التاريخ: تموز ٩, ٢٠١١
المصدر: جريدة الحياة
الثورة المصرية: اتفاق واختلاف - محمد صلاح

بغض النظر عن تفاصيل التظاهرة الحاشدة في ميدان التحرير أمس، فإن أهم ما أثبتته أن اتفاق النخب والقوى السياسية على مبادئ عامة قريبة من طموحات الناس ورغبات الشعب المصري كفيل بأن تكمل الثورة المصرية التي انطلقت في 25 كانون الثاني (يناير) الماضي مسيرتها، وأن معارك السياسيين والصراعات على الفوز بغنائم الثورة تؤدي بكل تأكيد إلى تآكل المزايا التي حققتها الثورة حتى الآن، وتهدد بأن تذهب الأهداف التي سعت إلى تحقيقها في مهب الريح. حملت التظاهرة اسم «الثورة أولاً» بعد جدل استمر فترة حول اختيار اسم يظلل التظاهرة من «جمعة الغضب» إلى «الدستور أولاً» إلى «جمعة القصاص»، ثم اتفق الجميع على أن الثورة يجب أن تكون أولاً. صحيح أن بعض المشاحنات والاحتكاكات وقعت ليل الجمعة بسبب التنافس على حجز أماكن للمنصات المعبرة عن القوى المشاركة في التظاهرة، وصحيح أن بعض اللافتات تمت إزالتها بعدما اتفق على أن تكون كل الشعارات المرفوعة والهتافات التي ستُطلق واللافتات التي ستُرفع تتضمن فقط العبارات التي تتوافق مع أهداف عامة متفق عليها من كل القوى، إلا أن أموراً كهذه تبدو طبيعية خصوصاً بعدما وصلت العلاقات بين القوى السياسية المصرية في الفترة الأخيرة إلى انقسام حول أسلوب إدارة البلاد ومسارها في المستقبل، بعدما كانت اتفقت كلها على إسقاط النظام.


قام الشعب المصري بثورته ليسقط نظاماً فاسداً ديكتاتورياً ظالماً، وليسعى الى الحرية والعدل والحياة الكريمة، لكنَّ السياسيين اختلفوا حول سبل تحقيق هذه الأهداف، وما بين الإسلاميين من جهة والليبراليين والناصريين واليساريين والقوى السياسية الأخرى من جهة أخرى، تعرضت الثورة المصرية لخطر الرجوع إلى الخلف، خصوصاً أن محاولات إخافة الناس والإحباط ونشر الفوضى ظلت مستمرة من الذين استفادوا من النظام السابق ورأوا أن نجاح الثورة يعني لحاقهم بزملائهم الذين سبقوهم إلى السجون. وزاد من الخطر أن المعركة بين الإسلاميين والقوى الأخرى تدور حول أيهما يسبق الآخر: الدستور أم الانتخابات البرلمانية، في ظل ترويج كل طرف للحجج التي تؤكد سلامة موقفه. ومن المهم أن تدرك كل القوى السياسية أن اختلاف الرؤى حول بناء مصر في المستقبل أمر طبيعي، ومن حق كل فصيل سياسي أن يروج لأفكاره بين الناس، وأن يسعى إلى إقناع الشعب بمواقفه ورؤاه من دون أن يحرض على الأطراف الأخرى بعدما أظهرت الشهور التي أعقبت سقوط نظام مبارك أن القوى السياسية تلجأ أولاً إلى تشويه الأطراف المنافسة ثم تبدأ بعدها في طرح أفكارها ومبادئها على الناس! واستخدم المتنافسون الإعلام الخاص الذي ابتعد غالباً عن الموضوعية وتحول إلى أداة تستخدم لمصلحة هذا الطرف أو ذاك في ظل غياب شبه كامل للإعلام الرسمي الذي ما زال يعاني من أمراض النظام السابق.


لكن يبقى السؤال: كيف سيكون رد فعل المجلس العسكري وحكومة الدكتور عصام شرف على تظاهرة الأمس؟ هناك مطالب لا تختلف عليها القوى السياسية المصرية بينها الإسراع في محاكمة مبارك ورموز حكمه، وضباط وأفراد الشرطة المتورطين في قتل المتظاهرين، وتصفية رموز الفساد، وإبعاد المرتبطين بالحزب «الوطني» الذي كان حاكماً عن دوائر السلطة، ووقف المحاكمات العسكرية للناشطين السياسيين، فهل ستتحقق تلك المطالب؟ لكن الأهم، هل يبقى الاتفاق بين السياسيين المصريين على حاله، أم سيعودون مرة أخرى إلى العراك على: الدستور أولاً أم الانتخابات؟ لا يبدي المجلس العسكري اعتراضاً على غالبية تلك المطالب، وكذلك حكومة شرف، ولكن الفارق هو في إيقاع تنفيذها، علماً أن البطء يزيد من غضب الثوار وأهالي الشهداء، ويرسخ الاعتقاد بأن ذلك البطء هو في حقيقته تباطؤ، وأن الجيش يلعب على عنصر الوقت واستنزاف قوى الثورة. وأخيراً، فإن البحث عن نقاط للتلاقي وقواسم مشتركة بين الجيش وقوى الثورة صار أمراً ضرورياً لإنقاذ البلاد من الفوضى. كما أن على القوى السياسية أن تدري أن في اتفاقها على أهداف محددة تقوية لها تدعم الثورة وتحقق أهدافها وتجعل خوض جميع المتنافسين المرحلة المقبلة لبناء الدولة أمراً ميسوراً من دون ألم أو معاناة يدفع ثمنها الشعب... صاحب الثورة.