|
في مصر يبدو أن الإنتاجية الاقتصادية والسياحة تنتعشان، ولو ببطء، في حين تحتدم المعركة بين القوى السياسية مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقررة في أيلول المقبل. معركة أساسها... مخاوف.
تعبّر الجماعات السياسية عن ثلاث مجموعات من المخاوف على الأقل: الخوف من استمرار الحكم العسكري، والخوف من صعود "الحزب الوطني الديموقراطي" من جديد في شكل من الأشكال، والخوف من سيطرة "الإخوان المسلمين". تدفع هذه المخاوف بالناشطين في اتّجاهات مختلفة، فتولّد مشهداً سياسياً مشوَّشاً ومجموعات متعارِضة من الأولويات.
لقد أوضح المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة أنه حريص على تسليم السلطة الرسمية إلى الجهات المدنية. إلا أنه أبدى رغبته اخيرا في الاحتفاظ بتأثير سياسي كبير في المستقبل. فقد اقترح اللواء محمود شاهين في 16 حزيران الماضي أن يمنح الدستور المصري الجديد صلاحيات واسعة للجيش، بما في ذلك الحق في التدخّل في الشؤون السياسية لحماية المصلحة العامة والتحرّر من الإشراف البرلماني على الموازنة العسكرية. وأوصى مؤتمر عقده المجتمع المدني بمشاركة عسكرية في 19 حزيران الماضي بأن يجعل الدستور الجديد الجيش حامي المؤسّسات المدنية. أما محمد سعد الكتاتني، أمين عام "حزب الحرية والعدالة" الجديد الذي أنشأه "الإخوان المسلمون"، فيشير من جهته إلى أن المبرّر الأساسي لتأييد إجراء الانتخابات النيابية في أيلول هو أن الجيش ربما بدأ يستسيغ طعم السلطة، ويعلّق بالقول "يجب أن نعيد الجيش إلى الثكنات؛ إنه لأمر خطر أن نتركهم يستمرّون في السلطة لوقت طويل". ويبدو أن عدداً كبيراً من رجال الأعمال وسواهم ممّن كانوا يدعمون نظام مبارك يُجمعون على الرغبة في حصول انتخابات مبكرة، معتبرين أن تحديد جدول زمني واضح للاستحقاقات السياسية هو خطوة أساسية لتدفّق الاستثمارات المحلّية والخارجية ونهوض الاقتصاد من جديد. هذا ويتشاطر "الإخوان المسلمون" وعدد كبير من القوى السياسية الأخرى الخوف من صعود "الحزب الوطني الديموقراطي" من جديد في شكل من الأشكال. صحيح أن كبار الشخصيات في "الحزب الوطني الديموقراطي" – آل مبارك، والأمين العام صفوت الشريف، ورجال الأعمال الذين كانوا يدورون في فلك جمال مبارك – قد ولّوا إلى غير رجعة وحُلّ الحزب بموجب حكم صادر عن المحكمة في نيسان الماضي، إلا أنه يسود اعتقاد على نطاق واسع بأن العائلات البارزة، ولا سيما في المناطق الريفية، ورجال الأعمال الذين كانوا سابقاً أعضاء في "الحزب الوطني الديموقراطي"، سيتمكّنون من استخدام شبكاتهم القديمة للفوز بتمثيل واسع في الانتخابات النيابية، سواء كمستقلّين أم ضمن أحزاب. لهذا السبب، أعلن "حزب الحرية والعدالة" والعديد من الأحزاب الأخرى التي تأسّست حديثاً – بما في ذلك الليبراليون واليساريون والديموقراطيون الاشتراكيون – إلى جانب قوى سياسية راسخة مثل حزبَي "الوفد" و"الغد"، في 14 حزيران الماضي أنها ستقدّم لائحة مشتركة من المرشّحين للبرلمان ("التحالف الوطني من أجل مصر") من أجل الحؤول دون صعود "الحزب الوطني الديموقراطي" من جديد.
لكن تتشكّل تحالفات أخرى أيضاً، وتضع في معظمها أحزاباً غير إسلامية في مواجهة "الإخوان المسلمين" في معركة تدور رحاها بين مؤيّدي الدستور أولاً (أو على الأقل تأجيل الانتخابات) والمطالبين بإجراء الانتخابات أولاً. يعتبر أنصار "الدستور أولاً"، ويتألّفون في غالبيتهم من الليبراليين واليساريين، أنه من غير المنطقي انتخاب مجلسَين برلمانيين ورئيس للبلاد فيما يُرجَّح أن يؤدّي الدستور الذي سيُوضَع لاحقاً إلى تغيير كبير في المنظومة السياسية مما يقتضي إجراء انتخابات جديدة في فترة لا تتعدّى العام الواحد. وتنطلق حجّتهم الإجرائية هذه من المخاوف التي تساورهم من تحقيق "حزب الحرية والعدالة" نتائج جيّدة في الانتخابات النيابية تتيح له أن يكون صاحب الرأي الأول في صوغ الدستور.
أما المطالبون بإجراء الانتخابات أولاً، وعلى رأسهم "حزب الحرية والعدالة"، فيردّون بأن الدستور الجديد لن يكون شرعياً إلا إذا ارتكز على الانتخابات. يشار إلى أن المنظومة المطبَّقة حالياً تنص على قيام البرلمان المنتخب باختيار جمعية تأسيسية من 100 عضو تشرف على كتابة الدستور، على أن يتبع ذلك استفتاء شعبي على الوثيقة. ويعتبرون أيضاً أنه من شأن إعطاء الأولوية لكتابة الدستور أن يشكّل انتهاكاً للإرادة التي عبّر عنها الناخبون في الاستفتاء الذي أجري في آذار الماضي، والذي أيّد فيه ثلاثة أرباع الناخبين التعديلات الدستورية التي تنصّ على إجراء انتخابات تشريعية في غضون ستّة أشهر.
من سيكتب الدستور وماذا سيكون مضمونه؟
لا يوضح الدستور المصري الموقّت من سيكتب الوثيقة. لقد تولّت لجان صغيرة تضمّ قضاة ومفكّرين قانونيين وبعض السياسيين كتابة التعديلات الدستورية والقوانين الجديدة التي طرحتها القيادة العسكرية حتى الآن، وتشير المعلومات والتقارير إلى أن نائب رئيس الوزراء يحيى الجمال يعمل حالياً على وضع مسوّدة دستور جديد. يثير افتقار الآلية إلى الشفافية، وكذلك وجود ممثّل عن "الإخوان المسلمين" في لجنة التعديلات الدستورية في غياب الممثّلين عن القوى السياسية الأخرى، قلق عدد كبير من القادة السياسيين والقياديين في المجتمع المدني.
وقد أطلق العديد من الشخصيات السياسية والتيّارات والمجموعات الأهلية مبادرات في الفترة الممتدّة من مطلع حتى منتصف حزيران الماضي من أجل منع الإسلاميين من السيطرة على آلية كتابة الدستور الجديد وإقراره، بغض النظر عن عدد المقاعد التي يفوز بها "حزب الحرية والعدالة" (الذي يقول إنه سيُقدِّم مرشّحين للتنافس على نسبة لا تزيد عن 50 في المئة من المقاعد) في البرلمان. ولعل الجهد الأبرز هو ذاك الذي يبذله محمد البرادعي الطامح للرئاسة، فقد اقترح وثيقة لحقوق الإنسان من 17 مادة تنص على إقصاء الجيش من العملية السياسية الرسمية وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين. كما أطلق مركز هشام مبارك للقانون مبادرة تحت شعار "تعالوا نكتب دستورنا" لترويج مشاركة المواطنين في صوغ الدستور.
القاسم المشترك بين المبادرات المختلفة هو المجهود الذي يُبذَل للحصول على تطمينات – من المجلس الأعلى للقوات المسلّحة و"الإخوان المسلمين" والمجتمع في شكل عام – بأن الدستور الجديد سيُجسّد المبادئ الكونية لحقوق الإنسان وما يسمّيه المصريون "مدنية الدولة"، أي إن مصر ستكون دولة "مدنية" لا دينية. ففي خطوة تهدف على الأرجح إلى الحصول على التعاون من الإسلاميين في النقطة الأخيرة، قدّم البرادعي ما اعتبره بعض المراقبين تنازلاً خطيراً في مبادرته، عندما أشار إلى أنه مستعدّ لدعم دستور جديد ينص على أن الإسلام هو دين الدولة والشريعة المصدر الرئيس للقوانين.
وتسعى المبادرات أيضاً إلى توضيح آلية اختيار الجمعية التأسيسية المؤلّفة من 100 عضو، والتي لا يتطرّق إليها الدستور المؤقّت بالتفصيل. وقد تجاوب "الإخوان المسلمون" إلى حد ما مع هذا المطلب، وأعلن الكتاتني في اجتماع في منتصف حزيران الماضي أن "الدستور لا يمكن أن تفرضه غالبية برلمانية بل يجب أن يأخذ في الاعتبار آراء الجميع بما في ذلك الأقلّيات"، وأنه "على الجمعية التأسيسية أن تعكس التنوّع الكامل للمجتمع المصري".
من جهة أخرى، لفت محمد فائق، وهو وزير سابق وناشط حقوقي مخضرم يرأس الآن المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان بعدما خضعت للإصلاح، إلى أن الدستور الجديد سيرتدي أهمية بالغة ليس للبلاد وحسب إنما أيضاً للعالم بأسره نظراً إلى أنه للفقهاء القانونيين المصريين تاريخ عريق في كتابة الدساتير العربية الأخرى، وعلى الأرجح أن هذا التاريخ سيتجدّد في المستقبل. فقد قال "نصدّر الأشياء الجيّدة والسيّئة على السواء".
(باحثة في مركز كارنيغي للسلام ترجمة نسرين ناضر)
|