التاريخ: تموز ٣٠, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
لماذا يحبوننا، وليس لماذا يكرهوننا؟ - نديم قطيش

من تونس الى مصر الى ليبيا واليمن ولاحقاً سوريا وقبل ذلك إيران، تنخرط شعوب المنطقة في موسم جديد من مواسم الغضب. لكن هذه المرة، ليست الاعلام الأميركية هي التي تحرق في شوارع المدن العربية.

لم يكن مشهد أهالي حماه وهم يلقون الورود وأغصان الزيتون على سيارة السفير الأميركي روبرت فورد، الذي جاء لزيارة المدنية في أوضح رسالة تحدٍ لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، الا الحلقة الأحدث في مسلسل من الاشارات الشعبية العربية غير التقليدية حيال واشنطن تحديداً والغرب عامة.


فمن تونس الى مصر الى ليبيا واليمن ولاحقاً سوريا وقبل ذلك إيران، تنخرط شعوب المنطقة في موسم جديد من مواسم الغضب. لكن هذه المرة، ليست الاعلام الأميركية هي التي تحرق في شوارع المدن العربية بل صور الطغاة، وفي بعض الأحيان، كما الحال في بنغازي، الأعلام الوطنية التي جاءت لتستبدل اعلام الأنظمة التي إنقلب عليها هؤلاء الطغاة والحكام ولم يتزحزحوا مذذاك عن السلطة.
وليست السفارات الاميركية هي المستهدفة بحجارة المتظاهرين وقنابل المولوتوف، بل مقرات الأمن الداخلي التي تشهد زنازينها على عقود طويلة من أجلف أنواع التعذيب. وليست واجهات كبريات المتاجر الأميركية التي يجري تدميرها، بل تماثيل الطغاة والحكام المصاب معظمهم بأعراض مستفحلة لمرض جنون العظمة.


مع ذلك لا شيء يدفع المراقب للإستنتاج بتلاشي كارهي أميركا والغرب. لكن الأرجح أن أكثرية متنامية في الشرق الأوسط خلصت الى أن أوضاعها البائسة هي محلية الصنع، وليست نتاج تآمر الإدارات الغربية وأجهزة إستخباراتها.
بل ما ينبغي التنبه له أكثر هو ان المتظاهرين الغاضبين بالغو الحرص على تتبع المواقف الغربية من الأحداث التي يشاركون في صناعتها بلحمهم العاري. وهم في أحيان كثيرة بدوا ساعين جديين للحصول على دعم هذه الجهات الغربية لكفاحهم من أجل الحرية، أو على الأقل، ضمان تعطيل الميل الغربي الكلاسيكي نحو دعم الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة مدفوعاً بحسابات باردة لميزان المصالح. هذا تحديداً ما قام به وفد المعارضة السورية في روسيا الشهر الفائت محاولين شرح موقفهم لإدارة تتمتع بعلاقات إستراتيجية مع نظام يحاولون إسقاطه.


مواطنو بنغازي مثلاً، يعرفون بالتجربة، أن ما أنقذهم من الإنتهاء الى مصير البوسنيين قبلهم هو تماماً هذا التدخل الغربي على شكل حملة جوية ضد قوات معمر القذافي. كانت صورة إحتفالاتهم بكل إنتصار يحققونه على قوات القذافي، ولا تزال، تعبر دوماً عن الإمتنان الذي يحملونه للرئيسين الفرنسي نيكولا ساركوزي والأميركي باراك أوباما، مصحوبة بطلب المزيد من التدخل الدولي بغية إطاحة النظام. كما أن قطاعات الدياسبورا الليبية في المهاجر الكثيرة تحولت الى لوبيات مرتجلة ساعية لتوفير الأسلحة المناسبة لمواطنيهم من اجل مواصلة القتال.
وحتى عندما وصف القذافي الدعم العسكري الدولي للثوار الليبيين بـ "الحملة الصليبية ضد الإسلام" فإنه فشل في إشعال تظاهرة واحدة في أي مدينة في العالم العربي.
قبل الليبيين، أجبر التونسيون والمصريون واشنطن وباريس على حجب تأييدها الذي لا لبس فيه عن كل من الرئيسين زين العابدين بن علي وحسني مبارك.


