الأثنين ٢٣ - ٩ - ٢٠١٩
 
التاريخ: حزيران ١٠, ٢٠١٩
المصدر : جريدة النهار اللبنانية
مصر
"فورين بولسي": الاقتصاد المصري ينهار... حقيقة أم أمنية "إخوانية"؟
القاهرة- ياسر خليل
نشرت مجلة "فورين بولسي" الأميركية مقالا تحت عنوان صادم، هو: "الاقتصاد المصري لا يزدهر... إنه ينهار". وعلى الرغم أن المقال جاء في وقت تشير فيه مؤشرات وتقارير دولية ومحلية إلى تحسن أداء الاقتصاد المصري، وتراجع سعر صرف الدولار أم الجنيه، وانتعاش السياحة، إلا أن ظهور المقال على صفحات "فورين بولسي" التي يعتقد الكثير من المصريين أنها مجلة مرموقة، ومهنية، كان له وقعه وتأثيره.

استطلعت "النهار" آراء خبراء اقتصاديين وسياسيين من مصر والولايات المتحدة لمعرفة مدى واقعية ما جاء في المقال.

بدأ المقال بالحديث عن المؤشرات والشهادات الدولية الإيجابية التي تتحدث عن تحول مصر إلى وجهة جاذبة للاستثمار، وأن لدى القاهرة قصة إصلاح اقتصادية ملهمة، ثم قال إن "هذا كله يخفي حقيقة قاتمة"، ليتطرق بعد ذلك إلى ارتفاع معدلات الفقر، وخفض الدعم على المحروقات والسلع نتيجة التزام القاهرة برنامج إصلاح اقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، واستهلاك أقساط القروض لنسبة كبيرة من موازنة الدولة. وخلص المقال إلى أنه "إذا استمر الوضع كذلك فإن مصر سوف تعلن إفلاسها".

لا سند علميا

تقول الخبيرة الاقتصادية والمديرة السابقة لتقرير التنمية البشرية التابع للأمم المتحدة الدكتورة هبة حندوسة لـ"النهار": "قرأت المقال، وهو عنيف من دون أي سند علمي. الكاتب يتحدث عن صندوق النقد الدولي ككيان شرير. إن الوصفة التي قدمها الصندوق لإصلاح الاقتصاد المصري، يستخدمها على مدار الخمسين عاما الماضية. وهي وصفة صعبة، لكن الدولة التي تستعين بها تتعافى اقتصاديا".

وتؤكد حندوسة التي تدير حاليا منظمة غير حكومية متخصصة في مكافحة الفقر: "إن المواطن الفقير الذي ركز عليه المقال لم يكن هو المتضرر من برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري. من تأثر حقا هو الطبقة المتوسطة. فالدولة تقدم حاليا دعما غير مسبوق للطبقات الفقيرة، ولا أعرف بلدا في العالم يحصّل نحو 75% من شعبه على المواد الغذائية الأساسية، مثل الخبز، والزيت، والسكر، بصورة شبه مجانية. إن هذا يحدث بمصر".

وتشير الخبيرة الاقتصادية إلى أن "رفع الدعم أثر على من لديهم سيارات، ويستهلكون وقودا، أو من يشترون بضائع مستوردة، ولديهم تكييفات وأجهزة كهربائية تستهلك الكثير من الطاقة. الحكومة تحاسب المواطنين وفق شرائح استهلاكهم من الكهرباء، والفقراء يتحملون تكلفة أقل مما تدفعه الطبقة المتوسطة والأثرياء".

وتضيف: "الحكومة صممت برامج غير مسبوقة لدعم الفقراء، ومنها (تكافل وكرامة)، وكذلك توفير مواد غذائية مدعمة أو شبه مجانية. الجيش والشرطة قاما بتوفير سيارات تتيح المواد الغذائية بأسعار مخفضة، وهذا يحارب احتكار التجار وبعض تكتلات المصالح التي ترفع أسعار السلع".

الدولة بدأت هذه البرنامج قبل أن تحرر سعر الصرف (في نهايات العام 2016)، بحسب ما تقوله الخبيرة الاقتصادية: "هناك تحكم كبير في الأسعار بالأسواق. وهذه من النقاط التي تلقى إشادة من البنك الدولي والمنظمات الدولية. في التسعينيات حين قامت الحكومة بتحرير سعر الصرف، وبدأت برنامجها الإصلاحي، لم تقدم دعما اجتماعيا مماثلا لما هو قائم الآن".

وعن القول إن نسبة كبيرة من نفقات الدولة تخصص للأجور، توضح حندوسة: "هذه مشكلة موروثة منذ الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، حيث تم تشغيل أعداد كبيرة في القطاع العام ومؤسسات الدولة. الآن الحكومة تسعى لتوفير قروض للشباب لإنشاء مشروعات، وتقلص التعيين في القطاع العام والحكومي".

"هناك اهتمام كبير بالمناطق التي كانت محرومة الاستثمارات وفرص العمل"، تقول الخبيرة الاقتصادية، "أنا أعمل حاليا من خلال منظمتي (النداء) في محافظة قناة (578 كيلو جنوب القاهرة)، وقد حصلت الحكومة على قرض من البنك الدولي بقيمة 500 مليون دولار لتنمية هذه المحافظة. لا شك في أن الحصول على قروض مجازفة، لكن السؤال هو: أين تذهب هذه القروض؟ إنها تذهب في البنية التحتية، والمشروعات القومية، وفتح مجالات جديدة للاستثمارات، وتوفير فرص العمل. ووفقا تقديري الشخصي، لا أتصور أن مستقبل مصر كان في يوم من الأيام أفضل مما هو عليه الآن".

