الخميس ١٢ - ١٢ - ٢٠١٩
 
التاريخ: تشرين الثاني ٣٠, ٢٠١٩
المصدر : جريدة الشرق الأوسط
تونس
أزمة اليسار تعطل تشكيل الحكومة الجديدة
المرزوقي انسحب والانتخابات أضعفت القوميين والاشتراكيين
تونس: كمال بن يونس
تجاوزت مقابلات المهندس الحبيب الجملي، المكلف بتشكيل الحكومة التونسية الجديدة، مع الشخصيات السياسية وممثلي النقابات والمجتمع المدني الـ40، وشملت ممثلين عن كل التيارات، وعدداً من كبار الفنانين والمثقفين والخبراء المستقلين. إلا أن كل المؤشرات تؤكد صعوبة إقناع بعض الكتل البرلمانية وقيادات النقابات بتشكيل هذه الحكومة في أقرب وقت لأسباب كثيرة، من بينها «اختلال التوازن» في المشهد السياسي بتونس لصالح «المحافظين»، بعد الهزيمة الكبيرة التي مني بها مرشحو اليسار، وبينهم الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي وزعماء اليسار النقابي «الراديكالي» سابقاً حمة الهمامي والمنجي الرحوي وناجي جلول.

ولكن رغم هذه الهزيمة الكبرى، نجح النواب المحسوبون على التيارات «العلمانية» و«الحداثية» في تأسيس ثاني أكبر كتلة في البرلمان، أعلنت أن أولويتها معارضة حزب «حركة النهضة»، ورفع سقف شروطها للمشاركة في الحكومة، مع توظيف مواقعها في النقابات العمالية والمجتمع المدني.

فهل ينجح الحبيب الجملي، والأحزاب الداعمة له داخل البرلمان وخارجه، في تشكيل حكومته الائتلافية في الآجال القانونية حتى لا يضطر رئيس الدولة إلى تكليف شخصية جديدة، أم يتواصل التسويف بسبب الأزمات الداخلية التي تمر بها أغلب الأحزاب والتيارات، خصوصاً اليسار الاشتراكي والقومي الذي يحاول تجميع قطاع من أنصاره حول شعار منع «تغول حركة النهضة» و«الصراع مع رموز الإسلام السياسي»، على غرار ما حصل في 2013-2014، بدعم من زعيم حزب «نداء تونس» الراحل الباجي قائد السبسي وحلفائه داخل المنظومة القديمة؟

حسب تصريح الحبيب الجملي بعد لقائه التشاوري العلني الثاني مع الرئيس التونسي قيس سعيّد حول تشكيل الحكومة، يتضح أن الـ40 جلسة التي عقدها مع زعماء النقابات والأحزاب والشخصيات التونسية المستقلة لم تناقش بعد أسماء الشخصيات التي يمكن تعيينها في الفريق الحكومي، بل اقتصرت على مناقشة المشاريع والبرامج المقترحة. كما أكد القيادي في كتلة «حركة النهضة» في البرلمان التونسي عامر العريّض أن رئيس الحكومة المكلف لم يعرض بعد على الأطراف السياسية مقترحاته حول فريقه. وفسر أنصار الجملي «بطء المشاورات» بحرصه على توسيع المشاورات حول استراتيجية الحكومة المقبلة، في حين فسره معارضوه بمواقف بعض النقابات العمالية والأحزاب اليسارية والقومية التي لا تزال تحاول استبعاد «سيناريو» تزعم «النهضة» للحكومة، بعد انتخاب شخصيتين «محافظتين» على رأس الدولة والبرلمان، أي قيس سعيّد وراشد الغنوشي.

البعد الآخر للأزمة

وتكشف المناظرات داخل البرلمان ووسائل الإعلام في تونس بروز مؤشرات تصعيد ضد رئيس الحكومة المكلف وقيادة «النهضة» من قبل اليسار النقابي وقيادة الجبهة اليسارية، بزعامة حمه الهمامي وزياد الأخضر، بهدف احتواء هزيمتها الانتخابية. وأقر البرلماني المنجي الرحوي بأن من بين أولويات أنصاره «إسقاط حكومة المحافظين و(السلفيين) المدعومة من حركة النهضة وحلفائها». كذلك أورد سالم الأبيض، القيادي في حزب الشعب العروبي الوزير السابق للتربية، أن حزبه وحلفاءه في البرلمان لن يصوتوا لحكومة الجملي. ودعم هذا الموقف زهير المغزاوي، الأمين العام للتيار القومي الناصري.

تحذير رسمي

أيضاً نشرت اللجنة المركزية لحزب العمال الشيوعي، الذي يتزعمه منذ 30 سنة حمه الهمامي، بلاغاً مطولاً بعد اجتماع عقدته أخيراً، وأعلنت فيه معارضتها لسيناريو تشكيل حكومة من قبل قيادي في الصف الثاني من «النهضة». وشكك القياديون في الحزب باستقلالية المرشح لرئاسة الحكومة الجديدة، واعتبروا أنه تابع لـ«النهضة»، واتهموه بالتحالف مع «الرأسمالية المتوحشة»، ومع قوى «محافظة وفاشية، وأخرى مرتبطة بلوبيات الفساد والتهريب والتهرّب الجبائي هيمنت على البرلمان الجديد»، في إشارة إلى حزب «قلب تونس» وبعض زعمائه، وبينهم أمينه العام المرشح السابق للرئاسة نبيل القروي.

وراهناً، يقدر المختصون التونسيون في العلوم الاجتماعية والسياسية أن نقطة قوة قيادات «اليسار الراديكالي» في تونس هي حضورها القوي في مؤسسات الاتحاد العام التونسي للشغل وبعض منظمات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة وقطاع الإعلام، ولذا فإن تأثيرها قوي جداً، رغم هزيمتها في الانتخابات الماضية.

تحذير من احتجاجات اجتماعية

مع هذا، كانت مواقف ما يوصف بـ«اليسار الراديكالي»، بزعامة قيادات حزب العمال الشيوعي والجبهة الشعبية، عرضة للنقد من قبل عشرات من النشطاء الشباب والحقوقيين اليساريين خلال ندوات حوارية تقييمية لفشل الانتخابات نظمت في تونس. وذهب الزعيم النقابي الجنيدي عبد الجواد، الأمين العام السابق لحزب المسار الشيوعي، إلى أن «الانتخابات أفرزت هزيمة الأحزاب اليسارية»، لكنها أدت كذلك إلى فوز يساريين مستقلين وسياسيين يتبنون أنصار الخيار الاشتراكي الاجتماعي.

وينظر إلى بلقاسم حسن القيادي السابق في الحزب الشيوعي وفي التيار القومي، ومحمد القوماني القيادي السابق في الحزب الديمقراطي التقدمي، على أنهما مثالان للشخصيات اليسارية والعلمانية المعتدلة التي ترشحت على رأس قائمات تابعة لـ«النهضة» أو قوائم مستقلة، وفازت بعضوية البرلمان أو المجالس البلدية. وفي كل الحالات، فإن مؤشرات كثيرة ترجح انفجار اضطرابات اجتماعية ضد الطبقة الحاكمة الحالية، حسب القيادي في حركة الشعب القومية اليسارية فتحي بالحاج، والبرلمانية الحقوقية ليلى حداد.

أما البرلماني اليساري المنجي الرحوي، فيرى أن «كل المؤشرات»، بما فيها التحالفات البرلمانية الهشة، وتوجهات الميزانية الجديدة، وصعود سياسيين تقليديين ومحافظين بلا برنامج واضح «تدل على أن الأزمة ستستفحل، وأن أوضاع الطبقات والفئات الكادحة والشعبية ستزداد سوءاً بسبب الاحتكام للسياسات الاقتصادية والاجتماعية نفسها التي لا تخدم سوى مصالح أقليات محلية مرتبطة بالقوى الاستعمارية والأجنبية وصندوق النقد الدولي».

دعوات لإسقاط الحكومة قبل تشكيلها

ومن بين ما يؤجل تشكيل الحكومة الجديدة، والبروز السريع لائتلاف سياسي حزبي جديد، دعوة قياديين من اليسار الراديكالي، داخل النقابات العمالية، إلى تحركات اجتماعية وإضرابات خلال الأشهر المقبلة «تحسباً لتراجع الحكومة الجديدة عن الاتفاقيات التي وقعتها الحكومة الحالية مع المركزية النقابية، وتضمنت زيادات في الرواتب والمنح تطبق مطلع 2020».

وكانت حصيلة انطلاق المزايدات مبكراً تخصيص وسائل الإعلام لمساحات تدعو إلى الإطاحة بالحكومة الائتلافية قبل تشكيلها، مع المراهنة على هشاشتها، بسبب الأوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة التي سترثها، وتراكم ديون الدولة، وتناقص مواردها، بما سيؤدي إلى مزيد من الضرائب، وإلى ترفيع جديد في الأسعار والإتاوات.

ودعا الحزب العمالي الشيوعي، بزعامة الهمامي، رسمياً في بلاغ رسمي جديد إلى تفجير الاحتجاجات النقابية والاضطرابات والاعتصامات الشبابية والشعبية و«المساهمة النشيطة في استنهاض الحركة الاجتماعية والشعبية، والانخراط في نضالاتها وتحركاتها... ورد الاعتبار لموقع الحزب واليسار الثوري والتقدمي عامة».

نقابات رجال الأعمال

بالمقابل، بين المفارقات أن تحذيرات نقابات العمال واليسار الموجهة لرئيس الحكومة وحلفائه في البرلمان وفي قيادات الأحزاب تلتقي جزئياً مع تحذيرات صدرت عن رئيس نقابة رجال الأعمال سمير ماجول بسبب مشروع قانون المالية لسنة، الذي وصفته نقابة الصناعيين والتجار بكونه «غير مشجع على الاستثمار». واعتبرت نقابة رجال الأعمال أن نجاح الحكومة الجديدة رهين بتحسين مناخ الاستثمار، وتوفير حلول للمشكلات التي تواجهها المؤسسات الاقتصادية الخاصة والعمومية، بدءاً من استرجاع ديونها لدى الدولة.

وطالب ماجول الدولة بإحداث خط تمويل يساعد المؤسسات التي تعاني من صعوبات، وإلغاء الأداء على القيمة المضافة بالنسبة للتجهيزات والمعدات المستوردة، لتخفيف العبء على المستثمر، علاوة على تحسين القدرة الشرائية في قطاع المواد الكهرومنزلية، بتشجيع التجار في هذا القطاع على التخفيض في الأسعار.

هزيمة اليسار... نهاية جيل؟

يذكر أن جمعية «نشاز»، التي تضم نشطاء شبان وباحثين أكاديميين يساريين وسجناء سياسيين سابقين، نظمت أخيراً منتدى حوارياً تحت عنوان «اليسار بعد الهزيمة... نهاية جيل؟»، في إشارة واضحة إلى أن انتخابات 2019 كانت بمثابة لحظة الحقيقة، والدليل القاطع على «عجز جيل بأكمله من النشطاء اليساريين عن تمثيل اليسار». وكان قد شارك في النقاش الحواري شباب يمثلون الجيل الجديد من اليسار، من بينهم أستاذة اللغات سمر التليلي، والباحث الجامعي الناشط في المجتمع المدني مالك الصغيري، والباحث في علم الاجتماع السياسي محمد سليم بن يوسف.

وكان لافتاً أن ممثلي «الجيل الجديد من النشطاء اليساريين» فسر ضعف تأثير اليسار في تشكيل الحكومة الجديدة، مقارنة بـ2014، بما وصفوه بـ«غلطات اليسار القديم»، وابتعادهم عن الواقع وعن المطالب الاجتماعية والاقتصادية الملحة للشباب والمهمشين. كما انتقدوا «زعامات اليسار القديم» بسبب ما اعتبروه «تقصيراً في دعم حركات الاحتجاجات الشبابية والشعبية في الأعوام الماضية، مقابل الانخراط في المعارك الآيديولوجية والسياسية الثانوية».

وتساءلت التليلي عما إذا كانت التنظيمات اليسارية اليوم بشكلها القديم قادرة على استقطاب الطاقات الشبابية، موضحة أن اليسار الجديد «يسار تجاوزي نقدي»، يحاول أن يخلق البدائل والحلول للتخلص من أسباب الأزمة التي خلفها يسار الجيل القديم، وأضافت: «إننا لا نستطيع فعلاً اعتماد هزيمة الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة للجبهة الشعبية للإعلان عن نهاية جيل كامل من اليسار، أو كمقياس لتقييم اليسار». ومن جانبه، اعتبر محمد سليم بن يوسف أن الخسارة الأخيرة لقوى اليسار في الانتخابات «خلقت مناخاً من الهلع»، مشدداً على أن خسارته «يجب أن تكون محفزاً لاستيعاب الدرس، ومنطلقاً للتقييم».

اليسار الفكري لا يموت!

لكن عدداً من النشطاء الشباب والأكاديميين في تونس يعتبرون أن اليسار كفكر «لا يمكن أن يموت»، وأن النجاح في الانتخابات ليس شرطاً لوجوده. وسجلوا أن «أفكار اليسار منتشرة في الجامعات والنقابات والمجتمع المدني لأن الاشتراكية والقومية واليسار ليست مجرد مرجعية فكرية سياسية لبعض الأحزاب التي فشلت في انتخابات 2019، بل تياراً وطنياً اجتماعياً واسعاً».

