التاريخ: آب ١٥, ٢٠١١
المصدر: nowlebanon.com
تطوّرات لبنانيّة أساسيّة - نصير الاسعد

لا شكّ أنّ الحدث السياسي الأهمّ في الأيّام القليلة الماضية تمثّل – فضلاً عن الصمود الأسطوري للشعب السوريّ في مواجهة النظام الإستبدادي الدموي – في إستيقاظ الموقف العربيّ مجسّداً في خطاب الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي دعا إلى وقف إراقة الدماء السوريّة وإلى تغيير حياة السوريين.

إنّ الموقف السعوديّ وقد إنضمت إليه الدول العربيّة كافّة، بات الموقف العربيّ الرسميّ أولاً، وهو إذ يستجيب للشعب السوري قطعاً للصمت، إنّما يستكمل حصار نظام الأسد ثانياً.

وفي المشهد "الخارجي" الآن، أنّ ثمّة إتفاقاً أو تحالفاً عربياً – إقليمياً (تركياً أساساً) – دولياً ضاغطاً على نظام دمشق، أي حاضنةً واسعة للشعب السوريّ في ثورته من أجل الحريّة والكرامة والديموقراطيّة.

 

وهذه الحاضنة التي تشكّلت في وجه الأخطار المحدقة بالشعب السوريّ ونصرةً له، أخذت في الإعتبار بدرجة عالية المخاطر التي يرتبها سلوك نظام بشار على المنطقة ككّل، لا سيّما أنّه يهدّد بتفجير "أوراق" يملكها في هذه المنطقة. وعندما يتحدّث القادة عن مخاطر تواجه المنطقة فإنّ أوّل ما ينتبهون إليه عادةً هو الوضع في لبنان حيث "تصل يد نظام الأسد".

ووفقاً لهذه المعاني، لا مبالغة في القول إنّ الحاضنة العربيّة – الإقليميّة – الدوليّة إنطلاقاً من "الحدث السوريّ"، إنّما هي في الوقت نفسه حاضنةً للشعب اللبناني بإزاء ما يواجهه من إحتمالات خطرة.. تملك قابليّة أن تكون "شبكة أمان" خارجيّة حول لبنان.

 

بكلام آخر، إنّ الحدث السياسيّ الأهم بالنسبة إلى الشعب السوري في الأيام الأخيرة، كان حدثاً بالأهمية نفسها بالنسبة إلى اللبنانيين.

يحصلُ ذلك تزامناً مع تطوّرات لبنانيّة أساسيّة يجدر التوقف عندها ملياً.

لن يكون التوقفُ طويلاً عندَ الإنكشاف المتزايد لإلتحاق السلطة في لبنان بمحور النظام السوريّ – إيران – "حزب الله" من خلال ما عبّرت هذه السلطة عنه من مواقف مخزية تنصلاً من دماء السوريين وربطاً للبنان بنظام الأسد.

غير أنّ التطوّرات الأبرز ثلاثة، وتقع جميعاً على خلفيّة الحدث السوريّ وتفاعلاته.

 

الأوّل هو واقع أنّ ثمّة خارطةً سياسيّة جديدة في البلاد، قيد التبلور. وفي هذا المجال، ممّا لا شكّ فيه أنّ ما يعلنه رئيس "الحزب التقدمي الإشتراكي" وليد جنبلاط من مواقف حيال الحدث السوريّ – أو الأزمة السوريّة – إنّما يعكسُ مهما تكن صيغ التعبير إقتناعاً منه – ولو غير مُصرّح به علناً – بأنّ هذا النظام وصل إلى الحائط المسدود وهو مستعصٍ على أيّ معالجة جدية في بلاده.

بطبيعة الحال، إنّ مواقف جنبلاط يجب ألأّ تُقاس لدى جمهور 14 آذار، بمقياس تموضع جديد لرئيس "جبهة النضال الوطني" أو بمقياس "العودة" إلى 14 آذار. فذلك تفصيلٌ، وجزئيّة غير مهمّة. فالأساس هنا أنّ جنبلاط الذي لن يعود إلى داخل 14 آذار، يرسم "بهدوء" مسافةً "إستراتيجيّة" بينه وبين المحور الآخر بالإستناد إلى قراءته أنّ ثمّة مرحلة تاريخية جديدة عربياً ولبنانياً لا بدّ من وعيها والتعامل معها، على الرغم من إستمرار مخاوفه من تعرّض "المحور المأزوم" لأمن لبنان.

 

التطوّر الثاني البارز تمثّل قبلَ أيّام في دعوة مثقفين لبنانيين إلى إعتصام في ساحة الشهداء في بيروت تضامناً مع الشعب السوريّ. ومِن بين المثقفين الداعين إلى هذا النشاط مجموعةٌ لم تتعاطف مع 14 آذار يوماً بل كانت أقرب إلى 8 آذار في الصراع السياسيّ اللبناني الداخليّ. وإختلفت هذه المجموعة مع 14 آذار حولَ عناوين كثيرة لكنّها قالت – المجموعة – أكثر من مرّة إنّ خلافها الرئيسيّ مع 14 آذار هو حولَ "موقع لبنان" الذي أكّدت أنّه ينبغي أن يكون في "المقاومة والممانعة".. ما ترجمتُه السياسيّة المباشرة العلاقة بسوريّا وإيران و"حزب الله". وللسبب نفسه كانت هذه المجموعة من المثقفين أقرب إلى طروحات "فريق حزب الله".

 

غنيّ عن القول إنّ هذه الفعاليّة التضامنيّة مع الشعب السوريّ التي إشترك هؤلاء المثقفون في تنظيمها هي فعاليّة شجاعة وتعكسُ موقفاً ديموقراطياً "أخلاقياً". هو "أخلاقي" بالدرجة الأولى و"سياسي" بالإستطراد، والمقصود هو القول إنّ ثمّة إشكاليّة ثقافيّة – فكريّة – سياسيّة ينبغي للمثقفين المشار إليهم التعاطي معها وهي بالمناسبة ليست جديدة: إشكاليّة أنّ "التحرّر الديموقراطيّ" للشعوب ليس أقل قيمة من "التحرّر الوطنيّ"، وإشكاليّة أنّ الديموقراطيّة ليست مرادفاً للإستسلام والتبعيّة وأنّ "الممانعة" ليست مرادفاً لـ"الخلاص"، وإشكاليّة أنّ "الإستقلال والسيادة" ليسا "إنعزالاً".. وإشكاليّة انّ التضامن مع الشعب السوريّ لا يستوي بدون تضامن مع الشعب اللبناني نفسه في عناوين الحريّة والديموقراطيّة والدولة المدنيّة ألخ ..

 

إنّ إعتصام المثقفين في ساحة الشهداء على أهميّته بدون نقصان وعلى شجاعته الكاملة، إذ يستدعي النقاشات الثقافيّة – الفكريّة – السياسيّة المنوّة عنها، يفيد – أي الإعتصام – أنّ تفككاً يحصل على صعيد "البيئة الثقافيّة" الحاضنة لـ"الممانعة"، إنطلاقاً من الحدث السوريّ "الفظيع". ولا يخفى على أحد أنّ "فريق حزب الله" كان يتنفّس في السنوات الماضية من هذه البيئة الثقافية التي نزل كثرٌ منها إلى ساحة الشهداء.

 

أمّا التطوّر الثالث البارز فهو المتّصل بـ"المعلومات" التي يوردُها مقربون من "حزب الله" عن حاله الراهنة. وفي هذه الحال أنّ "حزب الله" يعيش في هذه الأيّام "أزمة" بكلّ معنى الكلمة هي محصّلة العديد من العناوين والملفات المتراكمة: الخيارات السياسيّة بإزاء المرحلة التاريخيّة الجديدة، قضايا الفساد، مسألة الإختراقات الخارجيّة، البُنية الحزبية بكافة مستوياتها وميادينها ألخ.. أزمةٌ يقول المقربون إنّها "أزمة إنشغال الحزب بحاله" في هذه الأوقات. ولا شكّ أنّ الحدث السوريّ فرض على "حزب الله" تحدّيات سياسيّة من نوع إستراتيجيّ خاصة بعد بلوغ نظام الأسد الجدار المسدود، وذلك حول ما العمل، كما فرض تحدياً أخلاقياً كبيراً لجهة العلاقة بالشعب السوريّ.

 

من هنا، وإذا كان تشكّل الحاضنة العربيّة – الإقليميّة – الدوليّة للشعبيَن السوريّ واللبنانيّ معاً، مثّل الحدث الأهم في الأيّام الأخيرة، فإنّ التطوّرات اللبنانيّة الثلاثة المشار إليها تشكّل حدثاً موازياً. ويترافق ذلك مع وعي لبنانيّ متنامٍ بأنّ بين الشعبين قضيّة مشتركة.

إستعراضُ تلك التطوّرات لم يكن ضرباً من التنجيم أو التخمين بل هو إستعراض لوقائع يمكن التأسيس عليها، بمعنى أنّها مؤشّر إلى إمكان العمل على تحصين لبنان.. إذا إستوعب "الجميع" مسار الأمور. أي إذا وعى "الجميع" أنّ الوقت ليس لأيّ "مغامرة"!.