السبت ٢٢ - ٧ - ٢٠١٧
 
التاريخ: آذار ١٦, ٢٠١٧
المصدر : جريدة الحياة
العراق
الموصل تودّع غرباء «الخلافة» لتستقبل غرباء جدداً جاؤوا من الجنوب
الموصل – حازم الأمين 
الرجل الذي خرج من حي باب الطوب في الموصل القديمة، والذي يتمركز فيه عناصر «داعش»، قال إن طائرة قصفت منزله وإنه خرج مع زوجته وأمه من بين الأنقاض. وهو حين لاقاه جنود الجيش العراقي عند أول شارع الدواسة، كان غبار يغطي وجهه ولحيته، أما أمه وزوجته فلم تظهر على وجهيهما وثيابهما آثار قصف. قال الرجل: «خفس البيت علينا»، وراح يعيد العبارة كلما توجه إليه جندي بسؤال. «قصفتنا الطائرة فخفس البيت علينا»، فيما جندي أشار إلي بأن الرجل مجرد عنصر هارب من «داعش»، وإلا فما الذي أبقاه في «باب الطوب» إلى اليوم.

الرجل كان شديد التوتر، وليست لحيته الطويلة كافية للقول إنه كان يقاتل مع «داعش»، ذلك أن اللحية كانت شرط «الحسبة» على السكان الرجال في عاصمة «الخلافة». والرجل لم يكن كاذباً، فهو كان شديد الانفعال، وراح يطلب من الجنود تأمين نقله إلى خارج الشاطئ الأيمن، المنطقة التي تشهد اشتباكات عنيفة بين الجيش والتنظيم. أما زوجته فرفضت أن يقترب منها المصورون، من منتظري لحظة لكي يلتقطوها في هذه المنطقة الخطرة. وربما لاح لهم مشهد الأم العجوز والزوجة المنتحبة بصفته لحظة عادية في هذه الأجواء المخترقة بقصف وقنص مهندسين، على نحو يعرف فيه المتقاتلون قواعد الموت فيما الصحافيون طرف ثالث، حضر لمجرد التقاط لحظة.

إنه الشاطئ الأيمن الذي انكفأ إليه «داعش» بعد أن انسحب من كل الشاطئ الأيسر. الجيش يقول إنه يتقدم باتجاه أحياء الموصل القديمة، فيما الجنود يعودون إلى الخطوط الخلفية، ليحضروا مزيداً من الذخائر، ويقولون إن عناصر التنظيم مستميتون في القتال. صحافي غربي عاد لتوه من تخوم خط القتال قال إن لا تقدم للجيش، وعناصر «داعش» استعادت المجمع الحكومي عند أطراف الموصل القديمة، فيما الضابط العراقي يؤكد أن الجنود تجاوزوا المجمع، وهم الآن يتمركزون في مسجد الخضر وفي فندق عشتار. أما الأحياء المتبقية فهي باب الطوق وباب السراي والسرجخانة والنبي جراجيس. ويتوقع أن تشهد هذه الأحياء قتالاً عنيفاً، ذلك أن «داعش» محاصر اليوم في الضفة اليمنى، وليس أمامه سوى القتال.

الدمار هائل في الموصل الغربية. المدينة منكوبة بالمعنى الحرفي للكلمة. لا قصة لكي نكتبها سوى صور المحال التجارية التي انتفخت أبوابها بفعل الضغط الذي خلفته الصواريخ الشديدة الانفجار. ديك وثلاث دجاجات يتجولون بين الأنقاض، قال صحافي إنه شاهدهم بالأمس في شارع آخر. رجل ستيني وشاب يرتديان ثياباً عربية خرجا من أحد الشوارع، نبهنا جندي بأن لا نقترب منهما، فربما كانا انتحاريان. القصص وسط هذا الدمار الهائل تنتهي ما أن تبدأ. هي أقرب لمشاهد سريعة الانقضاء، وعقارب الساعة تتقدم بسرعة تفوق ما تحتاجه الكتابة من بعض البطء.

