الأربعاء ٢٨ - ١٠ - ٢٠٢٠
 
التاريخ: أيلول ٢٢, ٢٠٢٠
المصدر : جريدة الشرق الأوسط
لبنان
الاشتباك الأميركي ـ الإيراني يحاصر المبادرة الفرنسية لتشكيل حكومة في لبنان
عون: رايحين على جهنم!
بيروت: محمد شقير
باتت القوى السياسية اللبنانية المعنية بتشكيل الحكومة الجديدة على قناعة بأن المبادرة الإنقاذية التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لوقف الانهيار المالي والاقتصادي وتوفير شروط التعافي المالي اصطدمت بحائط مسدود، ما يفتح الباب أمام السؤال عن الخيار الذي سيأخذه الرئيس المكلف بتشكيلها السفير مصطفى أديب مع انتهاء التمديد الثاني للمهلة التي حددها ماكرون لتأليف الحكومة. وقالت مصادر مواكبة لاتصالات التأليف إن الأمور ظلت تراوح مكانها ولم تحقق أي تقدّم رغم أن ماكرون أجرى مروحة واسعة من الاتصالات المحلية والدولية حالت دون تحقيق فك اشتباك بين واشنطن وطهران يدفع باتجاه تحييد لبنان عن مسرح الصدام السياسي بينهما بما يسمح له بالتغلب على أزماته المالية والاقتصادية. وأكدت لـ«الشرق الأوسط» أن لا حول ولا قوة للمسرح الداخلي الذي أُريد منه تقطيع الوقت ريثما ينتزع ماكرون الضوء الأخضر لإنجاح مبادرته من المسرح الدولي الذي يحتضن الاشتباك السياسي المفتوح بقوتيه الأميركية والإيرانية على كل الاحتمالات إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية الأميركية في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ولفتت إلى أن الرئيس أديب يقف حالياً وحتى إشعار آخر، أمام خيارين لا ثالث لهما؛ الأول أن يتقدّم قريباً بكتاب اعتذاره عن عدم تشكيل الحكومة من رئيس الجمهورية ميشال عون الذي قد يطلب منه مجدداً التمهُّل بالنيابة عن ماكرون، رغم أن هناك صعوبة في إحداث فرق يعيد الاعتبار للمبادرة الفرنسية. والثاني أن يلجأ أديب إلى الاعتكاف مع احتفاظه بتكليفه تشكيل الحكومة، خصوصاً أن لا نص في الدستور اللبناني يحدد للرئيس المكلّف مهلة لتأليف حكومته وأن مثل هذا الخيار يتعارض مع المزاج الشعبي الضاغط لولادة الحكومة الذي يعبّر عنه باستمرار البطريرك الماروني بشارة الراعي.

وكشفت أن الرئيس عون سعى لدى استقباله أول من أمس بعيداً عن الأضواء رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد، للوقوف على ما لدى «الثنائي الشيعي» من هواجس ومخاوف في حال تقرر اعتماد مبدأ المداورة في توزيع الحقائب ومنها وزارة المالية، وقالت إنه أكد له أنه سيكون الضامن لتبديد هذه الهواجس لتسهيل ولادة الحكومة، لكنه أحال جوابه النهائي على رئيس المجلس النيابي نبيه بري وأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، وإن كان سجل ملاحظة تتعلق بتبدّل موقف ماكرون من دعوته لتشكيل حكومة وحدة وطنية إلى حكومة مهمة. وقالت إن «الثنائي الشيعي» عبّر عن ريبته حيال تبدّل موقف ماكرون وعزاه إلى الضغوط الدولية التي مورست عليه وتحديداً من واشنطن، وأكد أن الاشتباك القائم بين واشنطن وطهران يحضر بامتياز في تشكيل الحكومة على خلفية عدم رغبتهما في تسهيل ولادتها باعتبار أنها خاضعة للعبة شد الحبال إلى حين استئناف التفاوض بينهما في أعقاب إجراء الانتخابات الرئاسية الأميركية، وهذا ما أوقع ماكرون في تجاذبات من العيار الثقيل لا تزال تحاصر مبادرته. وبالنسبة إلى احتمال اعتذار أديب في أي لحظة عن عدم تشكيل الحكومة، فإن عون قد يتدخّل لإقناعه بالتمهُّل في تقديمها، مع أنه ليس في وارد أن يتقدّم منه بتشكيلة وزارية تدفع بـ«الثنائي الشيعي» إلى التعامل معها في ظل عدم التوافق كأمر واقع.

