|
قبل عقود قيل لا حرب عربية ضد اسرائيل بدون مصر (كما قيل أيضاً إنّ لا سلم بدون سوريا). وهذا العام يمكن أن يُقال لا ثورةً عربية - بمعناها التحريري للانسان وللسياسة الاقليمية - ستحدث في أي مكان في العالم العربي قبل انقشاع الغيوم عن أحداث مصر والتأكّد من انبثاق واقع ثوري جديد. تقع انتفاضات في دول عربية أخرى ولكنّها تنتظر ما يحصل في القاهرة.
ما حدث في مصر حتى اليوم ليس ثورة بالمعنى العلمي للكلمة قياساً بما اتفّق عليه علماء الاجتماع والمؤرخون (الثورة هي تغيير عميق في النظام والمجتمع والسياسة والاقتصاد والثقافة وليس تغيير رأس النظام فحسب). فيمكن الحديث عن ثورة فرنسية عام 1789 وثورة بلشفية في روسيا عام 1917 وثورة نازية في ألمانيا عام 1933 وثورة صينية عام 1949 وثورة إيرانية عام 1979. ففي كل بلد استغرق التحضير للثورة وتوفير ظروف نجاحها بعد تغيير النظام سنوات عدّة. لقد أسقطت الثورة الفرنسية النظام الملكي في 14 تموز 1789 ولكنّها مرّت في سنوات فوضى ودمار ورعب وتوّجتها حروب نابليون الثورية في أوروبا وصولاً إلى مصر ثم لتعود أوروبا إلى المحافظة مع هزيمة نابلوين وانعقاد مؤتمر فيينا عام 1815.
أمّا ثورة روسيا فقد اشتعلت في تشرين الأول 1917 أثناء الحرب العالمية الأولى واسقطت النظام القيصري ولكنّها خاضت مراحل صعبة وحصاراً وحرباً أهلية حتى استقرّت عام 1924. والثورة النازية انطلقت في ألمانيا عام 1933 ووصلت ذروتها في عنف ابتلع كل أوروبا عام 1939 وأدّى إلى حرب عالمية ثانية (حصدت 55 مليون نسمة) استمرّت حتى 1945. والثورة الصينية استمرّت فصولاً منذ 1949 بقيادة ماوتسي تونغ مروراً بـ"ثورة ثقافية" مأسوية عام 1966. والثورة الايرانية بدأت بتشكيلة معارضة واسعة ضد الشاه ضمت شيوعيين وليبراليين وإسلاميين، وانتقلت بعد سقوطه في شباط 1979 إلى تصفيات داخلية استمرّت سنوات برزت خلالها معالم جمهورية إسلامية ومحاولات تصدير الثورة.
ما حدث في مصر وتونس ليس ثورة بعد، بل هي بذور ثورة في طور التكوين. فقد سقط الرأس وبقي النظام بكامل هيكليته في السياسة والاقتصاد والمواقع المدنية والدينية وفي الإدارة العامة والجيش. فالثورة تحتاج إلى انقلاب كامل وشامل في كل الموازين والميادين وليس في هيكلية النظام فحسب بل في الوضعين الاجتماعي والسياسي، ولاحقاً في إعادة هندسة الطبقات الاقتصادية والقيم والمفاهيم. في الحال المصرية، فقد مضى أكثر من 40 عاماً على النظام الذي أرساه أنور السادات في أيار 1971 ومشى فيه حسني مبارك (بعد اغتيال السادات في تشرين الأول 1981) برعاية أميركية مباشرة. ثم أخرجت انتفاضة 25 يناير من العام الحالي مبارك وعائلته.
ولكن في هذه الفترة عبر الكثير من المياه تحت الجسر فأصبح كبار أصحاب الأعمال في مصر من أهل النظام وشاركت الولايات المتحدة ومن ورائها اسرائيل في اختيار ضباط الجيش المصري وكبار مسؤولي الدولة وكبار الإداريين وأعضاء السلك الديبلوماسي. ونشأت طبقة اقتصادية مالية تجارية تعضد النظام وتسبّح بمحاسنه كل يوم. وحتى المؤسسات الدينية المسلمة والقبطية دارت في فلك النظام واستمرت في الوقوف إلى جانب مبارك حتى اللحظة الاخيرة، لا تتميّز بشيء عن الموقف الأميركي الذي دعم مبارك ولم يتغيّر إلا بعد التأكّد من سقوطه. ثمّ بدا وكأنّ واشنطن قد حصدت نتائج ما حصل في ميدان التحرير فاستمرّت قبضة النظام السابق عبر عسكر وإداريين ورجال أعمال ورجال دين وكأنّ شيئاً لم يحصل.
في معرض حديثه عن الثورة الصينية في باريس عام 1969 علّق رئيس الوزراء الصيني شو إن لاي أمام الصحافيين أنّ الثورات قد تستغرق سنوات وأحياناً عشرات السنين حتى يهدأ الزلزال الذي أشعلته. ولذلك فهو يرى أنّه من المبكر إبداء الرأي بالثورة الصينية أو حتى بالثورة الفرنسية (1789). ولذلك يمكن القول إنّ ثمّة أشهراً طويلة ستمرّ قبل أن تتضّح الرؤية حول مسار الثورة في مصر (وتونس)، وقبل أن يتبيّن أنّ ما بدأه الشعبان في بداية العام الحالي سينجم عنه إسقاط النظام في البلدين وليس فقط رأس الهرم. وساعتئذٍ، ستتأثّر الدول العربية كلّها كحجارة الدومينو. أمّا إذا لم يتبلور الوضع المصري عن إسقاط النظام كما يليق بالعمل الثوري، فمآل الحركة العربية إلى التراجع وليس إلى اكتمال مراحل الثورة. إذ ليس في دينامية التاريخ أي نمط رياضي وكأنّ حراك الشعوب يسير بمعادلة حسابية نحو النصر.
مركزية القاهرة تاريخ العرب المعاصر لا يخلو من هزّات عميقة تستحق توصيفها كثورات ومنها "ثورة 23 يوليو" في مصر وثورة البعث في سوريا والعراق في الستينات. ورغم المعالجات السطحية التي وصفت تلك الثورات بأنّها "إنقلابات عسكرية" فإنّ الدراسة المتأنيّة تبيّن أنّ ما حصل في مصر وسوريا والعراق في الخمسينات والستينات قد أحدث تغييرات شديدة العمق في البلدان الثلاثة على كل الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وقلب موازين القيم. من المهم مراقبة وجهة الوضع المصري حالياً كبوصلة لبقية الدول العربية. فرغم أنّ المنطقة العربية قائمة على أربع دول محورية هي مصر وسوريا والسعودية والعراق، فإنّ مصر وحدها يمكن أن تفرض على اسرائيل أولاً وعلى إيران وتركيا ثانياً الثقل العربي في المنطقة. ذلك أنّ العراق يعيش احتلالاً أميركياً منذ 2003 وسيحتاج إلى سنوات إضافية كي يتبيّن أنّه سيسعى إلى استعادة دوره. أمّا السعودية فهي مرتاحة لعلاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية وليس لديها طموحات عربية لأنّ شرط الريادة العربية الأول هو نصرة فلسطين (وليس إثارة النعرة العرقية أو المذهبية مع إيران). وسوريا دولة قويّة عربياً وإقليمياً وفي حالة حرب مع اسرائيل (بعكس مصر والأردن) ولكنها ومنذ 1973 في وضع دفاعي. فاسرائيل لا تخاف من هجوم سوري بل تخاف من عودة مصر إلى المعسكر العربي لأنّ ذلك يهدّد موقعها المهيمن على المنطقة.
ظروف نجاح الثورة في مصر لكي تتوافر ظروف نجاح الثورة في مصر لا بد لثورتها أن تحمل لواء قيادة المنطقة العربية. ولكن أي محاولة لتعزيز مكانة مصر الاقليمية لا بد أن تتضارب مع مصالح اسرائيل وتفوّقها. وهذه المقولة لا علاقة لها بالعروبة والايديولوجيا بل بمصلحة مصر العليا في الجيوبوليتيك الاقليمي (منذ زمن الفراعنة مروراً بالدولة الفاطمية ومحمد علي وعبد الناصر). إنّ مصر لا ترضى أن تكون دولة هامشية تنفّذ إرادة دولة أخرى، سواء كانت الامبراطورية الآشورية في الماضي أو الامبراطورية العثمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فكيف تقبل مصر أن تنفّذ إرادة دولة أصغر منها بكثير هي اسرائيل؟ وهذا يشبه الوضع الشاذ الذي عاشته الصين العملاقة قبل ثورة ماوتسي تونغ عندما كانت اليابان - جارتها الصغيرة - تهدّدها باستمرار وتحتلّ اراضيها وتغتصب ما شاءت من دول مجاورة تربطها بالصين علاقات ثقافية وتجارية وتاريخية.
يحاول البعض ربط أي مسعى مصري لسياسة مستقلة أو دور إقليمي يليق بحجمها، بتهديد اقتصادها وحرمانها من المساعدات الأميركية وقلب الموقف الاسرائيلي منها. ولكن العكس هو الصحيح. إذ أنّ كل العرب ومعهم اسرائيل سيهرعون إلى القاهرة لمراضاة قيادتها عندما يبدأ المارد المصري بالنهوض. وهو نهوض لا يحتاج إلى أسلحة بل إلى سلاح الموقف. يمكن مصر مثلاً أن تبدأ بتبنّي حقوق غزّة وشعبها وتفتح المعابر وتقنع اسرائيل بلهجة واضحة بعدم الاعتداء على الفلسطينيين. وهذا سيوجّه رسالة قوية للغرب وللعالم العربي أنّ القاهرة مختلفة وجديّة قد عادت إلى الساحة.
ويمكن مصر أن تتدخّل إيجابياً في حرب ليبيا وفي قضايا السودان المعقدة، وفي الحالات الثلاث (فلسطين وليبيا والسودان) مصلحة مصرية عليا مباشرة وبحتة تقع مباشرة على حدودها. ومتى ثبّتت مصر أقدامها في نطاقها المباشر يمتدّ نفوذها إلى الخليج والسعودية وسوريا ولبنان كتحصيل حاصل. أي خيارات أخرى ستعني أنّ الثورة في مصر لم تنجح بعد وأنّ من يقودها لا ينظر إلى مصالحها العليا وبالتالي لا ينطلق من إرادة الثوّار. والمرجّح أنّ زخم الحركة المصرية عام 2011 لا بد أن يؤدّي إلى تغيير عميق، فالملايين التي خرجت لا تكتفي بخروج مبارك وأسرته. ألم يكن الشعار هو إسقاط النظام... بكامله؟
(استاذ جامعي لبناني - كندا)
|