التاريخ: آب ٩, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
قالوا إنها بغيضة - طارق متري

كانت الطائفية توصف بالبغيضة. وكان الكثيرون يخجلون من اضطرارهم الى السلوك بمقتضاها وفق النظام السياسي والاداري للبلد. وكان عدد غير قليل منهم يفاخرون برفضها، حتى ان بعض المنتمين الى احدى الجماعات الدينية حسبوا انفسهم باعتزاز "طائفة اللاطائفيين".
على رغم ذلك، تضافرت الازمة البنيوية للنظام السياسي ومعها اشتداد النزاع على السلطة ومشكلات التفاوت الإقتصادي والإجتماعي وتقاطع التدخلات الخارجية مع الرغبة في الإستعانة بها، فجاءت تفجّرات لبنان طائفية بمقدار كبير. وما ان بدأت عام 1975حتى انتجت الطائفية مبررات ديمومتها. فصار الخطف على الهوية والقصف العشوائي والتهجير تعبيرا فجّا ومدمّرا عنها وسبيلا مؤديّا الى تعميقها. وبات الكثيرون يردّون على الطائفية بالطائفية وكأنها داء ودواء في الوقت عينه. وفي ظنهم، باتت حامية ضحاياها. لكن فئة أخرى نظرت اليها، ولا سيما في الجولات الاخيرة للصراع المسلح، وكأنها تفترس ابناءها.


لذا تعامل اتفاق الطائف بنوع من الواقعية مع الطائفية. ولم يغب عن التغييرات في النظام السياسي التي اتى بها اعترافه بقوة الطائفية فقال بالمناصفة وبالتوازن بين الطوائف. لكنه جاء مشدودا الى تجاوز النظام الطائفي وأقرّ انشاء مجلسين، واحدا للنواب ينتخب حرا من القيد الطائفي وآخر للشيوخ يجري اختياره ممثلا للطوائف ومطمئنا لها.


وحتى عام 2005، لم تعرف الحياة السياسية نموا يذكر لحركات عابرة للطوائف او جامعة لأبنائها. واستمر تراجع "العيش المشترك" في السكن والإختلاط والتلاقي على مقاعد الدراسة وفي مجالات العمل. وفي ظل تراجعه زاد الحديث عنه فصار، كالتشديد على وحدة لبنان ، بمثابة تعويض رمزي صغير لهشاشة الرابطة الوطنية. وطغت صورة الطوائف في تجانسها وتمايزها عن سواها وكأن كلا منها "صاحبة إختصاص". فواحدة تختص بالتحرير وأخرى بالعمران وثالثة بالسيادة ورابعة ببناء الجسور والباقيات بالإختصاصات نفسها او بفروع منها.


الاّ ان التحولات المذهلة التي احدثتها الحركة الشعبية المتعاظمة والجامعة عقب استشهاد الرئيس رفيق الحريري شقّت طريقا جديدا نحو لبنانية جديدة، متصالحة مع هويات اللبنانيين المتعددة ومتجاوزة الحدود بين الطوائف وتخصّصاتها المفترضة. وعلى رغم سلوك البعض في هذا الطريق، لم تتخلّ فئات أوسع عن عاداتها الطائفية. صحيح اننا شهدنا تحالفات سياسية ما بين قوى من طوائف مختلفة لكنها لم تغيّر العلاقات الفعلية بين ابناء الطوائف المعنيّة بها.


واليوم، لا تبدو الأحكام القيمية التي يطلقها مناهضو الطائفية قادرة بقوة ذاتها على مقارعة النظام الطائفي، الراسخ في السياسة كما في المجتمع. أكثر من ذلك، ليس الغاء الطائفية، وهو محل اختلاف في معناه وفي كيفية الوصول اليه، مشروعا سياسيا قابلا للتنفيذ في المدى المنظور. ولا يمتلك المنادون به التأثير المعنوي الكافي لإقناع الناس به، خصوصا ان بينهم من يصعب عليه التحرر من ولاءاته الطائفية، كائنا ما كان اللبوس الذي يلبسها.


ليس القصد ههنا البحث في الغاء الطائفية، بل التوقف عند الرداءات التي تتغطى بها الطائفية، ومنها التي شاع نعتها بالمذهبية، حتى عند من يعيّنون انفسهم اعداء لها. وبكلمة أخرى، هناك طائفيات لا طائفية واحدة. في استطاعتنا القول عن إحداها انها "رخوة" تستجيب للحاجة الى الجماعة بفعل هزال البنى الوطنية وتخضع للقواعد التي يقوم عليها نظامنا الطائفي، في الأحوال الشخصية وفي تقاسم السلطة والإدارة. وهي احيانا أقرب الى طائفية الخيبة التي لا ترى فرصة حقيقية امام تغيير اجتماعي وثقافي وسياسي، وكأنها مستسلمة امام قدر محتوم، في لبنان كما في غير بلد من بلاد العرب. وهناك طائفية "صلبة" لا تفصح دائما عن اسمها وهي مهندسة (بفتح الدال)، توحّد طائفتها وتعزّز قوتها وتستند اليها لتحقّق تبدّلا في تقاسم السلطة. تطيّف السياسة مرة أو تسيّس المسائل الطائفية مرة أخرى. ولا تظهر العمليّتان في شكل سافر. فالأمثلة على إبقائهما مضمرتين، ولو غير مخفيّتين، ليست قليلة، مثل الإتهامات المتبادلة بإثارة الغرائز الطائفية، وتطييف مقاومة اسرائيل، وإلإيحاء بان ثمة بيئة تحتضن العمالة، وإلقاء شبهة الطائفية على المطالبين بالعدالة الدولية، والتحذير من الفتنة او التهديد بها.


ولنا في الأيام الأخيرة أمثلة من نوع آخر عن الطائفية المهندسة التي تطيّف السياسة. ففي موضوع التعيينات الإدارية المرتقبة، يتحدث البعض بلغة الدفاع عن حقوق طائفية مهدورة او بلغة التأهّب لإستعادة تلك الحقوق. والحقيقة ان اعاقة التعيينات في الماضي كانت سياسية الدوافع. واستعجالها اليوم ذو دوافع سياسية. والجهة السياسية التي اعاقت بالأمس هي نفسها التي تستعجل اليوم. ولعل التشديد الظاهر على استعادة الحقوق الطائفية لا يخفي عند جهة سياسية جنوحها الى انتزاع حصة لها أكبر داخل طوائفها. وللدلالة على ذلك يكفي تذكير من نسي انه في الثالث عشر من أيار عام 2009 نظر مجلس الوزراء في اقتراح وزير الداخلية، وفق الأصول المعتمدة، تعيين محافظين لبيروت وجبل لبنان ومدير للشؤون السياسية في وزارة الداخلية. ورفض "الثلث المعطّل" آنذاك فكرة التصويت ثم اسقط الإقتراح. وفي سياق مشابه، نسمع شكوى من معلمين متعاقدين ناجحين في مباراة مجلس الخدمة المدنية من ان نوابا في لجنة المال يقفون في وجه حقوقهم بحجة الحرص على حقوق أخرى طائفية. وكأن السعي الى تأمين التوازن الطائفي في الوظائف العامة او الحرص على مقتضيات الوفاق الوطني وفق الكناية المعتمدة يفترض بالضرورة تجاهل الحق في المساواة بين المواطنين. امّا المثل الثالث فهو تطييف قضية عقارية محلية على نحو اضفى طابعا سياسيا على مسألة تعالج بتطبيق القانون. فتحولت بقوة السياسة قضية طائفية كبيرة تدخلّت فيها، تصعيدا او محاولة للتسوية، أرفع الشخصيات الدينية.
على رغم كل ذلك، وعلى رغم ضلوع البعض في هندسة الطائفية، وزعم الغاء الطائفية بقوة الطائفية أي اعادة اختراعها، نجد بينهم من يقول انها لا تزال، "مبدئيا"، بغيضة.

 

وزير لبناني سابق