التاريخ: تموز ٢٥, ٢٠١١
المصدر: جريدة المستقبل الللبنانية
ومن قال إنّ الثورات الديموقراطية وصفات سحرية جاهزة؟ - بول شاوول

تفجرت الثورات العربية من أعماق المجتمعات والحقائق التاريخية، ومن التراكمات والاعتمالات الكامنة، التي سبق أن أظهرت علامات ودلائل احتجاجية متواضعة هنا، وبارزة هناك. فالتفجر من الأعماق لا بد أن يحمل تحركات الأعماق. كانت هذه العلامات تطل، من مقالات هنا، أو عرائض، أو بيانات أو انتقادات، أو دعوات الى التغيير، أو الى تظاهرات. هذا ما حدث، خصوصاً في مصر، حيث إن المجتمع المدني بأحزابه وهيئاته وبعض مثقفيه (لا أعني هنا مثقفي السلطة)، أبدى حراكاً متعدد النبرات والمستويات، بدأ بالكلمة واستمر ببعض التظاهرات التي عبّرت عن رفض التوريث في نظام مبارك (ولده العزيز جمال كان جاهزاً) أو التمديد لرئيس بعد 30 عاماً من الحكم. وكلما يذكر أنه تمت المطالبة بإسقاط مبارك، واكبها تمزيق صوره، وأدت الى قمع أو محاولة تفتيت المعارضة التي كانت آنئذ مفتتة. ونظن أنه في تلك المرحلة، خصوصاً من 2005 الى 2008، شكّلت شرارات صغيرة لم يتهيأ لها الهشيم اللازم لانطلاقها. فأميركا وإسرائيل وأوروبا، لم تكن مستعدة يومها لقبول هذه الفكرة، وكأنها كانت تبحث عن بديل جاهز، لكي تفقد السيطرة على الأمور، أو تخسر، بمراهنة غير مؤكدة، إحدى الساحات الرديفة لها. مع هذا شعر هؤلاء أن نظام مبارك بات يشكل عبئاً عليهم، من خلال استعماله في لعبة الفساد والجشع والتشبث بسياسته الاستئثارية.


هذه الشرارات الصغيرة التي تكلمنا عنها، وجدت لحظة "الأوج" في الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2011. لحظة الشرارة التي تحوّلت بركاناً، متشجعة ومتأثرة بالثورة التونسية التي أدت الى إسقاط نظام بن علي وعائلة زوجته المشؤومة ورهط من المثقفين والزبانية. هرب بن علي وانتصر الناس في ساحات تونس لا سيما في ساحة بورقيبة. وهذا ما حدث في مصر عندما تنحى مبارك وانتصر الناس في ميادين مصر لا سيما في ميدان التحرير. إنهما الثورتان المفتتحتان الرائدتان (وإن كان علينا إعادة قراءة ثورة 14 آذار ودورها الأساسي في إسقاط نظام الوصايتين السورية والإيرانية في لبنان، مركزين على الآلية السلمية الصافية في مواجهة أربعين ألف جندي سوري وما يردفه من بؤر فلسطينية مرتبطة بالنظام السوري عبر قيادات فلسطينية لا سيما أحمد جبريل وخالد مشعل السيئي الذكر والفوح والبوح). وهنا بالذات بات علينا، وإن بصعوبة انتظار لعبة الدومينو. وهذا ما حصل في اليمن وفي ليبيا وفي سوريا: انتفاضة الجماهير سلمياً في وجه الطغاة، وإعلان الثورة الشعبية لإسقاط هذه الأنظمة "الوراثية" التافهة.


العاهل المغربي محمد الخامس كان الأكثر واقعية، وذكاء، وحساً بخطورة "يقظة" الجماهير. فأجرى إصلاحات وافق عليها المغاربة بنسبة 96% (وهي النسبة ذاتها التي كانت تصدرها المخابرات في الأنظمة الثورية الغبية لتجديد البيعة للقائد البطل، والقائد "الممانع"، والقائد كامل الأوصاف الإجرامية والفاسدة). وعندما سألت عدداً من المثقفين والفنانين المغاربة المعارضين، من أصدقائي، عن مدى جدية ما حصل، ومصداقية السلطة، أجابوني أن الشعب أراد ذلك. ووافق على الإصلاحات. ونحن كذلك. رائع. قلت. فاطمأننت الى أن إرادة الجماهير وصلت الى مبتغاها من دون عنف، وحروب، وقتل، واعتقالات. ثورة سلمية حملت النظام على تحقيق مطالبها. فالمغرب اليوم في حضن الجماهير. وفي قلب المستقبل. نجحت "الانتفاضة" هناك. ولكن تأزمت في أماكن أخرى: في اليمن حيث "مانع" الرئيس علي عبد الله صالح، وحاول تحويلها فتنة أهلية مسلحة. وهي محاولة فشلت لوعي المعارضة اليمنية أن النظام يريد أن يجرها الى ساحته العسكرية، وهذا وإن حصل جزئياً، فإنه وُئد، واستمرت التحركات الشعبية المليونية وما زالت، وبات الرئيس اليمني في حكم "السابق" والفائت والبائد. وهذا ما حدث في ليبيا، وإن نجح النظام في جرّ الثورة السلمية الى حمل السلاح. وبالقوة والعزم والشفافية والشجاعة التي واجهت به الجماهير مرتزقة القذافي وجيوشه الخاصة، قاومته بالسلاح... وها هو قابع في بعض الأقبية (كصدام حسين)، يحصي ساعاته الأخيرة. والوضع في سوريا لا يختلف فالنظام اختار "الحل الأمني"، والقمعي، فواجه سلمية التظاهرات بشبيحته، وميليشياته، وبجزء من عسكره، واستخدم (كالقذافي) الدبابات والطائرات والمدافع لقصف العزل والأطفال وتدمير القرى والمدن، ونصب حصار كعقاب جماعي على أهله. ولكن، وعلى الرغم من هذا الجنون العنفي، والهستيريا الدموية، اتسعت جغرافية الثورة، وتضاعفت الأعداد، وانخرطت قطاعات جديدة في مواجهة سلاح النظام... بالتظاهرات السلمية، وهذا ما أفقد النظام أعصابه، فراح ومنذ بدايات الثورة يهدد بالفتنة المذهبية (يقصد بين العلويين والسنة وصولاً الى الأقليات)، وها هو يصنعها في حمص ويكررها في حماة ويقمعها في البوكمال. أفلت بلاطجته (كعلي صالح وحسني مبارك وبن علي...) على الناس المسالمين، لتصوير الأمر وكأنه حرب أهلية، سيلعب فيها دور الإطفائي (هذا ما فعله النظام في لبنان على امتداد أربعة عقود مع أعوانه من الطغاة: صدام حسين والقذافي... وإسرائيل).
نقصد من هذه المراجعة، أن الثورات لا تكتمل ولا تتحقق بكبسة زر، ولا دفعة واحدة. ولا بسهولة بلا عقبات. أوليس هذا ما واجهته الثورة الفرنسية التي لم تستتب إلا بعد ثلاثين عاماً من قيامها، بعد محاولة الثورات المضادة من جمهورية ومن ملكية ودينية لإجهاضها.


بعد ثلاثين عاماً حصدت الثورة الفرنسية إنجازاتها، لتحقيق "أحلامها"، ومطالبها، وتصوراتها. نحن في العالم العربي، ما زلنا في البداية، ولم ينقضِ على اندلاع الانتفاضات أكثر من شهور عدة. الانقلابات العسكرية قد تنجح دفعة واحدة لأنها "تنجح" بقوة السلاح، وليس بقوة الجماهير. وتفرض "دساتير" بالقمع، وليس بالحوار. وتعتمد الإرهاب، والاعتقالات، والتخوين، لترسيخ "نظامها"، بحيث تعطب كل احتمالات نقدية، أو تعددية أو معارضة للشعب، العسكر يحكم بالعسكر. والجماهير بالجماهير. في الحالة الأولى تسوّي الدبابات كل ما يعترض طريقها بالأرض وتمشي على جثث الناس وإراداتهم وكراماتهم، تمهيداً للاعتساف، وإنجاب "القائد" الواحد، والطاغية الواحد، والقاتل الواحد، الذي يصبح وحده الدستور والشعب والنظام والسلطة والبرلمان والحكومة (هذا ما حصل في مصر وفي تونس وفي سوريا واليمن وليبيا...). إذاً ليس من تعددية تفترض حواراً. فالحاكم هو المتعدد وحده وهو المحاور نفسه. إذاً ليس من أحزاب، فالحكم عنده "حزبه" الواحد الذي يقود أمة بلا شعب، وشعباً بلا أمة، وجمهورية بلا جمهور، وجمهوراً بلا جمهورية. إذاً يمنع كل "عقبات"، ويقمع كل الاختلافات، ولهذا نجحت الانقلابات بسرعة هائلة (وإن واجهتها أحياناً انقلابات تصحيحية أسوأ منها).


أما في المقلب الآخر، أي الثورات الشعبية السلمية، فالأمور مختلفة، أولاً لأن مكوّنات هذه الثورات متعددة، ومتناقضة، ومتنافسة، ومستندة الى الرأي والرأي الآخر، والى النقد والنقد الآخر. وهنا مكمن قوتها، وهنا أيضاً مكمن هشاشتها. هنا "استقرارها" وهنا تفاعلاتها. هنا استمرارها وهنا فجواتها، خصوصاً عندما تصادف هذه الثورات أزمنة غير إيديولوجية. أي من دون "تنظيرات" جاهزة. أو قوالب سابقة. بمعنى أن هذه المجموعات "الثائرة" تسعى الى مخاطبة الواقع لاستنباط حلولها السياسية والاجتماعية والثقافية منه. أي محاورة تواريخ متصادمة لاختيار مسالك، لا توصلها الى مقاربات "فوقية" (شعارات)، أو الى تنازلات أو الى فرضيات يوتوبية (فهي ثائرة ضد اليوتوبيات "القاتلة" والإيديولوجيات الثابتة)؛ كأنها تريد مقارعة "التحولات" بمنطق التحولات، والخروج من زمن الإلحاحات الى الزمن المفتوح، على قاعدة ديموقراطية مشرعة على ما يفرزه الواقع، وما تقاربه الاقتراحات، بعيداً عن المنحى الاختزالي، أو الاستبعادي (القسري)، أو الإيحاء بالوهن، أو بالتعثر، أو التراجع. نقول هذا لأن الثوار يواجهون ثورات مضادة تتمتع بهيكليات أمنية وسياسية راسخة، وآمنة، ومعبأة، منها ما هو دور الجيوش مثلاً. وما هو دور المؤسسات الأمنية. وما هو دور الأحزاب التي حكمت عقوداً. وما هو موقع الأحزاب التي تلتقيها. وما هو الدستور الذي يجب أن يعتمد. وما هو دور الثقافة. إنها أسئلة جديدة في عالم ما زال "قديماً" (تماماً كالثورة الفرنسية)، وما زال متمسكاً بجذوره: عالم من أنفال العهود البائدة ومن ذهنياتها ومن ذهنياتها المريضة الطاغية والخبيثة. بل وتجد نفسها كل يوم أمام "ظاهرة" جديدة ليست من جانبها. بل وتجد نفسها (وهذا منتظر) تقارع البنى التي شاركتها في ثورتها، كبعض الأحزاب (الاخوان المسلمون في مصر مثلاً) وكذلك الجيش، بل وتجد نفسها على ارتياب مما قد يضمره هذا الجيش أو تلك الأحزاب من محاولة استيعابها عبر تبنيها. فالجيوش التي حمت الثورات ها هي تمتدحها لكن لتفترسها. وها هي المجالس العسكرية تجر وراءَها تاريخاً طويلاً من السلطة لا تريد أن تتخلى عنه لا للثوار ولا من يثورون. فالسلطة من حصتها. والقضاء من حصتها. والعدالة من حصتها. وجزء من التواطؤ مع الطغاة الساقطين... من مهماتها. كأنها "رِجْل في الحقل وأخرى في البور": تعانق الثورات لتخنقها، وتتساهل معها لتفرض عليها ما تريد فرضه. (هذا ما يحصل في مصر وفي ليبيا وفي اليمن... وإلى حد ما في تونس).


كل هذه الحقائق يواجهها الثوار بخبرة مكتسبة كل يوم، وبعزيمة، وبوعي، وبإصرار، وبشفافية. باتوا يعرفون أن الثورات ليست "مجرد نزهة"، ولا طرقاً معبّدة بالورود، ولا سهولاً بلا عقبات. والغريب، أن بعض المثقفين بدأوا "ينعون" هذه الثورات، ويشيعون أجواء الإحباط. ويبشرون بالنجاح المستحيل. فهؤلاء، عن قصد أو غير قصد، يخدمون "الثورات المضادة" أي فلول الأنظمة المتهاوية. بل وبدأ بعضهم ينتقد (وهذا من حقه)، ويأخذ على الثوار سوء "تصرفهم"، أو تباطؤ إنجازاتهم، وكأنه أصم الآذان والعيون والحواس والفكر لا يعي مدى الصعوبات التي يقابلها هؤلاء. ولكن نظن أنه إذا ظن بعضهم أن التحولات الكبرى تجري "بوصفة" أو "براشته" أو برنامج شامل ناجز، فهو مخطئ، ويخلط بين الانتفاضات الشعبية الحية الحرة... وبين الانقلابات، أو حتى "الثورات الإيديولوجية" التي سقطت في المنقلبات، ويخلط هذا البعض بين ثورات سلمية تحاور، وأخرى انقلابية لا تحاور، وبين ثورات سلمية قائمة على التعدد والاختبار، وبين ثورات عسكرية، تصوغ "ديموقراطياتها" الشمولية بالسلاح، وتنسج دكتاتوريتها... بالقوة (ومتى أدى العنف الى قيام نظام ديموقراطي).


على هذا الأساس ما زالت الثورات العربية التي تترسخ يوماً بعد يوم، في مساراتها الكبرى، أو في أولوياتها المفترضة، سعياً الى بناء "أنظمة" جديدة تبنى لبنة لبنة، ولا تستورد "كالمساكن الجاهزة"!
الثورات الإيديولوجية والانقلابات هي التي تحرق المراحل، أما الثورات الشعبية فتنضج بهدوء على حنان الديموقراطية الدافئ.