على النحو نفسه في إيران عام 2009، لم تتأخر "الحركة الخضراء" عن إدراك ضرورة جذب التأييد الأميركي ناحية الثورة. فبعد بضعة أسابيع من الاحتجاجات الشعبية ضد تزوير الانتخابات الرئاسية التي أعطت محمود احمدي نجاد ولاية ثانية، ردد الإيرانيون علنا  في شوارع طهران وكبريات المدن شعار " أوباما... أوباما ...إما أنت معهم أو أنك معنا". كان هذا الشعار، الذي إستحوذ على إنتباه وكالات الأنباء الدولية يومها، إيذانا ببرم المنتفضين من إرتباك إدارة أوباما حيال ما يصنعونه لا سيما أن واشنطن كانت لا تزال تراهن على سياسة الحوار مع نظام الملالي التي وعد أوباما بها. كما كان تعبيراً واضحاً عن توق المنتفضين للحصول على دعم واشنطن. وهم، أي المنتفضون، إذ يستخدمون وسائط الميديا الإجتماعية مثل Facebook  و Twitter   و YouTube ويتواصلون غالباً باللغة الإنكليزية فإنهم في الواقع يشيرون الى الجمهور الأوسع الذي يتوجهون اليه ويرغبون في إقناعه، وهو في الغالب الجمهور الغربي الذي يؤثر في قرارات قادته.


لا التونسيون إذاً، ولا المصريون أو الايرانيون أو السوريون يخجلون اليوم من سعيهم لحشد الدعم الغربي في سعيهم لتحقيق الحرية وترشيد الحكم وتغيير الأنظمة، بل إنهم ما عادوا يترددون في إبداء اشمئزازهم من الإنتهازية الغربية التي تترجم دعماً للطغاة على حساب إنحيازهم لما يفترض انه قيم مشتركة بينهم وبين المنتفضين في العالم العربي.
في سياق مماثل، فإنه من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن عبارات قليلة أثارت غضب الشعب السوري بالقدر نفسه الذي اثارته تصريحات وزير الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون مطلع الانتفاضة السورية، عندما قالت ان الولايات المتحدة لن تتدخل في سوريا، في حين وصفت الاسد بالاصلاحي.


قبل السوريين رفض شبيبة الثورة المصرية الإجتماع بكلينتون ليس لأنهم يأنفون من العلاقة بواشنطن بل لأن الإدارة التي تزورهم كلينتون بإسمها لم تقف الى جانبهم بقدر ما يريدون.
فالناس في الشرق الأوسط ليسوا مخلوقات مفطورة على إستعداء الغرب. ولعل ما تبعث به "مجتمعات" الثورات العربية تحض واشنطن، تحديداً، على التخلي عن تصورها القديم بشأن تصور شعوب المنطقة للسياسات والدور الأميركيين، من أجل أن تتسنى لها، أي واشنطن، قدرة أفضل على قيادة العالم. وإذا رغبنا في المبالغة يمكن القول إننا أمام شعوب "عميلة" يفوق طلبها على التدخل الخارجي ما هو معروض في سوق العلاقات الدولية.
للمرة الأولى منذ عام 1956، والناس في الشرق الأوسط تعتبر ان واشنطن تميل، ولو ببعض التردد، الى جانبهم. في تلك السنة دافع الرئيس الاميركي دوايت ايزنهاور عن مصر جمال عبد الناصر ضد العدوان الثلاثي من قبل الفرنسيين والبريطانيين والاسرائيليين. اليوم مطلوب من واشنطن أن تخطو خطوات إضافية في إتجاه مساندة شعوب المنطقة في مواجهة حكامها الطغاة.


طبعاً، من المغري أن نتصور أن ما نشهده في الشرق الأوسط مجرد صدفة، أو تعبير عن إنتهازية طبيعية للإستقواء بالغرب ضد حكام طغاة، تعود بعدها المواقف المتوترة من أميركا والغرب ما إن يهمد غبار المعارك. ولسوء الحظ ، فإن الأمر يمكن أن يكون كذلك. ومع هذا، فهناك بذور تصور جديد عن واشنطن والغرب في المنطقة، وبالتالي بذور فرصة يمكن تحويلها من إمتنان قصير الأجل، الى مصالحة إستراتيجية بعيدة الأمد بين الشرق الأوسط وأميركا.
على مدى العقد الماضي منذ جريمة الحادي عشر من أيلول، إنشغل الأميركيون والغربيون عامة في محاولة الإجابة عن سؤال واحد: لماذا يكرهوننا؟ الأحداث في الشرق الأوسط تقترح سؤالا جديدا: لماذا يحبوننا... وكيف؟