السبت ٧ - ١٢ - ٢٠١٩
 
التاريخ: آب ١١, ٢٠١٩
المصدر : جريدة الشرق الأوسط
تونس

الملف: انتخابات
ترشح الشاهد للانتخابات الرئاسية يُحدث انشقاقاً داخل حركة «تحيا تونس»
عدد المرشحين قارب المائة... وجلهم من «المستقلين»
تونس: المنجي السعيداني
لم تمض سوى ساعات قليلة على تقديم يوسف الشاهد، رئيس حركة «تحيا تونس» ورئيس الحكومة التونسية الحالية، ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية، المقررة منتصف الشهر المقبل، حتى ظهرت أصوات معارضة لهذا الترشح، حيث وقع أكثر من 20 شخصية من مناصري حزب «تحيا تونس»، تمثل منطقة المنستير (وسط شرقي)، عريضة تدعو الشاهد إلى مساندة ترشح عبد الكريم الزبيدي، وزير الدفاع المستقيل من منصبه، في الانتخابات المقبلة، وهو ما خلق انشقاقاً عميقاً في المواقف داخل أعضاء الحزب، الذي انشق عن حزب النداء الذي أسسه الباجي قائد السبسي.

واستنكر أعضاء المكتب الوطني لحركة «تحيا تونس» والهيئة السياسية، وعدد من المنتمين للحركة داخل منطقة المنستير هذا الموقف، وأكدوا أنه صدر دون الرجوع إلى الهياكل المنتخبة داخل الحزب، ودون احترام أخلاقيات الرجوع إلى الهياكل، معتبرين أن هذا الموقف «فيه خرق صارخ للنظام الداخلي، وتعسف في استعمال الصفة، واعتداء على إرادة هياكل قانونية منتخبة».

في المقابل، أكدت المجموعة التي دعت الشاهد، الطامح إلى منافسة عشرات المرشحين في الوصول إلى قصر قرطاج، والذي تمسك بمواصلة رئاسة الحكومة، إلى مساندة الزبيدي، معتبرين أن دعمهم ترشح وزير الدفاع الوطني المستقيل للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، «يعد ضامنا للمسار الديمقراطي وحاميا للمكاسب الوطنية»، على حد تعبيرهم.

ويدرك عدد من مناصري حزب حركة «تحيا تونس» أن المنافسة القوية، التي ستدور بين الشاهد والزبيدي ستستنزف قوى المترشحين لصالح عبد الفتاح مورو، مرشح حركة النهضة، إذ إنهما يعتمدان على القاعدة الانتخابية نفسها، وهو ما سيشتت، في نظرهم، أصوات الناخبين، ويجعل فرضية مرور أحدهم إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية مسألة غير محسومة.

على صعيد متصل، أكد نبيل بافون، رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، أن عدد المترشحين للانتخابات الرئاسية التونسية وصل عند إقفال أبواب الترشح مساء الجمعة في حدود 97 ترشحاً، من بينهم 73 مترشحاً مستقلاً، وهو رقم قياسي لم تسجله الانتخابات الرئاسية في تونس، مقارنة مع انتخابات 2014 التي شهدت 27 ترشحاً فحسب.

وخلال اليوم الأخير قدم 41 مترشحاً ملفاتهم لدى مصالح هيئة الانتخابات، بعد أن سجلت الهيئة ذاتها على مدار السبعة أيام السابقة تقديم 56 مترشحاً لملفاتهم، وكانت الساعات الأخيرة حاسمة، إذ شهدت ترشح عدد هام من الشخصيات السياسية الوازنة، أغلبها من المستقلين على غرار قيس سعيد، وناجي جلول. كما تقدمت سلمى اللومي (حزب أمل)، وسليم الرياحي (حزب الاتحاد الوطني الحر)، وعبيد البريكي (حركة تونس إلى الأمام)، وسعيد العايدي (حزب بني وطني) ترشحاتهم.

وبالإضافة إلى هؤلاء، أودعت ملفات سيف الدين مخلوف والبحري الجلاصي، إلى جانب كل من كمال العبيدي، وأمين بن صالح، وعبد الرؤوف بن رمضان وزهرة مهن، ي ومحمد الهادي بن حسين والبشير العوايني، وحاتم بولبيار ومليكة الزرمديني ومختار لطفي كمون، وكلهم مرشحون بصفة مستقلة عن الأحزاب السياسية.