استباق للنتائج

ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس لـ"النهار": "إن كلمة الإفلاس -التي جاءت في المقال- كلمة كبيرة جدا. من يقول هذا يجب أن يكون داخل المعمل الاقتصادي، كي يكون لديه كل الأرقام والمؤشرات ليحللها ويصل إلى نتيجة واضحة كهذه".

ويضيف الخبير الذي انتقد العديد من السياسات الاقتصادية للحكومة المصرية أخيرا: "في الاقتصاد 1 + 1 لا يساوي 2 دائما، ولكن ربما يساوي 3 أو 4، لكن من الصعب أن يساوي 7 أو 8. وبالتالي، هناك وجهات نظر متباينة، لكن وجهة النظر التي ذكرها تقرير فورين بولسي متطرفة للغاية".

لدينا نقطتان مهمتان، بحسب وجهة نظر الخبير الاقتصادي: "الأولى هي أن معظم المشروعات القومية، سوف تنتهي الدولة من إنشائها في 30 حزيران 2020. هذا تاريخ مهم جدا، وبالتالي بداية من 1 تموز 2020 تبدأ الرؤية الحقيقية بالتبلور، ويتضح مدى نجاح السياسات الاقتصادية التي نفذتها الحكومة المصرية.

النقطة الثانية أن كل القروض التي حصلت عليها مصر هي قروض طويلة الأجل، يحل تاريخ سدادها بعد 10 إلى 20 عاما، وبالتالي هناك مدى زمني طويل يسمح للدولة بالتحرك. وما أنفقته الدولة يعتمد على توقعاتها أنه في 2020 سوف يصل عدد السياح إلى 30 مليونا، والمشروعات القومية مثل مدينة العلمين الجديدة، والمنتجعات السياحية والمدن التي أنشأتها أخيرا، وكذلك مصنع رخام الجلالة الذي جعلها تستطيع أن تصدر منتجا كاملا بدلا من تصدير المواد الخام، كل هذا وغيره من المشروعات تتوقع الدولة أن يحقق عائدات بالمليارات، تستطيع من خلاله سداد أقساط القروض التي حصلت عليها".

القاهرة قامت بإنشاء الكثير من الطرق والجسور، التي قد تكون جزءا من طريق الحرير، وفق ما يشير النحاس "أو قد تكون جزءا من خطط استثمارية وصناعية مرتقبة. لنكون واقعيين، نحن لا نملك الكثير من البيانات حتى نستطيع الحكم بشكل قاطع على نتائج الخطط الإصلاحية للدولة، هذا كله سيتكشف بعد 1 تموز 2020، وبالتالي فإن استباق النتائج، والحديث عن إفلاس الدولة هو كلام سابق لأوانه وغير واقعي".

انحياز الى الإخوان

المقال بدا مسيسا من النظرة الأولى، لكن الاقتصاد لا يعتمد على الانطباعات، بل يستند إلى الأرقام والمؤشرات، وكاتب المقال، يحيى حامد، هو شخصية غير معروفة في مصر، على الرغم أنه كان وزيرا للاستثمار في عهد جماعة "الإخوان المسلمين" التي أطاحتها تظاهرات شعبية حاشدة في 30 حزيران من العام 2013، ذكر أرقاما وأشار إلى تقارير دولية وإعلامية، كما أنه اختار لمقاله منصة ذات ثقل إعلامي، ولا يشكك فيها أغلب المصريين مثلما ينظر قطاع كبير منهم بريبة إلى قناة "الجزيرة" على سبيل المثال.

الباحثة الأميركية إيرينا تسوكرمان تقول لـ"النهار": "هذا المقال يأتي ضمن سلسلة مقالات نشرتها (فورين بولسي) أخيرا، تهاجم الحكومة والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشكل خاص. إنها منحازة بصورة واضحة الى الإخوان المسلمين وقطر".

وتفسر تسوكرمان هذا بأن "غالبية الإصدارات المتعلقة بالسياسة الخارجية في الولايات المتحدة، تمت السيطرة عليها بواسطة مساعدين للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما -الذي دعم حركات الإسلام السياسي خلال توليه السلطة- والمقال الأخير ليس على سبيل الصدفة، بل إنه يعبّر عن خط تحريري ثابت للمجلة التي تتبع صحيفة (واشنطن بوست) وتسير على خط سياستها التحريرية".


 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
البرلمان المصري... «ثورة تشريعية» قياسية بانتظار «مراجعة مستقبلية»
مصر: «المؤبد» لمرشد «الإخوان» و10 من قياداتها في «قضية التخابر»
«انتفاضة ضريبية» في مصر تخلف جدلاً قانونياً وشعبياً
مصر: لائحة جديدة للإعلام بموازاة تطبيق «ضوابط» على البرامج
مصر: ضوابط على البرامج الدينية لمواجهة «خطاب الكراهية والعنف»
مقالات ذات صلة
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
مئوية ثورة 1919 المصرية... شعب يطلب الاستقلال - خالد عزب
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة