التاريخ: تموز ٢٠, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
إلى حين ميسرة... - جمال فهمي

كأنه قفز من دراما إغريقية، هكذا تبدو حال رئيس الوزراء المصري عصام شرف الذي صعد الى منصبه قبل أربعة اشهر على اكتاف الثوار في ميدان التحرير، لكن نزوله عن كرسي الوزارة اضحى الآن يحتل رأس قائمة مطالب الشباب الثائر المعتصم في الميدان عينه، منذ مدة تكاد تقارب زمن فاعليات ثورة الشتاء العارمة (18 يوما) التي اطاحت حسني مبارك ونظامه.
ويجاهد شرف ومعه المجلس العسكري صاحب السلطة العليا في البلاد حاليا لعبور الازمة الكبرى منذ رحيل مبارك، ويحاولان بشتى الوسائل التملص من ضغوط شباب ضاق ذرعاً بالتلكؤ وعدم الحماسة في تنفيذ حزمة مطالب "ثورية" عاجلة، لا تبدأ بإنزال شعار "العدالة الاجتماعية" من فضاء الثرثرة الى ارض الواقع من خلال اجراءات عملية سريعة مثل رفع الحد الادنى للأجور الى مستوى انساني وفرض حد اقصى يضيّق الهوة الرهيبة بين قلة محظوظة تتقاضى الملايين كل شهر وغالبية ساحقة تناضل لبلوغ حد الكفاف.
ولا تنتهي هذه المطالب بإقامة العدالة الناجزة علنا على مبارك ورموز عهده الكبار، وتطهير مفاصل الدولة الحساسة ومؤسساتها المهمة (شرطة وقضاء وجامعات واجهزة اعلام) من جيوش الفاسدين ورجال النظام الراحل.


المراوغة والفتور المفضوح في التعامل الايجابي مع تلك المطالب طوال خمسة أشهر كاملة هي نصف عمر المرحلة الانتقالية، أديا الى رفع سقف المطالبات الى عنان السماء، فلم يكتف الشباب وطيف واسع من القوى السياسية (عدا الاسلاميين) التي تدعم اعتصامهم، باستحداث مطلب رحيل شرف نفسه بعدما كان المطلوب تطهير حكومته من رجال العهد السابق فحسب، بل ذهب بعضهم الى حد الاصرار على رحيل المجلس العسكري فورا عن سدة حكم البلاد.
ومساء الاثنين وحتى صباح الثلثاء كان الانطباع السائد ان عصام شرف تمخض، بعد عسر شديد، عن "خلطة" وزارية معدلة لا تخلو من ملامح عشوائية ظاهرة، ومع ذلك بدت تنطوي على "تغيير ما" قد يسوق شعبيا باعتبار ان فيه شيئاً من المعقولية لكونه اسفر عن تطهير الوزارة من جل رجال الرئيس المخلوع، لكن الارتباك والعشوائية سرعان ما فعلا فعلهما فانهارت اجزاء من "الخلطة" وتم التراجع عن توزير شخصيات كان اعلن رسميا انضمامها الى الحكومة، ومن ثم عاد الوضع الى مربع الازمة الاول باعتراف صريح بدأ بتأجيل اداء الوزراء القسم الدستوري من الاثنين الى الثلثاء، ثم الاعلان الضمني أمس عن ارجائه مجددا الى اجل غير مسمى، بعدما اضطر رئيس الحكومة الى اصدار تكليف صريح للوزراء المقرر رحيلهم بالاستمرار في اماكنهم ... الى حين ميسرة.