وكانت الفترة الصباحية من يوم الجمعة قد شهدت تقديم ملف مرشحين من العيار الثقيل، أبرزهم يوسف الشاهد (تحيا تونس)، ومحسن مرزوق (مشروع تونس)، وعبد الفتاح مورو (النهضة)، وهم من أبرز المتنافسين على كرسي الرئاسة.

وأشار بافون إلى أن 30 في المائة من الملفات المودعة للترشح للرئاسة مكتملة من حيث التزكيات والضمان المالي والوثائق اللازمة وسيتم قبولها، مؤكداً أن عدد المقبولين أوليا سيكون أقل بكثير من عدد مطالب الترشح المودعة لدى مكتب الضبط بالهيئة الانتخابية.

وسيتم الإعلان بصفة أولية عن قائمة المترشحين في 14 من أغسطس (آب) الحالي على أن يقع الإعلان عن القائمة النهائية في 31 من هذا الشهر أيضاً.

قيادي «النهضة» الجلاصي: لن نحتكر الرئاسات الثلاث في تونس

تونس: «الشرق الأوسط»
أكد عبد الحميد الجلاصي، القيادي بحزب حركة النهضة الإسلامية عضو مجلس الشورى في تونس، أن الحركة «ستحافظ على الحكم التشاركي، ولن تحتكر الرئاسات الثلاث، إذا ما حققت الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة».

وقال الجلاصي في حوار مع وكالة الأنباء الألمانية، غداة تقديم مرشح حركة النهضة عبد الفتاح مورو، أمس، أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية، إن الحزب «لن يبحث عن التغول، واستهداف المواطن الرئيسية للسلطة، بل سيبقي على الحكم التشاركي».

وهذه هي المرة الأولى التي يقدم فيها الحزب، الذي يملك أكبر كتلة في البرلمان، مرشحاً لمنصب الرئيس منذ أول انتخابات ديمقراطية بعد ثورة 2011، ما يعني منافسته مبدئياً على الرئاسات الثلاث: رئاسة الجهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان.

وأضاف الجلاصي موضحا: «انتهينا من التمييز بين مواطنين درجة أولى ومواطنين درجة ثانية. هناك اليوم حزب كبير في البلاد لم يتقدم للمراكز الأولى التي هي من حقه، حيث أخذنا بعين الاعتبار مسألة التدرج والاندماج والتطبيع السياسي والاجتماعي».

وتابع عضو مجلس الشورى، وهي الهيئة الأعلى في الحركة: «سننافس وسنخوض المعركة باعتماد البرامج، وسنكون هادئين... وحركة النهضة تعتبر أن الحكم التشاركي هو الوصفة المثالية في بلدنا خلال السنوات العشر المقبلة على الأقل».

وكانت «النهضة» قد فازت بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي لعام 2011، ودعمت حينها حليفها في البرلمان المنصف المرزوقي، رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، ليشغل منصب رئيس الجمهورية عبر تزكيته في البرلمان. وعينت الحركة القيادي في الحزب آنذاك حمادي الجبالي رئيساً للحكومة، قبل أن يستقيل، ثم من بعده القيادي علي العريض. لكن الحزب تنحى بعد ذلك عن الحكم بسبب احتجاجات شعبية. وبعد حوار وطني لمصلحة حكومة مستقلة، قادت الحركة انتخابات 2014 التي حلت فيها بالمرتبة الثانية. ورغم أنها لم تقدم مرشحاً في الرئاسية التي فاز بها الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، فإنها شاركت في حكومة ائتلافية حتى اليوم.

وبخصوص الأهداف الرئيسية للحزب في انتخابات 2019، أوضح الجلاصي: «هدفنا الأساسي الانتخابات التشريعية، وسنخوض الرئاسية. ونأمل أن يفوز مرشحنا، وإذا فاز سيكون هناك فيما بعد توزيع عقلاني للسلطة في وزارات السيادة. في تونس، لدينا خبرة في تحييد الوزارات الرئيسية، الدفاع والخارجية والداخلية».

وحول توزيع السلطات بعد الانتخابات، أكد الجلاصي أن «النهضة لن تكون في الرئاسات الثلاث. هذا غير ممكن حسب القانون الانتخابي، وغير ممكن من الناحية السياسية، حتى لو منحها الناخبون الأغلبية. النهضة في سياق الحكم التشاركي».

كما أوضح الجلاصي أن «الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية تتطلب كتلة تاريخية اجتماعية وسياسية واسعة. نحن منفتحون، وليس لدينا تحفظ ضد أي حزب يؤمن بدستور الجمهورية الثانية والتعايش».

عبد الكريم الزبيدي... طبيب ولاؤه للدولة لا للأحزاب
وزير الدفاع التونسي في السباق لخلافة قائد السبسي

السبت 10 أغسطس 2019 
تونس: كمال بن يونس

تولى وزير الدفاع والمرشح البارز للرئاسة التونسية الدكتور عبد الكريم الزبيدي مسؤوليات عليا في المؤسسات العلمية والإدارة التونسية منذ عام 1981 في عهد كل رؤساء تونس، من الحبيب بورقيبة، وزين العابدين بن علي، إلى الباجي قائد السبسي، مروراً بفؤاد المبزّع، والمنصف المرزوقي، بعد الانتفاضة الشبابية الاجتماعية التي فجّرت ثورات ما عُرف بـ«الربيع العربي» مطلع 2011. وكان الزبيدي، وهو طبيب، قد عيّن لأول مرة عضواً في حكومة بن علي مكلفاً بالبحث العلمي عام 1999، ثم عيّن وزيراً للصحّة في 2001 عندما كان محمد الغنوشي رئيساً للوزراء، بيد أنه ارتقى في سلم المسؤوليات خلال السنوات الأربعين الماضية، ليتصدر قائمة المترشحين لرئاسة تونس خلال السنوات الخمس المقبلة.

عبر الرحلة من مهنة الطب إلى عالم السياسة، تولّى الدكتور عبد الكريم الزبيدي مسؤوليات كثيرة، معظمها في قطاعات الطب والتعليم العالي والبحث العلمي. وتفيد السيرة الذاتية للزبيدي الطبيب والجامعي أنه ولد عام 1950 في مدينة الرجيش، بمحافظة المهدية السياحية، على بُعد 200 كلم جنوبي العاصمة تونس.

وحقاً، نشأ الزبيدي في جهة الساحل، بين محافظات المهدية والمنستير وسوسة، التي ينحدر منها الرئيسان السابقان الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، اللذان حكما تونس ما بين 1955 و2011. وكذلك غالبية كبار المسؤولين في الدولة والحزب الحاكم.

ومِثل كثيرين من طلبة النخبة التونسية، تمكّن الزبيدي من إكمال دراساته العليا في أوروبا، فحصل على شهادة دكتوراه في الطب من جامعة كلود برنار - ليون 1 المرموقة في مدينة ليون بفرنسا. كما أنه حصل من الجامعة نفسها على شهادة الماجستير في علم وظائف الأعضاء البشرية، وأيضاً الماجستير في علم الصيدلة الإنسانية، إضافة إلى شهادة الدراسات المعمقة في علم وظائف الأعضاء البشرية، وشهادة دراسات وبحوث في علم الأحياء البشري.

ولقد نجح الزبيدي بفضل تفوقه العلمي في أن يتولى مبكراً مسؤوليات إدارية في الجامعة والمستشفيات التونسية. وعيّن منسقاً لتدريب كبار الفنيين الصحيين في كلية الطب بمدينة سوسة، خلال الفترة بين 1981 و1988. وتحمّل في الفترة ذاتها الكثير من المسؤوليات الرسمية والمناصب داخل الجامعة، بينها رئيس قسم العلوم الأساسية بين 1982 و1989. وحاز رتبة أستاذ في المستشفيات الجامعية العمومية منذ 1987.

بعدها، عيّن الزبيدي رئيساً لخدمة الاختبارات الوظيفية في مستشفى فرحات حشّاد الجامعي في مدينة سوسة بين 1990 و1999. وعيّن منذ 1992 مسؤولاً عن بعثات الخبراء في مجال التطبيقات الطبية النووية لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وترأس الزبيدي كلية علم وظائف الأعضاء والاختبارات الوظيفية التابعة لوزارة الصحة العمومية بين 1994 و1997، ثم عيّن رئيساً لجامعة الوسط برتبة عضو في الحكومة بين 1995 و1999. وبعد مغادرته الحكومة «لأسباب صحية وعائلية» عيّن عميداً لكلية الطب في جامعة الوسط بسوسة بين 2005 و2008.

العودة إلى الحكم

عاد الدكتور الزبيدي إلى الحكومة بعد أسبوعين فقط من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 عندما أسندت إليه حقيبة وزارة الدفاع في الحكومة الثانية التي شكّلها رئيس الحكومة محمد الغنوشي يوم 27 يناير، وسقطت بعد نحو شهر. وبعد الإطاحة بحكومة الغنوشي الثانية وتعيين السياسي المخضرم الباجي قائد السبسي (الرئيس الراحل) رئيساً جديداً للحكومة، بقي الزبيدي في منصبه وزيراً للدفاع.