وفي السياق نفسه، ذكر الباحث مالك الصغيري أن اليسار عاش كثيراً من الإضرابات النضالية، وتصدى لأساليب النظام بجرأة جعلته موضوع استقطاب دمره «أمراء الحرب»، الذين دمروا أيضاً نقابات الطلبة منذ سنين بالطريقة ذاتها، رغم دورها في تفجير الحركة الشبابية وانتفاضة سيدي بوزيد والجهات المهمشة.

ومن جهة ثانية، يرجح بعض المراقبين للشأن السياسي استحالة عودة الأحزاب اليسارية بمختلف أنواعها، لكنهم يتوقعون بروز جيل جديد من الحراك الشبابي اليساري في الجامعات والمدن والأحياء السكنية المهمشة والأوساط الشعبية. ويشدد هذا الجيل الجديد من اليساريين على أن اليسار موجود كفكر في الساحات ومنظمات المجتمع المدني، ولا يمكن أن يندثر، لكنه سيتجدد كي يتكيف مع الواقع. وحقاً، فإن الأحزاب اليسارية تنكب حالياً على القيام بمراجعات وتقييمات تعيد تمركزها من جديد في الحياة السياسية.

كذلك تشدد قيادات اليسار على ضرورة التفكير في تطوير أساليب العمل والمشاريع، والبحث عن الأدوات الحقيقية لمواصلة المسار السياسي، مع ضرورة فتح باب الحوار والنقاش بين كل الأطراف السياسية لبناء رؤية جديدة تبنى في ضوئها التحالفات المقبلة، مثلما ورد في مقترحات عدد من المثقفين والنقابيين اليساريين المعتدلين. وكان أحد هؤلاء، الزعيم النقابي اليساري بوجمعة الرميلي، قد أطلق مبادرة لتجميع مئات اليساريين والنقابيين والحقوقيين يوم 20 مارس (آذار) المقبل، في ذكرى استقلال تونس عن فرنسا عام 1956، بهدف بلورة مشروع تأسيس قطب سياسي يساري جديد ينافس الحكومة التي ستتزعمها «حركة النهضة». لكن من بين التحديات التي تفرض نفسها على دعاة مثل هذه المبادرات في تونس منذ عقود الخلافات حول الزعامة.

المنصف المرزوقي خارج حلبة السياسة

> برز الدكتور المنصف المرزوقي الحقوقي الناشط السياسي النقابي القومي اليساري المعتدل في الجامعة التونسية، ثم في الأوساط الحقوقية والمجتمعية، وبكتاباته بصفته مثقفاً انخرط فيما وصفه بـ«اليسار الاجتماعي». وعارض المرزوقي دوماً من كان يصفهم بنشطاء «اليسار الآيديولوجي»، بمن فيهم ثلة من أبرز أصدقائه الماركسيين والشيوعيين، مثل حمة الهمامي زعيم الحزب العمالي الشيوعي.

أيضاً اختلف المرزوقي طوال مسيرته السياسية، فكرياً وسياسياً، مع قيادات حركة الاتجاه الإسلامي التي تطورت في منتصف الثمانينات من القرن الماضي إلى «حركة النهضة»، لكنه تحالف معها سياسياً، وانتقد بقوة قمعها مطلع التسعينات من القرن الماضي، بما تسبب في مضايقات بالجملة له، وفي سجنه في 1994، ثم في هجرته إلى أوروبا.

ثم دخل المرزوقي وأنصاره في حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية»، الذي أسسه عام 2001 في منفاه بفرنسا، في تحالف ثلاثي حكم تونس بين 2011 و2014، بالاشتراك مع قيادة حزب «النهضة» وقيادات حزب «التكتل من أجل الديمقراطية» بزعامة الحقوقي اليساري العلماني المعتدل مصطفى بن جعفر. وتسبب له هذا التحالف في انتقادات بالجملة من قبل أصدقائه وأنصاره اليساريين والقوميين.

وفاز المرزوقي بـ45 في المائة من الأصوات في انتخابات 2014، فيما فاز منافسه الليبرالي الباجي قائد السبسي بـ55 في المائة. وحصل على تلك الأصوات لأن «حركة النهضة» لم تقدم مرشحاً في تلك الانتخابات. وأعاد المرزوقي الكرة في انتخابات 2019، لكنه فشل فشلاً ذريعاً بسبب كثرة المرشحين اليساريين والقوميين والحقوقيين والإسلاميين.

وأخيراً، دعم في الدور الثاني من انتخابات الرئاسة الأخيرة المرشح قيس سعيّد ضد منافسه نبيل القروي، ثم أعلن في رسالة إلى الشعب الانسحاب من الحياة السياسية، تعبيراً عن خيبة أمله من نتائج الانتخابات، ومن تشرذم الحقوقيين والديمقراطيين الذين كانوا متحدين قبل ثورة 2011.

الاتحاد العام للشغل... أقوى مجموعة سياسية في تونس

> اختار اليسار التونسي بكل مكوناته منذ 70 سنة التأثير في مجرى الأحداث في تونس سياسياً واقتصادياً واجتماعياً عبر النقابات العمالية، والانخراط في الاتحاد العام التونسي للشغل. وبدأ تأثير اليسار النقابي مباشرة بعد استقلال تونس عن فرنسا، إذ انحازت القيادة النقابية إلى الرئيس الحبيب بورقيبة في خلافه مع الأمين العام للحزب الدستوري صالح بن يوسف وأنصاره، ثم تبنى الاستراتيجية الاقتصادية التي عرضتها عليه المركزية النقابية.

وطوال عقد الستينات، عين الأمين العام السابق لاتحاد الشغل الاشتراكي أحمد بن صالح عضواً في الحكومة مكلفاً بـ5 حقائب وزارية، من بينها الاقتصاد والمالية والتربية والصحة والشؤون الاجتماعية. وتمكن اليساريون طوال عقد الستينات من احتلال مواقع كبيرة في الدولة وفي المجتمع بفضل دعم أحمد بن صالح وبورقيبة لهم.

وخلال السبعينات، عندما عيّن بورقيبة صديقه الليبرالي الهادي نويرة رئيساً للوزراء، انخرط اليساريون بكثافة في النقابات، وتزايد دورهم إلى درجة نجاحهم في تنظيم إضراب عام ومواجهات دامية مع قوات الأمن والجيش عام 1978، ثم خلال سنوات الثمانينات.

ورغم دخول زين العابدين بن علي في هدنة مع اتحاد نقابات العمال طوال 23 سنة، ومحاولته تشديد الخناق عليهم، اضطر للتحالف معهم في النقابات ودعم حضورهم فيها لضرب المعارضة الإسلامية والقومية واليسار الراديكالي، لكن الجيل الجديد من النقابيين اليساريين نجح في الارتقاء في المسؤوليات النقابية إبان العقد الأخير من عهد بن علي. وبالتالي، لما اندلعت الاضطرابات التي أدت إلى «ثورة يناير 2011»، كان اتحاد العمال أكبر قوة سياسية اجتماعية تبنت مطالب المهمشين والعاطلين، وأثرت في التوجه السياسي للحكومات المتعاقبة.

وبعدما ضعفت الدولة المركزية، استغلت النقابات الفرصة لتعزيز مواقع اليسار الراديكالي الاشتراكي والقومي فيها، لتصبح أهم قوة سياسية اجتماعية حرص كل الرؤساء والمسؤولين في الدولة على كسب ودها، وعدم الدخول معها في مواجهات. وكثرت الإضرابات التي نظمت في تونس إبان عهده بين 2011 و2014، واعتبر المنصف المرزوقي أن حكومة «الترويكا» اضطرت وقتها للاستقالة لوقف النزيف، ولمحاولة إنقاذ الوضع العام في البلاد.


 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
تونس: الشاهد يوقّع أمرين لدعم مكافحة الفساد
فوضى في البرلمان التونسي خلال مناقشة قانون المالية
البرلمان التونسي يستدعي 5 وزراء بعد مطالب بإقالتهم
في مسيرة بالعاصمة تونسيات يطالبن بـ«كنس» العنف ضد النساء
الجملي يدرس ملفات المرشحين للحكومة في تونس
مقالات ذات صلة
حركة آكال... الحزب الأمازيغيّ الأوّل في تونس
مخطط أم فشل؟ زيارة إلى تونس - إدوارد مورتيمر
ما يحدث في تونس - محمد بدرالدين زايد
الحدود التونسية - الليبية: بين الرغبة بالأمن والحقائق الاجتماعية - الاقتصادية
تونس والاستقرار الديموقراطي - رضوان زيادة
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة