التاريخ: آب ٢٤, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الدنيا اتغيرت... - جمال فهمي

طبقا لقواعد المنطق والعقل لا بد إن إسرائيل خرجت (إذا كانت خرجت فعلا) من أسوأ أزمة أصابت مؤخراً علاقاتها بمصر الرسمية منذ بدأت مسيرة هذه العلاقات قبل أكثر من 30 عاما، وقد ابتلعت ولو جزءا من حقيقة أن الدنيا حولها تغيرت، وأن عاصفة الثورات الشعبية العارمة التي تجتاح أقطار العرب هذه الأيام قلبت رأساً على عقب أهم الملامح والمعطيات للوضع الاستراتيجي في المنطقة ذلك الذي تعودته الدولة العبرية، بل نامت واستراحت وتمددت عليه أكثر من نصف عمرها القصير.


وهل من دليل على هذا التغيير الانقلابي أقوى من أن مصر التي فتحت وحفرت بثقلها الهائل مجرى التسويات المنفردة وانخرطت مع الدولة العبرية في علاقة "تطبيع" شامل، آثم ومكروه شعبياً لكنه رسم ملامح أمر واقع مناسب ومريح جدا لدولة خُلقت وانحشرت بالقوة في قلب إقليم يلفظها ويأنف منها.


مصر هذه أظهرت في الأزمة التي تفجرت الجمعة الماضي بعدما قتلت القوات الإسرائيلية ثلاثة جنود مصريين في نقطة حدودية، وجها آخر عبوسا ومتبرما ونافد الصبر، لم تعرفه نسبة كبيرة من سكان الكيان الإسرائيلي حاليا. ذلك أن هؤلاء تعودوا في الأيام الخوالي التي استمرت ثلاثة عقود كاملة أن حسني مبارك موجود هناك في القاهرة (أو في شرم الشيخ) يقوم دوما بالواجب وأكثر، إذ لم يكن الرجل يكتفي بجعل نظامه البوليسي القوي يضطلع بدور حائط الصد المنيع للنقمة والحقد الشعبيين على كل ماهو إسرائيلي، بل تمادى وذهب بعيدا في الإخلاص لعلاقات الصداقة والتحالف مع تل أبيب حتى أن حوادث قتل عدة مماثلة لمواطنين مصريين على الحدود كانت تمر من دون أي رد أحيانا أو بردود فعل لفظية مفرطة في النعومة والدبلوماسية غالبا، وهو ما حدث عكسه تماما بعد الحادث الأخير. فورثة مبارك المخلوع ليسوا على استعداد، أو بالأحرى لا يستطيعون محاكاة نهجه وسياساته المغضوب عليها من جماهير غفيرة عرفت للتو وخبرت جيدا المفعول السحري للخروج إلى الشوارع.
لهذا رأينا المجلس العسكري وحكومته يصلبان عودهما ويظهران غضبا مصريا رسميا نادرا ويقدمان طلبات لم يسبق أن قدمتها القاهرة طوال 30 عاما، فاشترطوا ـ لمرور الأزمة ـ اعتذارا صريحا وعلنيا، وتحقيقا مشتركا في الحادث (ذا سقف زمني) وكاد الأمر يصل إلى سحب السفير المصري من تل أبيب لولا وساطات وتدخلات أميركية وأوروبية مشفوعة بسيل من تصريحات وأقوال استرضائية تبارى فيها أركان الدولة والحكومة في إسرائيل، تضمن بعضها أسفاً يشبه الاعتذار (رفضه المصريون) غير أن أهمها تلك التي أفصحوا فيها عن موافقتهم ـ للمرة الاولى ـ على مطلب التحقيق المشترك في جريمة ارتكبوها... الدنيا اتغيرت.