كذلك ظل الزبيدي وزيراً للدفاع في أعقاب الانتخابات التعدّدية الأولى التي نظمت في تونس يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، وهي الانتخابات التي أوصلت الدكتور المنصف المرزوقي إلى قصر قرطاج الرئاسي، والأمين العام لحزب «حركة النهضة» حمادي الجبالي إلى قصر الحكومة. واحتفظ الزبيدي بالمنصب مجدداً حتى مارس (آذار) 2013، إلا أنه انسحب في أعقاب الاحتجاجات والاضطرابات السياسية التي عقبت اغتيال الناشط السياسي اليساري شكري بلعيد، ثم استقالة رئيس الحكومة حمادي الجبالي، وتعويضه بوزير الداخلية آنذاك علي العريّض.

رفض رئاسة الحكومة وحقيبة الداخلية

وعُين الزبيدي من قبل رئيس الحكومة الجديد علي العريّض (مارس 2013 - يناير 2014) مستشاراً لوزير الصحة عبد اللطيف المكي برتبة وزير، إلا أنه اختار الانسحاب، وبرّر موقفه بأسباب صحية وعائلية. كذلك رفض الزبيدي طوال 4 سنوات عروضاً كثيرة قدّمها الرئيس الباجي قائد السبسي، من بينها رئاسة الحكومة الأولى في عهده بعد انتخابات 2014. ولقد حاول صديقه الوزير المخضرم الحبيب الصيد إقناعه بقبول عرض قائد السبسي، لكنه تمسك بموقفه الرافض.

وفي المقابل، يؤكد المقرّبون منه أنه لعب دوراً كبيراً في إقناع الصيد بالموافقة على اقتراح تولي رئاسة الحكومة، بحكم تجربته الطويلة في الإدارة، وعلى رأس مؤسسات استراتيجية في الدولة، من بينها الداخلية والتنمية المحلية والفلاحة والبيئة.

وبعد إسقاط حكومة الحبيب الصيد في أغسطس (آب) 2016، تلقّى الزبيدي عروضاً لتشكيل الحكومة الجديدة، أو دخول حكومة يوسف الشاهد الأولى وزيراً للداخلية والأمن، لكنه اعتذر.

في حكومة الشاهد

واصل الزبيدي رفض العودة إلى الحكومة حتى سبتمبر (أيلول) 2017 عند تشكيل حكومة يوسف الشاهد الثانية، وذلك بعد مفاوضات شملت معظم الأحزاب السياسية والنقابات، وأسفرت عمّا سُمّي بـ«وثيقة قرطاج»، وعن إدخال تغييرات شملت حقائب وزارات الدفاع والعدل والداخلية.

ولقد أكد يوسف الشاهد أنه عرض على الزبيدي حقيبة الداخلية والأمن، إلا أنه رفضها وقبل بحقيبة الدفاع، التي تشرف على تأمين حدود تونس وأمنها الخارجي والمشاركة في الحرب على الإرهاب، ولكن دون التورط مباشرة في الملفات الأمنية والسياسية الداخلية المعقّدة.

وبالفعل، بقي الزبيدي في هذا المنصب طوال سنتين بعيداً عن الانخراط في المعارك السياسية، مكرّساً مواقف المؤسسة العسكرية التونسية منذ عهد الرئيس الحبيب بورقيبة وثوابتها؛ الجيش في الثكنات، وتثبيت الحياد السياسي، والتفرغ للملفات الوطنية المشتركة.

علاقته بقائد السبسي

استفاد الزبيدي من دستور تونس الجديد، الصادر في يناير 2014، الذي يجعل وزراء السيادة - وبينهم وزير الدفاع - تحت إشراف مباشر من رئيس الجمهورية، على الرغم من انتمائهم إلى الفريق الحكومي الذي يقوده رئيس الحكومة، وعلى الرغم من مشاركتهم في اجتماعات مجلس الوزراء بإشرافه، وخضوعهم لمراقبة مباشرة من البرلمان.

