|
مَن يحكم بلده منذ 1969 الحكمَ المطلق الذي حكمه معمر القذافي، لا بد أن يترادف في الذهن مع فكرة الرسوخ والتوطد، خصوصاً وأن الرجل ناب نيابة تامة عن ليبيا، التي باشرنا اكتشافها مع بدايات انهياره. ومن يكون على التخلع الشخصي والافتعال والمسخرة والاعتباط مما انطوى عليه القذافي، يترادف في الذهن مع الرخاوة والبعثرة وامتناع الشكل.
وهذه السمة التي كانت واحدة من تناقضات الحاكم الليبي الكثيرة، هي ما تشارك القذافي فيه، إلى هذا الحد أو ذاك، مع عدد من ديكتاتوريي أفريقيا، خصوصاً منهم الذين ظهروا في السبعينات. وكان صعود هذه الموجة موصولاً بطبيعة البلدان المعنية وتطورها، من حيث التشكل السياسي المتأخر وعجز بُنية الدولة الوطنية عن التغلب على البنى العشائرية والدينية والطائفية القائمة. بيد أن الصعود المذكور جاء موصولاً أيضاً بظرف زمني وتاريخي مفاده تراجع الديكتاتوريات العسكرية الصلبة التي سبق أن أقامتها «حركة التحرر الوطني» بُعيد الاستقلالات، وكانت مسنودة بتحالفها مع المعسكر السوفياتي.
ففي السبعينات، لم يعد وارداً ظهور كوامي نيكروما وموديبو كيتا وأحمد سيكوتوري، كما لم يعد متاحاً بروز زملاء لهم خارج أفريقيا، على ما كانت حال أحمد سوكارنو في أندونيسيا مثلاً. في المقابل، راح زعماء كاريكاتوريون، من نوع عيدي أمين وبوكاسا، يصعدون إلى الواجهة ويتولون خنق أنفاس الشعوب التي يحكمونها.
هؤلاء أتوا إلى الواجهة في زمن من الرخاوة ترجم نفسه تحرراً من كل معنى وانفكاكاً عن كل قيمة. وما زاد التحرر من المعنى، في حالة «الأخ العقيد»، كان رحيل جمال عبد الناصر قبيل استيلاء القذافي على السلطة في طرابلس: هكذا زال الرقيب-الأب، بعدما عينه، كما لو كان يمازح يافعاً غَرّاً، «أمين القومية العربية». لكن العنصر الآخر الذي ساعده على إكمال التحلل، كان وضع يده على الثروة النفطية الضخمة لبلده، ما أطلق العنان لجنونه من دون حساب للعالم أو للأكلاف أو التبعات.
المسألتان المتولدتان من تعريف القذافي هما، اليوم، في عهدة الشعب الليبي: فضمور المعاني والقيم الذي سبق أن استفز الليبيين، ينبغي أن يستفزهم طويلاً، بالضبط لأن هذا الضمور لم يحل دون حكمه لهم 42 عاماً. وهذا ما يحرض على إنتاج معانٍ وقيم عقلانية تلح ليبيا في طلبها للمستقبل، وتتيح اللحاق بالقيم الكونية الجامعة التي برع القذافي، ببداوته الغنية، في السخرية منها وفي عزل شعبه عنها.
أما المسألة الأخطر، فربما كانت الأصعب أيضاً، وهي حكماً مقدمةٌ كل مسألة أخرى. إنها البرهنة على أن في وسع ليبيا أن تعاود تشكلها دولة–أمة، أو أن تختار لنفسها أي شكل ترتئيه، شريطة ألاّ يصطبغ خيارها بالعنف والدم، فليبيا الحديثة التي تشكلت في 1953، قضت أكثر من ثلاثة أرباع عمرها محكومةً بنظام يصدع النسيج الوطني الضعيف أصلاً ويفاقم التفاوت الموروث ويعززه. لكن هذا الواقع يبقى أقدر على تقديم التفسير منه على تقديم التبرير: فإذا كان في وسع الآخرين أن يساعدوا شعب ليبيا على إطاحة طاغيته، وهو ما حصل، فإن القدرة على مساعدتهم، في هذه المهمة المقبلة، أصغر بلا قياس. هذا ما لا يستطيع إلا الليبيون فعله.
|