وأكدت المصادر نفسها أن أديب لن يدخل في معركة كسر عظم بالمعنى السياسي للكلمة مع «الثنائي الشيعي»، لأنه سيضغط في حال إقدامه على تشكيل حكومة أمر واقع، على الوزراء الشيعة لتقديم استقالتهم منها، علماً أن في مقدروه أن يسقطها في البرلمان بدعم حلفائه من دون أن يضطر للجوء هذه المرة إلى الشارع لإسقاطها.

وسألت: كيف سيتعاطى عون في حال أصر أديب على اعتذاره في ظل استبعاده لإجراء دورة جديدة من الاستشارات النيابية المُلزمة لتسمية من يخلفه في تشكيل الحكومة إلا إذا ضغط عليه «الثنائي الشيعي»، وصولاً إلى تسمية من يُبدي استعداده لتزعُّم حكومة مواجهة؟ وقالت إن عون لم يُقدم على هذه الخطوة لأنها ترفع من منسوب الحصار الدولي والعربي المفروض على لبنان بعد أن فرّطت بعض الأطراف بعودة الاهتمام الدولي به فور الانفجار المدمر الذي حصل في مرفأ بيروت.

وقد يكون الخيار الأول لعون في عدم تحديد موعد لبدء الاستشارات المُلزمة لأنه لا يريد الانجرار إلى مشكلة مع المجتمع الدولي في حال توفيره الغطاء لهذا الخيار، وبالتالي تتولى حكومة حسان دياب المستقيلة تصريف الأعمال إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية الأميركية، وهذا ما يطمح إليه «حزب الله» بالنيابة عن طهران.

لكن الواقع الراهن في لبنان لا يتحمل التمديد لحكومة تصريف الأعمال يُفترض أن تواجه مشكلات كارثية تتجاوز إعادة إعمار المنطقة المنكوبة في بيروت إلى الأخطار التي تهدد الأمن الاجتماعي وتُنذر بتحميل القوى الأمنية؛ وأولها الجيش، أثقالاً أمنية جديدة، إضافة إلى رد فعل الحراك الشعبي حيال التمديد للأزمة التي تضيّق الخناق على البلد. ناهيك بأن الحكومة المستقيلة انكفأت عن القيام بأي جهد فور النكبة التي دمّرت مناطق واسعة من بيروت وظلت تتصرف كأنها غائبة عن السمع، وإلا لماذا لم تبادر إلى عقد اجتماع وزاري لتحديد مهام الوزارات لرفع الأنقاض ومسح المناطق المتضرّرة وإعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء، بدلاً من أن ترمي كارثة بهذا الحجم أصابت بيروت على كاهل وحدات الجيش اللبناني التي تعني حالياً بكل شيء وتتمركز بأعداد كبيرة في المنطقة المتضرّرة بما فيها مرفأ بيروت وتأخذ على عاتقها مسح الوحدات المتضرّرة وتنظيف المرفأ وفتح الطرقات وحماية الأملاك الخاصة والعامة من السرقات.

ويقدّر عدد وحدات الجيش المنتشرة في هذه المنطقة بنحو 10 آلاف بين ضابط ورتيب وجندي، إضافة إلى مئات الضباط من ذوي الاختصاص فيما تمضي الحكومة المستقيلة إجازتها المديدة، هذا بالإضافة إلى الانتشار الأمني للجيش في جميع المحافظات اللبنانية لحفظ الاستقرار، وإن كانت قيادته تتهيّب منذ الآن لمرحلة احتمال التمديد للأزمة في حال أُوصدت الأبواب السياسية في وجه تشكيل حكومة إنقاذية.

وعليه، فإن المشكلة ليست في حقيبة وزارة المالية التي يصر «الثنائي الشيعي» على الاحتفاظ بها في مقابل إصرار الغالبية على المداورة، وإنما في الحصار الأميركي - الإيراني الذي فُرض على ماكرون وأطاح بمبادرته الإنقاذية، إلا إذا حصلت مفاجأة تعيد لها الاعتبار مع أنها ما زالت غائبة عن شاشة الرادار الدولي.

عون يقترح إلغاء «التوزيع الطائفي» وأديب يطالب بتسهيل «حكومة اختصاصيين»
الحلول مقفلة أمام التشكيل


بيروت: «الشرق الأوسط»
طرح الرئيس اللبناني ميشال عون، أمس، مبادرة تقضي بـ«إلغاء التوزيع الطائفي للوزارات التي سميت بالسيادية، وعدم تخصيصها لطوائف محددة»، ليكون ذلك مخرجاً للأزمة الناشئة عن تمسك «الثنائي الشيعي»، المتمثل بـ«حركة أمل» و«حزب الله»، بالاحتفاظ بحقيبة المالية وتسمية رئيسها في الحكومة العتيدة التي دعا الرئيس المكلف بتشكيلها مصطفى أديب لإنجاح المبادرة الفرنسية، و«تسهيل تشكيل حكومة اختصاصيين قادرة على وقف الانهيار».

وتنقسم الحقائب السيادية في لبنان إلى أربعة، هي «الخارجية» و«الداخلية» و«المال» و«الدفاع»، وتتقاسمها الطوائف الأربع الكبرى مناصفة، وهي «الموارنة» و«الأرثوذكس» و«السنة» و«الشيعة». ويعد الشيعة أن تمسكهم بالمالية كونها تؤمن مشاركتهم بالسلطة التنفيذية، عبر توقيع وزير المال على المراسيم والقرارات التي تتطلب إنفاقاً مالياً، إلى جانب توقيعي رئيسي الجمهورية والحكومة.

ورأى عون «أننا اليوم أمام أزمة تشكيل حكومة، ولم يكن مفترضاً أن تحصل لأن الاستحقاقات التي تنتظر لبنان لا تسمح بهدر أي دقيقة. ومع تصلب المواقف، لا يبدو في الأفق أي حل قريب لأن كل الحلول المطروحة تشكل غالباً ومغلوباً».

وفي مؤتمر صحافي عقده، عد عون أنه «إذا لم تُشكل الحكومة (رايحين على جهنم)»، لافتاً إلى أنه «طرحنا حلولاً منطقية وسطية لتشكيل الحكومة، ولكن لم يتم القبول بها من الفريقين، وتبقى العودة إلى النصوص الدستورية واحترامها هي الحل الذي ليس فيه غالب ولا مغلوب»، مشيراً إلى أنه جرت «4 زيارات لرئيس الحكومة المكلف، ولم يستطع أن يقدم لنا أي تصور أو تشكيلة أو توزيع للحقائب أو الأسماء، ولم تتحلحل العقد».

وقال عون إن «رئيس الحكومة المكلف لا يريد الأخذ برأي رؤساء الكتل في توزيع الحقائب وتسمية الوزراء، ويطرح المداورة الشاملة، ويلتقي معه في هذا الموقف رؤساء حكومة سابقون. ويسجل له أنه يرفض التأليف إن لم يكن ثمة توافق وطني على التشكيلة الحكومية».

ورأى عون أنه «لا يجوز استبعاد الكتل النيابية عن عملية تأليف الحكومة لأن هذه الكتل هي من سيمنح الثقة أو يحجبها في المجلس النيابي، وإن كان التأليف محصوراً بالتوقيع بين رئيس الحكومة المكلف ورئيس الجمهورية»، كما أنه «لا يجوز فرض وزراء وحقائب من فريق على الآخرين، خصوصاً أنه لا يملك الأكثرية النيابية».

وشدد عون على أن «الدستور لا ينص على تخصيص أي وزارة لأي طائفة من الطوائف أو لأي فريق من الأفرقاء، كما لا يمكن منح أي وزير سلطة لا ينص عليها الدستور». ورأى أن «التصلب في الموقفين لن يوصلنا إلى أي نتيجة، سوى مزيد من التأزيم، في حين أن لبنان أكثر ما يحتاج إليه في ظل كل أزماته المتلاحقة هو بعض الحلحلة والتضامن، ليتكمن من النهوض ومواجهة مشكلاته».

واقترح عون «إلغاء التوزيع الطائفي للوزارات التي سميت بالسيادية، وعدم تخصيصها لطوائف محددة، بل جعلها متاحة لكل الطوائف، فتكون القدرة على الإنجاز -وليس الانتماء الطائفي- هي المعيار في اختيار الوزراء»، متسائلاً: «هل نقوم بهذه الخطوة ونبدأ عملية الإنقاذ المتاحة أمامنا أم سنبقى رهائن الطوائفية والمذهبية؟»، مشدداً على أنه «لا الاستقواء بعضنا على بعضنا سينفع، ولا الاستقواء بالخارج سيجدي؛ وحده تفاهمنا المبني على الدستور والتوازن هو ما سيأخذنا إلى الاستقرار والنهوض».

- ترف هدر الوقت
كان الرئيس المكلف مصطفى أديب قد أعلن، في بيان، أن «لبنان لا يملك ترف إهدار الوقت، وسط كم الأزمات غير المسبوقة التي يمر بها، مالياً ونقدياً واقتصادياً واجتماعياً وصحياً». وقال: «إن أوجاع اللبنانيين التي يتردد صداها على امتداد الوطن، وعبر رحلات الموت في البحر، تستوجب تعاون جميع الأطراف من أجل تسهيل تشكيل حكومة مهمة محددة البرنامج، سبق أن تعهدت الأطراف بدعمها، مؤلفة من اختصاصيين، وتكون قادرة على وقف الانهيار، وبدء العمل على إخراج البلد من الأزمات، وتعيد ثقة المواطن بوطنه ومؤسساته».

وأكد أنه لن يألو جهداً لـ«تحقيق هذا الهدف، بالتعاون مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون»، متمنياً من الجميع «العمل على إنجاح المبادرة الفرنسية فوراً ومن دون إبطاء، وهي التي تفتح أمام لبنان طريق الإنقاذ ووقف التدهور السريع». وختم مشدداً على أن «أي تأخير إضافي يفاقم الأزمة ويعمقها، ويدفع الناس نحو مزيد من الفقر، والدولة نحو مزيد من العجز؛ ولا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يحمل ضميره مسؤولية التسبب بمزيد من الوجع لهذا الشعب الذي عانى كثيرا، ولا يزال».

ويواجه المطلب الشيعي رفضاً من عدة أطراف، بينها رئيس الحكومة المكلف، وقوى سياسية أخرى، مثل حزب «القوات اللبنانية» الذي نفى رئيسه سمير جعجع، في بيان له أمس، أن يكون ما يحصل في موضوع تأليف الحكومة استهدافاً للشيعة، وقال: «إن هذه الأجواء بعيدة البعد كله عن واقع الحال»، مشيراً إلى أن «ما نريده هو الخروج من المأساة التي نعاني منها لأشهر، بل لسنوات خلت. والسبب الرئيسي لهذه المأساة هو المحاصصة التي كانت تتم على مستوى السلطة التنفيذية، والتي كانت تؤدي إلى بروز دويلات ضمن الدولة، وإلى شلل للحكومة والمؤسسات، وإلى الفساد الذي ساد وتمادى في صلب الدولة».

وقال إن «(حزب الله) وحركة أمل تمسكا بما كان يعتمد سابقاً على مدى سنوات عدة، وأصرا على تسمية وزرائهم من جهة، وعلى التمسك بحقيبة المالية من جهة ثانية، الأمر الذي سيدفع الفرقاء الآخرين إلى التمسك بالحقائب التي كانوا يشغلونها، وبالتالي إلى إعادة إنتاج حكومة كسابقاتها، ما يحرمنا تشكيل حكومة جديدة مختلفة؛ (حكومة مهمة) تباشر بعملية إنقاذ البلد وإراحة شعبه».

وأضاف: «من هذا المنطلق فحسب، نحن مع المداورة الكاملة طوائف وأحزاباً، ونرفض كلياً أن تسمي الكتل الحاكمة أي وزراء في الحكومة». ورأى أن «أكثر من تضرر من نظام المحاصصة السابق ومن تخصيص أحزاب وطوائف بحقائب معينة هم المواطنون الشيعة بالذات».


 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
الحريري يضع الخطوط العريضة للحكومة... وينطلق بجولة جديدة من المشاورات
سعد الحريري عرّاب «الفرصة الأخيرة» يترأس الحكومة مجدداً رغم الاحتجاجات
لا اختراقات في أزمة الحكومة اللبنانية واستياء مسيحي من حالة المراوحة
بداية «بنّاءة» لمفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل
عون يرجئ الاستشارات أسبوعاً «لمعالجة الوضع المسيحي»
مقالات ذات صلة
عام على الحراك الشعبي في لبنان: انتصارات الشارع بمواجهة تصلب السلطة
لبنان: الكذب الذي يستحيل كشفه! - حازم صاغية
عن حياتنا المعلّقة والغامضة اليوم... - حازم صاغية
مسألة الكرامة في السياسة العربية: من عبد الناصر إلى «حزب الله» - حازم صاغية
لبنان ليس المقاومة والمقاومة ليست لبنان! - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠٢٠ . جميع الحقوق محفوظة