هذه العلاقة المميزة بمؤسسة رئاسة الجمهورية، مكّنت وزير الدفاع الزبيدي من أن يكون أحد أكثر الوزراء تواصلاً مع الرئيس ومستشاريه، وبينهم مستشاروه في قطاعات الأمن والدفاع. ومكّنه هذا الموقع من أن يتابع مباشرة تطورات التنسيق الأمني والعسكري الإقليمي والدولي في مجالات مكافحة الإرهاب، والتطورات الأمنية والسياسية في ليبيا ومناطق التوترات الأمنية في شمال أفريقيا ودول الساحل والصحراء، بما فيها ما يتعلق بالحرب ضد تنظيمات مسلحة مثل «القاعدة في المغرب الإسلامي» و«داعش» وعصابات التهريب للأسلحة والسلع والأموال والمهاجرين غير القانونيين.

وبالتالي، مع دعم قائد السبسي دور مؤسسة الرئاسة في متابعة الملفات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، اقترب الزبيدي أكثر من مؤسسة الرئاسة والتأثير في بعض قراراتها.

خلافات رأسي السلطة

ولكن، قبل سنة ونصف السنة، عندما اندلعت الخلافات بين قائد السبسي والشاهد، وتطوّرت إلى أزمة مفتوحة بين رأسي السلطة التنفيذية في قصري الرئاسة والحكومة... بل إلى صراع سياسي علني داخل الحكومة والبرلمان ووسائل الإعلام، التزم الزبيدي الحياد، وحاول مراراً الانسحاب من المشهد واعتزال السياسة والتفرّغ لحياته الخاصة والعائلية.

وبالفعل، ينقل مقربون من الشاهد والسبسي أن الطرفين كانا يحرصان على وساطته في عدد من الملفات. وعندما استفحل «الخلاف الرئاسي» عام 2018 وفشلت جهود قائد السبسي لإسقاط رئيس الحكومة، عرض الزبيدي مجدداً استقالته، لكن الرئيس تمسك به وقرّبه أكثر.

وهكذا، بقي الزبيدي في منصبه، لكنه كان يؤكد للمقربين منه موقفه المتمسك بحياد المؤسسة العسكرية، المعارض للاصطفاف ضد رئيس الجمهورية القائد العام للقوات المسلحة... أو ضد رئيس الحكومة الذي يمنحه الدستور والبرلمان أكبر الصلاحيات في تسيير شؤون الدولة ومؤسسات الحكم.

شعبية المؤسسة العسكرية

لقد استفاد الزبيدي من شعبية الجيش التونسي نتيجة تحاشي قياداته التورط مباشرة في قضايا الرشوة والفساد والاستبداد طيلة السنوات الـ60 الماضية، خلافاً لبعض القيادات الأمنية المدنية و«لوبيات» المال والأعمال والسياسة.

وعندما تدهورت الحالة الصحية للرئيس قائد السبسي يوم 27 يونيو (حزيران) الماضي إلى درجة استحالة نقله للعلاج في الخارج، طلب الزبيدي مع أطبائه نقله إلى المستشفى العسكري الكبير في العاصمة تونس؛ حيث تتوفر نخبة من الأطباء العسكريين والمدنيين والتجهيزات الطبية المتقدمة. ونُقل السبسي إلى المستشفى العسكري في اليوم الذي كانت فيه قوات الجيش والأمن الوطني تتصدّى لمجموعة إرهابية هاجمت مركز إرسال إذاعي وتلفزيوني في جنوب تونس على الحدود مع الجزائر، ولمجموعة إرهابية نظّمت عمليتين انتحاريتين وسط العاصمة تونس. ويومها كانت الأولى أمام مقر إدارة مكافحة الإرهاب، والثانية بالقرب من وزارة الداخلية والسفارة الفرنسية بتونس.

وأدى التعاطف الشعبي مع الرئيس المريض الذي يُعالج في المستشفى العسكري، ومع القوات التي تحارب الإرهابيين، إلى ترفيع التعاطف الشعبي مع المؤسسة العسكرية ومع وزير الدفاع الذي اختاره السبسي وأفراد عائلته صباح اليوم الموالي، ليكون الشخصية الرسمية التي أجرى معها اتصالاً هاتفياً لطمأنة الشعب وتفنيد إشاعة وفاته.

كذلك كان الزبيدي آخر مسؤول في الدولة قابله قائد السبسي صباح يوم الاثنين 22 يوليو (تموز) قبل 3 أيام فقط من نقله مريضاً للمرة الثالثة إلى المستشفى العسكري، ثم الإعلان عن وفاته. وأفاد الزبيدي أن المقابلة شملت الحديث عن الوضع الأمني والعسكري في البلاد.

