|
يُكثِر المسؤولون اللبنانيون الحديثَ عن مصلحة لبنان العليا، على شاكلة الموعظة وإعطاء الدروس، وفي الوقت ذاته يعرِّفون تلك المصلحة بما يُرضي غرور الممانعة ويتقاطع مع مقاربة دمشق في هذا الشأن. ولربما كانت اللغة المستخدمة، بمبناها ومفرداتها، الأقربَ الى مواصفات مدرسة البعث الحاكمة بأمر سورية وسط القمع والدِّماء، ولإشعار قد لا يطول، كما هو ظاهر ومستخرج من تطور الأوضاع.
لقد دأب لبنان الرسمي بُعَيْدَ صدور مراسيم تشكيل الحكومة الراهنة، على استخدام عبارات طنَّانة، تحذّر وتتوعد وتضع اللبنانيين في دائرة القلق، خشية اقتران الأقوال بالأفعال، فمن البر بحدوده الدولية، الى البحر بمياهه الإقليمية ومنطقته الاقتصادية، ثمة مقتطفات وخطابات تُسمع، بليغة انشائياً عظيمة الدفع معنوياً، تضغ العربة امام الحصان وتستعجل تأزَّماً غير مؤكد، بغية تسجيل النقاط. وحيث أضحت ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة لازمةً تُردَّد في كل مناسبة ومحفل محلي، بات القرار الدولي رقم 1701 يشكو من تفسير انتقائي أحادي الجانب عُرضة للتفاعل السلبي عند الامتحان، ظهرت بواكيره تكراراً في التضييق على القوات الدولية في نطاق عملياتها والاسراع في تضخيم المجريات على حدودنا الجنوبية، كأنما التطورات لا تحتمل، والاصبع على الزناد. وزدِ السلوكَ الديبلوماسي في مجلس الأمن ترَ العجبَ -ومفاده نأْي لبناني عن مراد الهيئة الدولية- مرَّ بسلامة، وتأويلات جازمة صدرت في بيروت تنقض توليفة التعاون والمخرج اللولبي، وتعتبر البيان الأممي ضرباً من التدخل بعد أن ضلَّ الكبار طريق الصواب.
وعلى صعيد مجلس الوزراء، تحولت وسطية الرئيس ميقاتي زئبقيّة، وحركته حركة بهلوان، فهو يقول كلاماً طيباً رطباً، مادته شخصية بامتياز، لا تُلزم، ولا تمنع تنطحَ وزراء وأهلِ حلٍّ وربط مأذونين من حزب الله، من تخطي المعسول الى الغليظ الجبّار. اللافت ان رئيس مجلس النواب باتَ بدوره يفصح عن حقيقة المسلك الحكومي من الملف السوري الشائك الذي يشغل بال فريقه وكتلته، عربوناً لوفاء مديد ولموقعه على خريطة حلفاء دمشق. من جانبه، يتولَّى تكتل التغيير والاصلاح متابعة المسائل المدرجة بالأولوية على أجندة حزب الله، ويتقدم الصفوف بحزم في تجريم الغرب والعنترة في ميدان النفط والغاز، بعد أن اطمأن الى متانة الوضع في سورية، وهو يكاد يطلب إنزال المزيد من العقوبات بحق الشعب السوري، بذريعة الحرص المخادع على الاستقرار.
هل تحسَّب أنصار حلف الأقليات لقادمِ متغيِّرات، وتفحصواً جيداً كيفية الحفاظ على المصلحة العليا إزاء الجاري في سورية؟ وفي مطلق الحال، كيف نقايض شبكة العلاقات الدولية برضاء طاقم ممسك بالسلطة في دمشق، تهتزّ الأرض تحت قدميه، ويعاني عزلة تقترب من الحجْر الصحي المفروض على كوريا الشمالية؟! لقد مضى زمن التلحّف بأخوّة يختزل تأييدُ النظام معناها، فيما تهمل شعباً جُرِّد من الحرية وانتفض على الظلم، يتهيأ لبناء نظام ديموقراطي تعدّدي على أنقاض تجربة شمولية فاشلة خنقت سورية وأهلها طوال عقود. أما القول المنمّق بأن ما يصيب لبنان يصيب سورية، والعكس بالعكس، فمشكوك في صحته، يخالف معطيات التاريخ القريب، بدليل استنقاع لبنان في حرب أهلية وتوابع دامت عقدين ونيِّف بينما حفلت سورية حينها بجني المكاسب والنفوذ والأرباح، وأمعنت في تمزيق النسيج اللبناني خدمة لأهداف حلقة النظام ومَن حوله. وماذا عن مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، والبدعة المسماة صموداً ينتصر بالتجيير ويسخِّر الشقيق ويقطف الثمار؟
وعلى الرغم من تفاؤل الحكومة الحالية بتفهم الجانب الدولي، لم يحصد لبنان ايَّ نجاح في عهدتها، فإلى طابعها الفئوي واشتقاقِها من هندسة شارك فيها حزبُ الله الراعيَ السوري، أضافت قراءةً مغلوطة لميزان القوى، مبنية على تصوراتِ وأوهامِ هارمجدّون مقلوبةٍ يرسمها الطرف المُهيْمن، حزبُ الله، وتسويقٍ غير مقنع يتكفَّل به الرئيس ميقاتي على سبيل العلاقات العامة بوصفه الناقلَ المبلغ، مع الإبقاء على احتياطي وزارة الخارجية درءاً للصفقات، إذ لا يخفى أن الأخير يتمتع بثقة مانح المقام، وهذا رصيد يُؤهِّله لأداء الدور، فالعمل مع مانحي المساعدات والغطاء الدولي الفاعل يستوجب الكف عن المناورة واعتماد سياسات صريحة، لا لَبْس في محمولها المضمر، وإيقاف المسرحية العبثية حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، كما التلاعب على الألفاظ.
إنَّ نهج الأكثرية بعماديها (عمودها الفقري المتمثل بحزب مُدجَّج بالسلاح وجنرال متقاعد طموح يتبع خطاه، وكلاهما متناغم مع النظام السوري الجالس على هامش المجتمع الدولي) يُنبئ بتعطيل الحياة السياسية، بدءاً بمحاصرة الاعلام ما أمكن، وتجفيف مصادر الدخل، علاوة على الإنفاق غير المُجدي في ريوع وجوائز ترضية وفذلكات شعبوية قصيرة النظر، ومعارك دون كيشوتيّة في حرب طواحين نجماها وزيرا أزمة الأمس كما اليوم. إنما الأخطر يكمن في ذلك الإمعان المنهجي والتصميم البائن على الازدراء بالمؤسسات الدولية وبمعايير الأسرة الدولية، تبعاً لممارسات المحور الإيراني/ السوري، وبالتالي، جرَّ لبنان سريعاً نحو قفص الاتهام.
في عزِّ فصل الصيف، تتوالى المهرجانات المسمَّاة سياحية، والعروض الشيِّقة في مجلسيِ النواب والوزراء، تطربنا المواويل حول مصلحة لبنان العليا وانتزاع الحقوق بجميع الوسائل المتاحة. وعند معاينة الركائز وتحليل الحواصل، يتبين ان الشعار الجميل هَيُوليٌّ مُفْرَغٌ من محتواه الصحيح. بكل بساطة، تتحدّد المصلحة العليا على قاعدة الإيفاء بحاجات الناس وأمنها ورفاهها، كما تقوم في الحقل الخارجي، على براغماتية ايجابية تبتعد عن الأدلجة المسمومة، وتنطلق في المقام الأول من السيادة على الأرض والحدود في معناها الشامل غير المنقوص، الى اللبنانيين العاملين او المُقيمين في المهاجر والمغتربين، والمنافع الاقتصادية والمالية التي يجنيها البلد، تقنياً ومالياً وتبادلياً وحضارياً، عبر حُسن السياسات، فأين الكلام الرنّان من تعريف مدروس صالح لكل البلدان، وهل أضحت المصلحة العليا مجرد لغز ننتظر فكّه من سفيرين نشيطين مسموعَي الكلمة في دوائر الخارجية والمغتربين، يمطران بيروت والضاحية يومياً بوعود المساعدات وأغلى التمنِّيات. * كاتب لبناني
|