر السبعة الأولى من 2011 جعل الولايات المتحدة في وضعية قوية في الشرق الأوسط من خلال أنظمة جديدة لها امتداد اجتماعي حقيقي، أتت على وقع زخم ثوري ولد من رحم المجتمع.

 

اعتمدت الولايات المتحدة على أنظمة الديكتاتوريات العسكرية في أميركا اللاتينية ابتداء من غواتيمالا 1954 وحتى تشيلي 1973 لمكافحة المد اليساري في فترة الحرب الباردة، إلا أن هذا لم يمنعها أو يعوّقها عن الاستفادة من الموجة الديموقراطية هناك بين عامي 1982و1990 ضد تلك الأنظمة، بالتزامن مع تراجع المد اليساري قارياً وعالمياً، ليس فقط لإقامة أنظمة ديموقراطية اعتمدت الوصفات الليبرالية لصندوق النقد الدولي وإنما أيضاً لاطاحة النظام الساندينستي اليساري في نيكاراغوا عبر انتخابات شباط 1990: هنا بانت واشنطن في وضعية الملهم والراعي لمد ديموقراطي، قبيل فترة وجيزة من إطاحة ثورات مجتمعية أنظمة الحزب الواحد في "الكتلة السوفياتية" بين عامي 1989 و1991وصولاً إلى تفكك الدولة السوفياتية، ولتظهر ليس فقط بمظهر المنتصر في الحرب الباردة من دون اطلاق رصاصة واحدة وإنما أيضاً بصفتها نموذجاً من خلال تحول تلك الدول، التي كانت تدور سابقاً في فلك موسكو، إلى النمط الاقتصادي الليبرالي.


في العالم العربي لم تكن سياسة الولايات المتحدة هكذا، حيث اختارت، في عامي 1990 و2010، أنظمة حسني مبارك وزين العابدين بن علي (وبعد تردد استغرق النصف الأول من عقد التسعينات عسكر الجزائر المتصارعين مع "الجبهة الاسلامية للإنقاذ") ضد الاسلاميين، الذين كان يبدو أن صندوق الاقتراع "العربي" سيحملهم للفوز بالسلطة. وعملياً، عندما حصل حدث (11 أيلول2001)، لم تقتصر واشنطن على تعزيز تحالفها مع الأنظمة ضد أصحاب العمائم وإنما امتد هذا ليصل عند الأميركيين ضد الأصولية الاسلامية السُنية إلى حدود التحالف مع نظام ملالي ايران الشيعة نحو اسقاط العدوين الرئيسين لطهران في أفغانستان والعراق.


في تلك الفترة طرحت واشنطن "مشروع الشرق الأوسط الكبير"(13 شباط 2004)، الذي تضمن رؤية ديموقراطية ذات منحى ليبرالي للمنطقة، متدرعةً بوجود160 ألف جندي أميركي في بلاد الرافدين،قال وزير الخارجية الأميركي كولن باول، قبيل أسابيع من غزوهم للعراق، أن الهدف من ذلك الغزو "هو إعادة صياغة المنطقة"، وقد بدا أن ذلك في مجرى التحقق لما قادت رياح الخلاف الأميركي- السوري حول العراق المغزو والمحتل إلى مناخات لبنانية داخلية أطاحت الوجود العسكري السوري في لبنان بين يومي 14 آذار و26 نيسان 2005، وهو ما كاد أن يعطي ديناميات قوية لمعارضة سورية، عبر "اعلان دمشق"(16 تشرين الاول)، وضعت رهانات على "رياح غربية"، أملت من خلالها بتكرار دمشقي
"ما" لما جرى في بيروت.


لم يحصل هذا، وإنما وضح، منذ النصف الثاني لعام2006 مع نتائج حرب تموز، بأن هناك مداً ايرانياً في المنطقة انطلاقاً من المنصة البغدادية، التي وضح حجم السيطرة الايرانية عليها إثر سقوط صدام حسين، امتد من كابول حتى الشاطىء الشرقي للبحر المتوسط ومن المنامة إلى صعدة، على حساب تراجع القوة الأميركية في المنطقة التي غاصت في وحل بلاد الرافدين، قبل أن تترجم هذه التراجعات الأميركية عبر ضرب الحلفاء في محطات (14حزيران2007 بغزة) و(7 أيار 2008 ببيروت) ثم في عدم قدرة الولايات المتحدة، وحلفائها الاقليميين في الرياض وأنقرة، على تمرير إياد علاوي وقائمته التي نالت المرتبة الأولى في انتخابات البرلمان العراقي يوم7 آذار 2010 لإيصاله إلى منصب رئيس الوزراء فيما استطاعت طهران اجبار واشنطن في خريف 2010 على القبول بنوري المالكي في ذلك المنصب الذي يقارب الصلاحيات القديمة لصدام حسين.


في يوم17 كانون الاول 2010 أحرق محمد البوعزيزي نفسه في بلدة سيدي بوزيد التونسية لتبدأ حركة مجتمعية من الاحتجاجات انتهت باطاحة الجنرال بن علي في يوم 14 كانون الثاني 2011، ولكن مع تظاهرة 25 يناير بالقاهرة ظهر أن ما بدأ في تونس هو بداية لموجة ديموقراطية عمت معظم أصقاع المنطقة العربية خلال الأشهر السبعة اللاحقة للحدث التونسي: في البداية، كانت واشنطن متخبطة في سياساتها تجاه ديناميات اجتماعية تسير نحو اطاحة حليف مخلص لها، إلى أن بدأ يلمس، قبيل أيام قليلة من يوم 14 كانون الثاني، مسار تخلي واشنطن عن بن علي لمصلحة مؤسستي (الجيش) و(الإدارة)، وفي الوقت نفسه ملاقاتها لحراك اجتماعي، تجنبت وضع نفسها في وجه رياحه كما حصل في طهران1979. في قاهرة الايام العشرة الأولى من شباط قبيل اطاحة حسني مبارك في يوم 11 منه لم تكتف الولايات المتحدة بذلك وإنما ظهرت بصفتها هي التي أطلقت "رصاصة الرحمة عليه"، وبدون هذا لا يمكن فهم تشبيه أوباما سقوط حليفه مبارك بـ"سقوط جدار برلين". في قاهرة ما بعد11 شباط 2011 لم يأت اطمئنان واشنطن للبديل فقط من ضمان (الجيش) و(الإدارة) وإنما أساساً من مصالحة تاريخية حصلت في الأسبوع السابق لسقوط الرئيس المصري بين الولايات المتحدة الأميركية والتنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين، الذين وضح منذ تظاهرة يوم الجمعة 28 يناير بأنهم يملكون القوة المجتمعية الأكبر في مصر.


هنا، نلاحظ قدرة الأميركيين على ملاقاة الرياح المجتمعية وركوبهم اياها حتى ضد حلفائهم كما جرى في أميركا اللاتينية في الثمانينات، ليس فقط من خلال الاعتماد على قوى من داخل النظام السابق تساعد على احداث التغيير وإنما أيضاً لملاقاة قوى مجتمعية تملك الوزن الأكبرفي الجسم الاجتماعي. وعملياً، كما يوجد في القاهرة ثالوث (المشير حسين طنطاوي- رئيس الوزراء عصام شرف- المرشد العام للإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع) فإن هناك ثالوثاً مماثلاً ترعاه واشنطن لستة شهور خلت في تونس أحد أضلاعه السيد راشد الغنوشي زعيم "حركة النهضة"، وهي نجحت في إقامة معادلة مماثلة في بنغازي عند "المجلس الإنتقالي"، وهي الآن عبر المبادرة الخليجية تسعى إلى معادلة مماثلة في صنعاء، وربما عبر حليفها التركي تضغط في اتجاه ايجاد شبيه للمعادلة المصرية القائمة بين النظام السوري القائم والاسلاميين.


في هذا الإطار، يلاحظ أن ما سعت له واشنطن، وحتى عبر الصورة والصوت التلفزيونيين من خلال كلمة "ارحل" التي قيلت أولاً لمبارك عبر أردوغان ثم من قبل الإدارة الأميركية، كان يتحقق، كما أن ما تسعى إليه في طرابلس وصنعاء يبدو في مجرى التحقق، كما أن ما أرادت منع حصوله، وفق تقدير أميركي بأنه سيؤدي الى تغييرات في بحرين 2011 ستكون لمصلحة ايران كما جرى في عراق ما بعد9 نيسان 2003، قد نجح من خلال قوات "درع الجزيرة" في آذار الماضي، وهنا يلفت النظر أن الولايات المتحدة التي أشرفت، من دون شريك اقليمي أودولي، على عملية الإنتقال المصرية بين يومي 25 يناير و11 فبراير، تضع روما وباريس و"الناتو" في واجهة العملية الليبية، وتتعاون مع الرياض لاعداد الطبخة اليمنية، كما فعلت في البحرين، فيما يبدو أن تركيا هي المعتمدة أميركياً في الشأن السوري.


من الواضح، أن ماحصل في الأشهر السبعة الأولى من عام 2011 قد جعل الولايات المتحدة في وضعية قوية في الشرق الأوسط من خلال أنظمة جديدة لها امتداد اجتماعي قوي أتت على وقع وقوة دفع زخم ثوري ولد من رحم المجتمع، وهذا جعل التراجع الأميركي بين عامي2007 و2010 في النفوذ الاقليمي بالمنطقة ليس فقط في حالة توقف وإنما هناك انتقال أميركي نحو تحقيق مكاسب وإلى حالة هجومية، ربما كان ما جرى في البحرين احدى ترجماتها، وبداية انتقال حركة "حماس" إلى الضفة الأخرى ترجمتها الثانية، فيما بالتأكيد لا يمكن تفسير صدور - بعد تأجيلات متعددة - القرار الاتهامي عن "المحكمة الدولية الخاصة بلبنان" في أواخر حزيران الماضي من دون تلك التوازنات الجديدة اقليمياً، التي جعلت ايران وحلفاءها في مرحلة "ما بعد البوعزيزي" في حالة تراجع داخلياً وفي القوة الاقليمية، فيما الأميركيون يحققون المكاسب الاقليمية عبر ملاقاة رياح التغيير المجتمعية العربية الداخلية التي أطاحت أنظمة، وتجعل أنظمة أخرى، بعضها "ممانع" وحليف لطهران، في حالة اهتزاز داخلي. ولتظهر واشنطن من خلال هذه الملاقاة في حالة دعم لقوى اجتماعية تسعى لإطاحة أنظمة من الواضح أنها في وضعية جيفكوف وتشاوشيسكو1989.
هل سيجعل كل هذا واشنطن، مع ماسيحصل في الأشهر الخمسة المقبلة وفق المتوقع في أكثر من بلد عربي، تركن إلى حالة من الإطمئنان تجاه شرق أوسط ما بعد اكتمال انسحابها العسكري من العراق في اليوم الأخير من عام2011؟

 

(كاتب سوري)