بعد تلك المقابلة، التي بدا فيها السبسي منهكاً ولم يخاطب الشعب، التقى وزير الدفاع رئيس البرلمان محمد الناصر والسفير الأميركي لدى تونس دونالد بلوم، وأوردت وسائل الإعلام التونسية أن قائد السبسي كلّفه بذلك، في خطوة فهم المراقبون أنها محاولة جديدة من الرئيس وعائلته ومستشاريه لتهميش دور رئيس الحكومة و«ابنه الروحي» المتمرد عليه يوسف الشاهد، وإبراز الزبيدي بصفته «رجل ثقة الرئيس والأب الكبير».

الجيش ومراسم التشييع

ويوم وفاة قائد السبسي فوجئ العالم والتونسيون بسلاسة نقل السلطات من الرئيس الراحل إلى رئيس البرلمان، وفق ما ينص عليه الدستور. ونقلت وسائل الإعلام موكب أداء الرئيس الجديد في البرلمان، بعد ساعات من إعلان وفاة قائد السبسي، بعد جلسة عمل جمعته برئيس الحكومة الشاهد، ومشاورات مع وزيري الدفاع والداخلية، أُعلن في أعقابها أن جنازة وطنية ستنظم للرئيس الراحل بعد يومين فقط. وبعد مراسم التشييع فهم الجميع أن قادة الجيش ووزير الدفاع شخصياً كانوا وراء النجاح الأمني والسياسي، لأن كبار الضباط من القوات البحرية والبرية والجوية كانوا في صدارة المشهد طوال مراسم الدفن التي تواصلت نحو 5 ساعات.

دعوات للترشيح

ونوّهت المواقع الاجتماعية ووسائل الإعلام المختلفة بنجاح المؤسسة العسكرية، وتوالت بسرعة الدعوات إلى ترشيح وزير الدفاع لرئاسة الجمهورية. وانخرط في حمّى المساندة لترشيح الزبيدي عائلة قائد السبسي، بزعامة نجله الأكبر حافظ، رئيس حزب «نداء تونس»، ثم قيادات حزبية وسياسية علمانية، بينها ياسين إبراهيم ورفاقه في حزب «آفاق».

أيضاً، صدرت تصريحات بالجملة مساندة لمبدأ ترشيح الزبيدي من داخل حزب «حركة النهضة»، قبل أن تقرر قيادته الموسّعة في اجتماع جديد ترشيح النائب الأول لرئيس الحركة ورئيس البرلمان بالنيابة عبد الفتاح مورو.

مرشح الحداثة

واليوم، بعد حسم «النهضة» موقفها بترشيح زعيمها التاريخي الثاني عبد الفتاح مورو لخوض السباق، فإنه من بين الأسئلة المطروحة؛ هل سينجح الزبيدي وأنصاره في إقناع غالبية المرشحين للرئاسة المحسوبين على تيار الحداثة بالانسحاب لصالحه، كي يتزعم «جبهة التحديثيين» المعارضة لمرشح الإسلاميين؟

ثم كيف سيتفاعل الزبيدي وأنصاره مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، المرشح بدوره للرئاسة، مدعوماً من قبل حزب كبير، انخرط في قياداته المركزية والمحلية عدد كبير من كوادر الدولة والحزب الحاكم قبل انتفاضة 2011 وبعدها.

في أي حال، فإن ترشح وزير دفاع للرئاسة، واستقالته في اليوم نفسه من الحكومة للتفرغ لحملته الانتخابية، حدث يحصل لأول مرة في تونس. إذ بات القانون الانتخابي يسمح فيها للعسكريين والأمنيين بالمشاركة في الاقتراع العام - أي في الحياة السياسية - بحجة المساواة في الحقوق والواجبات مع المدنيين.


 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
البرلمان التونسي يستدعي 5 وزراء بعد مطالب بإقالتهم
في مسيرة بالعاصمة تونسيات يطالبن بـ«كنس» العنف ضد النساء
الجملي يدرس ملفات المرشحين للحكومة في تونس
مجلس «النهضة» يختار غداً الأسماء المرشحة لتولي حقائب وزارية
أزمة اليسار تعطل تشكيل الحكومة الجديدة
مقالات ذات صلة
حركة آكال... الحزب الأمازيغيّ الأوّل في تونس
مخطط أم فشل؟ زيارة إلى تونس - إدوارد مورتيمر
ما يحدث في تونس - محمد بدرالدين زايد
الحدود التونسية - الليبية: بين الرغبة بالأمن والحقائق الاجتماعية - الاقتصادية
تونس والاستقرار الديموقراطي - رضوان زيادة
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة