التاريخ: آب ٤, ٢٠١١
المصدر: جريدة الحياة
في الحاجة إلى إصلاح الإصلاح - إبراهيم غرايبة

يبدو الإصلاح اليوم في الأردن شعاراً للحكومة ومؤيديها والمعارضة التقليدية والحركات الشبابية الجديدة، ويكاد يكون أكثر كلمة متداولة في الإعلام والسياسة، والتظاهرات والمؤتمرات، ولكنها عمليات تكاد تتحول إلى مهرجان مملّ وغوغائي، ودعاوى ومطالب أبعد ما تكون عن الإصلاح... ولا يكاد يعرف أحد ماذا تريد الحكومة بالفعل ولا ماذا تريد المعارضة، أو إن كان ما تدعو إليه الجماهير غائباً او متحققاً بالفعل، والحكومة تبشرنا بوعود وآمال كثيرة، وتتهم الآخرين بأنهم أعداء الإصلاح، لدرجة يبدو الصراع والخلاف وكأنه على الاسم أو ملكية العلامة التجارية/ الفكرية «الإصلاح»، صراع لا يبدو فيه الإصلاح منتصراً في جميع الأحوال، لأنه في حقيقة الأمر غائب/ مغيب تماماً.


فالمجتــمعات برغــم تذمــرها الكاسح من الوضع القائم، لا تقــدم إشــارة واضحة على أنها تنظر إلى الديمــوقراطية باعتــبارها عقداً اجتماعياً ينظم المصالح والأعمال والعلاقات بين الأفراد والمجتمعات والحكومات والشركات، ويضمن للناس جميعاً الحقـــوق والمصالح والتطلعات الروحية والجمالية، أو أنها أسلوب حياة شامل وممتد... إنها لا تكاد تتجاوز في أذهان الناس وشعاراتهم ومطالبهم، فكرةً مثاليةً، أو وصفة جاهزة محددة ستجلب فور تطبيقها الازدهار والتقدم... والتحرر من الاحتلال والهيمنة.


والمطالب الأكثر وضوحاً وواقعية لدى التجمعات والأحزاب السياسية المعارضة ليست مشجعة على التفاؤل بتحقيق إصلاح حتى لو استجيب لها، ويرجح أن تجري بالفعل إصلاحات منسجمة إلى حد كبير مع مطالبها بمراجعة الدستور وتطوير القوانين المنظمة للحياة السياسية، فالديموقراطية (والإصلاح بالضرورة، ذلك أن ثمة ديموقراطيات من غير إصلاح) لا تنشئها فقط أجمل وأعدل القوانين والتشريعات، وانتخابات عادلة ونزيهة، ولا مؤسسات ناجحة، فبالرغم من ضرورة كل هذه الأولويات والاحتياجات وأهميتها، فإنها لا تمنح الحريات والعدالة والمشاركة الصحيحة إن لم تكن ثمة مجتمعات وتجمعات وإدارات محلية ومهنية تقوم مصالحها وتطلعاتها على الحرية والعدالة والمشاركة، وتدرك تماماً احتياجاتها وأولوياتها وتسعى لتحقيقها، وأحزاب وتجمعات سياسية واجتماعية تعبِّر بوضوح عن هذه المطالب، وتملك قاعدة اجتماعية قائمة عليها، فلا يمكن لأحزاب وجماعات تنشئ قواعدها الاجتماعية على أساس من التدين والنجاة من النار يوم القيامة أن تتحرك لأجل برامج وأفكار لتحسين الحياة والمشاركة العامة وتطوير الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية، ولن تفعل ذلك تجمعات ومجتمعات تشكلها أحلام وذكريات وأفكار عن الوحدة والتحرير والمؤامرات العالمية والصهيونية والصليبية، ولا علاقة لها بالواقع القائم ولا بما يطبقه بالفعل أتباع هذه النظريات في الحياة، وهذه مفارقة عجيبة في ساحة العمل العام في الأردن، ربما تحتاج إلى علاج نفسي طبي أكثر مما هي تحتاج إلى إصلاح ووعي سياسي واجتماعي.


وفي النهاية، ستحصل المجتمعات على الديموقراطية، ولكنها للأسف الشديد ستأتي مليئة بالعيوب والمشكلات والنقص، وليست حلاًّ جاهزاً لمشكلاتنا، ولا تمنحنا تلقائياً الإصلاح والتقدم... ولكنها منظومة لا يوجد أفضل منها للعمل والاختيار والتفكير... يقول جون مينارد كينز (1904): «مازالت الديموقراطية قيد التجربة، بيد أنها لم تفضح نفسها، والحقيقة أنها لا تعمل بكامل قوتها حتى الآن، لسببين، أولهما دائم الأثر والمفعول، والثاني ذو طابع مؤقت، فمن ناحية السلطة التي تنطوي عليها الثروة، مهما كانت نسبة التمثيل العددي، ستظل لها الغلبة بصورة لا تناسُبَ فيها، ومن ناحية ثانية، فإن التنظيم المتخلف للطبقات التي منحت حق الاقتراع مؤخراً قد حال دون إحداث أي تعديل كاسح على موازين القوى السابقة».

 

* كاتب أردني