التاريخ: أيلول ٧, ٢٠٢٠
الكاتب:
المصدر: جريدة القدس العربي
حول المبادرة الفرنسية لبنانياً والتباساتها
أثارت زيارة الرئيس الفرنسي الثانية إلى بيروت ولقاءاته وتصريحاته خلالها الكثير من التعليقات والنقاشات اللبنانية، التي اعتبرت بمعظمها أن إيمانويل ماكرون عاد وأمدّ الطبقة السياسية بجرعة حياة، وأنه خفّف من مفاعيل الحصار المضروب على حزب الله بموازاة تواصله مع طهران التي يسعى لتقليص التوتّر بينها وبين واشنطن.

وقبل الخوض في تقييم المقولات المذكورة، يفيد الحديث عن المقاربة الفرنسية للمسألة اللبنانية، وارتباطها بحسابات سياسية تتخطى لبنان إلى محيطه المباشر.

فباريس ترى أنها في “عملية إنقاذ لبنان” إنما تواصل دوراً تاريخياً لها في البلد الصغير الذي ساهمت في تأسيسه وصياغة نظامه قبل قرن من الزمن. وهو بالنسبة إليها أبرز معقل تأثير وحراك لديبلوماسيتها في المشرق العربي لتشابك علاقات ثقافية وتعليمية واقتصادية وسياسية عرفت الكثير من المحطات، خاصة في عهدي ميتران وشيراك، ولقدرة على التحاور والتفاوض مع جميع الأطراف ورعاتهم الإقليميين، لا سيّما حزب الله المُقاطَع من باقي الدول الغربية. وباريس تدخّلت في السنوات الثلاث الماضية مباشرة في الشأن اللبناني، فخلّص ماكرون رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري من “الأسر” السعودي والتأزّم الناجم عنه، ونظّمت إدارتُه مؤتمر “سيدر” لتقديم العون الاقتصادي لبيروت حاشدةً مليارات الدولارات المشروطة، ونجحت جهود بعثته في تمرير التمديد لقوات اليونيفيل في جنوب لبنان في مجلس الأمن الدولي رغم التحفّظات الأمريكية.

بهذا المعنى، تُعدّ المقاربة الراهنة استمراراً لنهج سياسي يولي الشأن اللبناني اهتماماً خاصاً، ويعتبر اللحظة مؤاتية للعب دور حاسم فيه نتيجة انسحاب معظم اللاعبين الإقليميين والدوليين الآخرين وتعرّض البلد لإفلاس تام ولتراكم ديون لا قدرة لاقتصاده على الخروج منها، ولا معرفة لطبقته السياسية التي تناهبت خزائن الدولة فيه بسُبل التعامل معها.

في الوقت نفسه، تعتقد فرنسا أن التوتر الإيراني الأمريكي المتصاعد سيؤدي إلى المزيد من الانهيارات المالية اللبنانية نتيجة العقوبات وآثارها، وأنه قد يتسبّب أيضاً بتهديد أمني جدّي لا تكتفي فيه إسرائيل بالإغارة على مواقع حزب الله في سوريا، بل توسّع الأمر نحو مواقعه اللبنانية، في غياب أي ضوابط من واشنطن لسلوك تل أبيب تحصر قصفها في مناطق عسكرية أو رقع جغرافية محدّدة كما جرى في العام 2006. وهذا سبب إضافي للاندفاعة الفرنسية، إذ أن باريس تعدّ الأشهر المتبقية من العام الحالي أشهر تعطّل أمريكي نتيجة الانتخابات الرئاسية، بما يُتيح لها قيادة الدفة والتواصل مع إيران لتجميد الصراعات وتهدئة الأمور في لبنان والعراق مقابل وعود بالسعي لوساطات مع واشنطن، سيرحّب بها جو بايدن إن انتُخب، وقد يقبل بها دونالد ترامب إن جدّد الأمريكيون له شرط إظهارها جدوى سياساته العقابية السابقة.

يضاف إلى ذلك، أن فرنسا تحاول اليوم العودة بقوة إلى منطقة شرق المتوسّط منتهزةً فرصة تراجع حضور القوى الغربية فيها في العقد الأخير لصالح روسيا، ولصالح قوى إقليمية “ذات ماضٍ أمبراطوري وتطلّعات هيمنة” على ما قال ماكرون نفسه في توصيفه لإيران وتركيا. ويوفّر له لبنان، كما العراق حيث الضمور التدريجي للوجود العسكري الأمريكي، حيّزاً مهماً لمنافسة خصومه أو نظرائه في مرحلة تصاعد خلافات وصراعات واكتشافات حقول غازية. ولعلّ التشدّد الفرنسي حيال أنقرة يُفسَّر ربطاً بما ورد، إذ أن الطرفين يتواجهان في ليبيا، وباريس تدعم أثينا ونيقوسيا في الأزمة المتوسطية، والأهم، أنها تسعى إلى عرقلة تمدّد النفوذ التركي نحو ساحات جديدة (مثل لبنان والعراق) يمكن للإحباط السنّي من السيطرة الشيعية فيها أن يكون تُربة استثمار لأنقرة في حقبة انكفاء سعودي (بسبب حرب اليمن ومشاكل التوريث وقلة الكفاءة) لا تعوّضه مطامع التوسّع الإماراتية لأسباب كثيرة، ليس أقلّها عدم امتلاك أبو ظبي لبُنية سياسية وعسكرية (وديموغرافية) تمكّنها من إدارته على المدى البعيد.

بهذا، وبالعودة إلى المبادرة الفرنسية لبنانياً، يجوز القول إن باريس تتّكئ إلى عوامل قوة تظنّها قادرة على فرض مسارَين. الأول اقتصادي خدماتي، والثاني سياسي.

في المسار الأول، تعوّل باريس على تمويل دولي وإدارة فرنسية دولية لعملية إعادة بناء مرفأ بيروت ومحيطه، تُظهر فاعلية وسرعة، بموازاة عملية إصلاح لقطاع الطاقة المهترئ الذي استنزف مالية الدولة اللبنانية على مدى عقود وتحسينٍ لقطاع الاتصالات ولخدمات حيوية أخرى (من ضمنها جمع النفايات) تتصدّر منذ سنوات أشكال المعاناة المعيشية لدى أكثرية اللبنانيين. كما تراهن فرنسا على فرض الرقابة على مصرف لبنان وعلى الإنفاق المالي الرسمي بما يتلاءم مع مشروطية صندوق النقد الدولي للتدخل وإعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني وقطاعه المصرفي واستجلاب مساعدة إضافية من البنك الدولي وبدء توفير أموال “سيدر” المعلّقة بانتظار “الإصلاحات” ووقف التهريب على الحدود السورية. وهذا سيؤدي وفق المنطق الباريسي إلى تجميد انهيار سعر صرف الليرة، وتحسين القدرة الشرائية والسماح بالتالي بالخوض في شكل التعامل مع الكارثة المصرفية وما يمكن إنقاذه من أموال المودعين.

يتركّز رهان فرنسا إذاً، على نجاحٍ “تقني” للمهمة اللبنانية وعلى ضغوط إضافية على السياسيين (من خلال التلويح بعقوبات منسّقة مع واشنطن ضد المعرقِلين) للسير وفق خريطة طريق متوفّرة منذ فترة، وقُدّمت عناوينُها العريضة للسلطات في بيروت.

في المقابل، تختلف الأمور تماماً إن انتقلنا إلى الحقل الإصلاحي سياسياً. فالغضب الشعبي العارم من الطبقة السياسية بأكملها، الذي تلفّقه ماكرون في زيارته الأولى، وبدا في تصريحاته ومصطلحاته مستقوياً به لتقريع “المسؤولين” اللبنانيين وتهديدهم إن لم يبادروا إلى تشكيل حكومة والسير باتجاه عقد سياسي جديد، تراجعت مفاعيله. و”الواقعية السياسية” في التعاطي مع الأمور فرضت نفسها، وتوازن القوى القائم نتيجة استمرار حزب الله في الدفاع عن السلطة ومسارعة الأخيرة إلى إطلاق وعود إصلاحية وتكليف رئيس حكومة (تختبئ خلفه) عشية وصول ماكرون أمّنت للأخير ذرائع للقول إنه ألزم الجميع بقواعد لعبة سيستمر في إدارة دفّتها، بعد أن ضمن لها قبولاً أمريكياً حذِراً (ترجمته أغلب التصريحات وزيارات مبعوثي واشنطن إلى بيروت) وموافقة إيرانية وصمتاً سعودياً.

وهذا كلّه إن صحّ، يعني أن التغيير السياسي مؤجّل، وأن الطبقة السياسية إياها ستستمرّ في السلطة – ولَو مجرّدة من الكثير من صلاحياتها، ومُهانة نتيجة ما تعرّضت له من تقذيع ومن تهديدات – وأن معالجة المعضلة التي يجسّدها حزب الله وسلاحه وفائض قوّته في الاجتماع السياسي اللبناني غير متاحة في الوقت الراهن (أو قبل اتفاق أمريكي إيراني حاسم). جلّ ما سيجري سيكون بالتالي إصلاحات موضعية ومحاولات إعادة بناء اقتصاد وإدارة ديون وتحسين خدمات في انتظار انتخابات نيابية، لا يمكن اعتبارها استحقاقاً تغييرياً في ظلّ قانون انتخابٍ وخبرة تحالفاتٍ وقدرات تعبوية واستثارة عصبيات لا تملك السيطرة عليها إلا قوى السلطة الطائفية إياها.

وقد دفع هذا الاستنتاج العديد من الناشطين السياسيين في أوساط الانتفاضة الشعبية اللبنانية المطالِبة برحيل السلطة بكافة مكوّناتها إلى اعتبار زيارة ماكرون الثانية مُحبطة ومجدّدة للأوكسيجين الذي كاد نقصُه يخنق القوى الحاكمة، وفي مقدّمها حزب الله.

وإذا كان في الاستنتاج المذكور بعض الوجاهة لجهة أن “الواقعية” التي يُكثر ماكرون من ذكرها واعتمادها معياراً لمقارباته تُفضي إلى تعويم السياسيين اللبنانيين وإعادتهم إلى الحلبة الدولية بوصفهم ممثّلين شرعيّين للدولة، وإذا كان من الممكن القول كذلك إن ماكرون فوّت فرصة الضغط لتشكيل حكومةٍ انتقالية كما يُطالب المنتفضون، وقبِل سلفاً بحكومة سيتلطّى خلفها معظم القوى الحاكمة منذ عقود، فإن ما لا وجاهة فيه هو اعتبار أن الرئيس الفرنسي عدّل موازين القوى لصالح الطبقة السياسية وحزب الله، وكأنها لم تكن لصالحهم أصلاً، أو كأن الانتفاضة التي تواطأت ضدّها قوى الثورة المضادة بقيادة الحزب المسلّح والمصارف والأجهزة الأمنية والعسكرية والأزمات الصحية والحياتية وصولاً إلى الانفجار الرهيب في العاصمة لم تكن تختنق منذ أشهر. وما لا وجاهة فيه أيضاً، هو اعتبار رئيس دولةٍ كبرى (ولَو متوسّطة النفوذ كما هي حال أوروبا) مناضلاً من أجل الإصلاح والتغيير في بلد منهار عليه “إنقاذه” وتنفيذ ما يريده المعارضون الصادقون فيه، حتى قبل أن يتّفقوا في ما بينهم على مشروع موحّد لتولّي قيادة المرحلة الانتقالية المنشودة. هذا من دون الإشارة إلى أنه ليس في شخصية ماكرون أصلاً ما يُتيح الرهان على أكثر ممّا قام به حتى الآن، وهو المعروف ببراغماتيّته المفرطة وباعتباره النجاح مسألة حسابية باردة (كباقي جيل السياسيّين التكنوقراطيين في الغرب اليوم).

يبقى أن الإحباط المشروع وذا بعض الوجاهة لدى أوساط الانتفاضة الذي أشرنا إليه، يصبح نِفاقاً وخفّة سياسية (أو معرفية) لا تُحتمل لدى عدد من السياسيّين “المحترفين” والمعلّقين الذين لا يكتفون بقراءة العلاقات الدولية ومسارات صناعة القرارات فيها انطلاقاً من قيلٍ وقالٍ ومن تبسيط وشائعات ونظريات مؤامرات لا تنضب، بل يخال قارئهم أيضاً أنهم كانوا لبنانياً على قاب قوسين أو أدنى من تجريد حزب الله من سلاحه فحالَ ماكرون دون إنجازهم، تماماً كما حال إقليمياً دون إسقاط النظام الإيراني الذي تحاصره الرياض وأبو ظبي!

فرنسا قد تنجح إذاً في رهانها الاقتصادي-الإداري في قطاعات معدودة، وقد تفرض رقابة تمنع القادة السياسيين من الإمعان في النهب والهدر (ولو أن مواهبهم في هذا الباب غير محدودة)، لكن التغيير الجذري الذي تريده أغلبيةٌ من اللبنانيين واللبنانيّات توهّمت ربما أن باريس تريده بالمقدار عينه ليس أولويةً على بساط البحث، إلا إذا تعدّلت موازين القوى الداخلية في لبنان واستنهضت الانتفاضة الشعبية قدراتها واستعادت زخم أسابيعها الأولى في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي. وهذا في أي حال، مبحث آخر…