|
بعد التصويت بأغلبية مريحة لفائدة الدستور، يكون المغرب قد فتح لأول مرة بشكل حقيقي ورش الإصلاح السياسي الذي طال انتظاره، ومن ثم فكافة المؤسسات الجديدة التي نصت عليها الوثيقة الدستورية، أو تلك التي ستتم إعادة هيكلتها، يكون من المنطقي الآن، الشروع في إخراجها إلى حيز الوجود وفق الفلسفة الجديدة التي تعتمد المقاربة الحقوقية كمحدد أساسي لكافة السياسات العامة، والبعد التشاركي كآلية للعمل المؤسساتي.
غير أن أهم مؤسسة ينتظرها المغاربة بفارغ الصبر هي البرلمان، لكون اختصاصاته اتسعت لتشمل أيضا بنص صريح تقييم السياسات العمومية، وذلك لعدة اعتبارات، أولها أنه سيكون هو المحتكر لمجال التشريع، حيث أن كل ما سيظهر من قوانين تمس مختلف مناحي حياة المواطن، سيمر حتما عبره، ومن الضروري أن يكون ذلك منسجما مع البرنامج الذي تقدم به الحزب الذي حصل على الأغلبية، وإلا فإن عليه أن يعد العدة لمواجهة المعارضة والناخبين بصفة عامة. ثانيها إن إنتاج النصوص القانونية، مازال لحد اليوم لم يرق إلى مستوى ما هو موجود في بعض دول شمال البحر المتوسط، ومعنى ذلك وجود مجالات متعددة في حاجة إلى التأطير القانوني. غير أن هذا سيظل محكوما بضرورة الحفاظ على توازن مالية الدولة، الذي تحول إلى مبدأ دستوري، ومن ثم فإن أي تعاطي للتمويل عبر العجز المالي، والبحث عن موارد مالية استثنائية أكثر مما هو مسموح به الآن، بات من المحرمات. ثالثها إن البرلمان هو المؤسسة التي ستعكس مدى نجاح تداول النخب السياسية، القادرة على منحه ديناميكية جديدة، تعيد إليه الاعتبار كمؤسسة تعكس الإرادة العامة. رابعها تنصب على علاقاته بالحكومة والعلاقة داخله بين الأغلبية والمعارضة، مما يفرض إفراز سلوكات من شأنها تكريس الديمقراطية لا كهياكل مؤسساتية فحسب، بل كممارسة معتادة تنفتح على الآخر عوض العمل على إقصائه، هذا إذا أردنا أن ننسجم مع روح دستور 2011.
إذن، كيف سيتم انتخاب البرلمان الجديد؟ وكيف سيتم وضع النصوص التي ستؤطر عمله؟ ينص الفصل 176 من دستور 2011، على أن البرلمان الحالي الذي انتخب وفق دستور 1996، هو الجهة المخول لها صياغة القوانين الخاصة بتنصيب المؤسسة التشريعية الجديدة، وهو ما يستدعي التوقف على أكثر من مستوى، ذلك أن دستور 1996 جعل ـ على المستوى النظري ـ كل ما يتعلق بالحقوق الفردية والجماعية، ومن بينها الانتخابات من مجال القانون، أي من اختصاص البرلمان، لكن على مستوى الممارسة، هيمنت السلطة التنفيذية، عبر مشاريع القوانين وهو ما أفرز في سنة 1997 مدونة الانتخابات التي قدمها وزير الداخلية الراحل إدريس البصري، كمشروع قانون قيل آنذاك إن إعداده ساهمت فيه كافة القوى السياسية، وهي المدونة التي لازال العمل جاريا بها إلى اليوم، فهل سيكون البرلمان الحالي في الموعد، وينكب على وضع مدونة جديدة تكون منفتحة على المستقبل، تعيد الثقة إلى الانتخابات وتنسجم مع مقتضيات الدستور؟ أم سيحتفظ بنفس المدونة مع تكييفها مع المستجدات الدستورية؟ وفي هذه الحالة يجب انتظار انتخاب البرلمان الجديد ليضع مدونة انتخابات خاصة به لتؤطر ما سيأتي به المستقبل من انتخابات. إن ما هو معروف اليوم هو إن المبادرة تأتي من وزارة الداخلية التي تصيغ النصوص، و بعد ذلك تعرض على الأحزاب من أجل إبداء الرأي ثم تقدم بعدها للبرلمان في صيغة مشروع قانون، تطاله بعض التعديلات الشكلية دونما المساس بفلسفته.
لكن السياق السياسي الذي يعيشه المغرب يؤكد أن مسؤولية الحكومة والبرلمان الحاليين، هي أكبر من أي وقت مضى، لكونهما سيضعان اللبنات الأولى التي من شأنها أن تؤطر ظهور أول سلطة تشريعية وتنفيذية في إطار الدستور الجديد، وهو ما يتطلب التجرد أكثر ما يمكن من الذات، و استثمار الحيوية السياسية التي بعثها التصويت على دستور 2011 في انتخابات تشريعية تفرز مؤسسات ذات مصداقية تعيد الاعتبار للسياسي، ولعل المدخل السليم لذلك هو إعادة النظر أولا في نمط الاقتراع الذي ينسجم أكثر مع عقلية المواطن المغربي، التواق إلى ممارسة الرقابة الشعبية ومحاسبة من اختارهم عبر الآلية الانتخابية، وثانيا بلورة تقطيع انتخابي يسمح بتمثيلية متوازنة، تأخذ بعين الاعتبار معطيات موضوعية تخضع للديموغرافيا والتنمية المستدامة، أكثر من خضوعها للمقاربات السياسوية أو الأمنية بالمفهوم الضيق.
أستاذ بكلية الحقوق السويسي بالرباط
عضو الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
|