لكنك قطعت كل هذه المسافة إلى الموصل لتعاين أثر «داعش» في حياة مدينة حكمها لنحو ثلاث سنوات، وها أنت أمام زمن أسرع مما تقتضيه المعاينة. ربما كان «داعش» وراء تسريع عقارب الساعة في هذه المدينة الموحشة والمنكوبة. الوقت هنا هو الفاصل الزمني بين اندفاع السيارة المفخخة بسرعة هائلة وبين انفجارها بالجنود. فالضابط حين أعاد على أسماعنا كيف انفجرت السيارة هذا الصباح بالقرب من جنوده كان يقول لنا إن الحرب هنا ليست الطائرات ولا القناصين، انما هي اندفاع الانتحاري إلى موته وموتنا. قال أن السيارة خرجت من كاراج في أحد الأفرع التي كان الجنود يتقدمون نحوها، وأنها عادت أدراجها بسرعة، واختفت لتظهر في فرع مواز لتعود وتندفع بسرعة هائلة باتجاه الجنود المتقدمين وتنفجر على مسافة لا تبعد عشرة أمتار منهم.

القصة في مناطق القتال لا تزيد عن ذلك. لا مدنيون سوى ناجين قليلين يتبادلون نظرات ريبة مع الجنود. أما الأخيرون فمعظمهم من خارج الموصل، وهم لا يعرفون أسماء الشوارع التي يقاتلون فيها.

لكن الموصل في السنوات الثلاث التي حكمها «داعش» فيها، صار لها في وعي متابعيها صورة وعلامات ثابتة وأسماء متبدلة. فيها كان ينفذ التنظيم معظم فظائعه، وفيها أيضاً أرسى قواعد عيش خرج فيها عن كل مألوف مما درجنا على العيش في ظله. إلقاء المثليين من مبنى خصصه لهذه المهمة في وسط المدينة، وتنفيذ عقوبات الجلد بحق المدخنين، وإجبار الناس على حضور عمليات الشنق التي كانت تنفذ في الساحات العامة. هذه الوقائع التي كانت بعيدة وتصلنا عبر أشرطة الفيديو ها هي اليوم أمام أنظارنا. المبنى الذي كنا نعتقده شاهقاً، والذي ألقى من فوقه التنظيم من كان يعتقد أنهم مثليين، لا يزيد ارتفاعه على ثلاث طبقات، والساحة التي نفذ فيها إعداماته المصورة ذبحاً أو رمياً بالرصاص، هي تماماً خلف هذا الساتر الذي أقامه جنود عراقيون جاؤوا من مدينة الحلة في الفرات الأوسط.

أما معسكر الغزلاني، وهو معسكر الجيش العراقي الذي فر جنوده فور تقدم «داعش» في حزيران (يونيو) من العام 2014، والذي استولى فيه التنظيم على أسلحة ومعدات حديثة فقد «حرره» الجنود مجدداً، لكنه اليوم خالٍ، ولا يبدو أن ثمة نية لتحويله معسكراً من جديد، ذلك أنه يرمز إلى هزيمة مخزية يلفها الكثير من الغموض والشكوك.

حين يتحدث السكان القليلون عن السنوات الثلاث في ظل «داعش»، لا ينفون في أحاديثهم أياً من الأخبار والمشاهد التي كنا نسمعها ونشاهدها، لا بل يزيدون عليها ظلامتهم الخاصة التي لم تكن جزءاً من همومنا. فـ «داعش» كان سلطة «الجرية» في الموصل، و «الجرية» تعني في اللهجة العراقية قرى البادية، وهذا لا يعني أن لا موصليين بايعوا التنظيم، إنما يعني أن تنفيذ أحكامه وقواعده أنيط بأجهزة جاء معظم عناصرها من خارج المدينة.

ثمانون في المئة من تلامذة المدارس انقطعوا عن الدراسة في الموصل عندما باشر التنظيم تطبيق مناهجه الدراسية في مدارس المدينة. ويقول أحمد وهو تلميذ ثانوي إنه خسر ثلاث سنوات، لكنه اليوم سيعاود التحاقه بالمدرسة. ويبدو أن التنظيم كان سلطة غاشمة على كل المستويات، ذاك أن ادعاءه تطبيق شريعة يعتقد أنها النموذج الذي يجب أن تكون السلطة عليه كان كذباً، فالفساد شرع ينخر جسم هذه السلطة منذ سنة حكمها الأولى. يشير علي إلى أن بائع السجائر في الحي الذي يقيم فيه كان عنصراً من «داعش»، في وقت كان فيه التنظيم يعاقب بالجلد أي مدخن في المدينة. وكان ثمن السيجارة الواحدة نحو نصف دولار أميركي. وكذلك «المقشمر» الذي يتولى تهريب الناس إلى خارج الموصل والذي كان يتقاضى ألفي دولار أميركي لقاء تهريبه شخصاً واحداً.

كان الناس في المدينة يتولون تصريف حاجياتهم «المحرمة» على نحو غير صعب، وان كانت شرطة التنظيم حاضرة بينهم. عقوبة مخالفة السير كانت أن يستيقظ السائق صباحاً كل يوم على مدى شهر ليؤدي الصلاة في أحد مساجد التنظيم، وكم كانت سهلة رشوة أمراء المساجد الجدد. ويمكن الالتفاف على عقوبة الستين جلدة بأن يُدفع لمنفذها مبلغاً فيضع تحت إبطه مصحفاً ويشرع بالجلد، لكن وجود المصحف تحت إبطه لا يتيح له رفع يده بالسوط، وهو ما يجعل الجلد مخففاً وغير مؤلمٍ.

كان فساد التنظيم أحد وجوه سلطته، تماماً كما عنفه وإجرامه. وكان معظم أهل الموصل يعتقدونه احتلالاً غريباً عنهم. لكن ذلك لم يكن اعتقاداً مطلقاً، ذلك أن شرائح من السكان بايعت التنظيم، وتولى الأخير عبرها تبديل النخب وتقديم تجار جدد على التجار التقليديين، وهو نافس بأسواقه الجديدة والحرف التي استحدثها التجار والحرفيون من أهل المدينة، فيما شرع آخرون تكييف كفاءاتهم وأعمالهم وفق الحاجيات التي فرضتها السلطة الجديدة. فمتاجر في شارع الدواسة مثلاً كانت في أيام «البعث» تبيع الملابس العسكرية لـ «فدائيي صدام»، تحولت إلى بيع الزي القندهاري في ظل «داعش»، وحول كثير من أصحاب المقاهي مقاهيهم إلى «شاي خانة» لا تقدم سوى الشاي لزبائنها. أما الرجال الذين كانوا يعاقبون على عدم التزام زوجاتهم الزي الشرعي، فقد زادت سلطاتهم، وصار منع الزوجة من الخروج من المنزل معززاً بشرط جديد.

«سوق الغنائم» الذي افتتحه التنظيم في المدينة نافس تجارها على كل شيء، فسعر السيارة المُصادرة هو أقل من سعرها لدى تجار السيارات بكثير، وكذلك كل السلع التي كان يصادرها التنظيم في مداهماته، والتي يعود معظمها لعائلات جنود وأفراد في أجهزة الشرطة، والتي كانت تعود عليه بجزء من ماليته. أما الموت فكان قريباً جداً من عناصر التنظيم، ويقول أحمد إن جيراناً له كانوا يموتون يومياً ويُحضر التنظيم جثثهم لأهلهم من دون أن يُحدد لهم مكان موتهم وأسبابه.

ويبدو أن خبرة في السلطة مستمدة من تجربة العيش في ظل «البعث» استفاد منها التنظيم في فرض نفوذه وهيبته، ثم عاد السكان واخترقوها في ظل خبرة موازية في العيش في ظل سلطة «البعث». فبث الرعب في أوساط السكان عبر مشاهد الإعدامات العامة والعقوبات القصوى التي كان «البعث» مارسها في الموصل، و»داعش» أعاد الكرة في ظل خبرات ضباط عراقيين سابقين من مدينة تلعفر التحقوا بالتنظيم وشكلوا نواة قيادته الأولى. والموصل المدينة السنية، لم تكن بعثية في حينها، على رغم وجود آلاف من الضباط من أهلها، وهي اليوم استمرت بشعورها بأنها محكومة من غرباء عنها جاؤوا من البادية، ووجدوا في المدينة من يتواطأ معهم عليها. فالمدن في شكل عام أكثر جبناً من أريافها، ولطالما تواطأت مدن مع غزاتها قبل أن يدحرهم غزاة جدد هم بدورهم من خارج المدينة.

الحرب بدلت كل شيء هنا. تغيرات هائلة أصابت معظم أقضية الشمال العراقي. «داعش» في سنوات حكمه الثلاث وصل إلى تخوم إقليم كردستان، لا بل تمكن من السيطرة على الكثير من بلدات الإقليم في شرقي الموصل. وسهل نينوى الذي يفصل الإقليم عن عاصمة الشمال العراقي، والذي كان يضم بلدات ومدن مسيحية وأخرى لطائفة الشبك، خالٍ اليوم من سكانه على رغم استعادته من أيدي التنظيم منذ أشهر. مدينة الحمدانية المسيحية يعسكر فيها الحشد الشعبي، فيما يشير مرافقنا الكردي إلى أن فاعلياتها رفضت أن تقيم فيها البيشمركة الكردية، مع ما تحمله هذه الإشارة من توترات تنتظر المنطقة بعد انتهاء الحرب على «داعش». فالقوى الشيعية صارت على مشارف الإقليم، وتقيم في مساحات لطالما اعتبرها السنة العرب جزءاً من «إقليمهم». وفيما يشير مرافقنا الآخر الموصلاوي إلى أن لحظة استيلاء «داعش» على مدينته نتيجة مؤامرة نوري المالكي وتخاذل النجيفي، كانت تصلح لإعلان إقليم سني يحكمه أهل المدينة عبر النقشبنديين والبعثيين السابقون، يعود ويؤكد أن «داعش» هو المصير الذي اختاره العالم لنا بهدف منعنا من إقامة الإقليم السني.

لا أحد هنا يُفكر بمصير المنطقة في أعقاب هزم «داعش». الأكراد يهيئون أنفسهم لإعلان الاستقلال، وهم بدورهم متنازعون بين أربيل والسليمانية، وجاءهم أخيراً حزب العمال الكردستاني لينافس الحزبين العراقيين على النفوذ.

المنطقة تغلي بمقدمات حروب جديدة. «داعش» كسلطة وكدولة على أبواب هزيمة ميدانية. وها نحن ننتظر مولوداً جديداً من الصعب تحديد ملامحه اليوم.



 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
قتلى وجرحى في اشتباكات بين «المنتصرين» في نينوى
كردستان تتحدى الرفض الإيراني - التركي
قوى مسيحية تتهم حزب بارزاني بالاستيلاء على سهل نينوى
كركوك ترفض تشكيل قوة تركمانية بدعم من أنقرة
الدمار في نينوى 70 في المئة
مقالات ذات صلة
«داعش» سيستأنف عمله قريباً في الموصل... والأرجح أنه استأنفه - حازم الامين
الموصل ليست نهاية: واقع يزداد تأزماً - شفيق ناظم الغبرا
لا أحد براء من سبي الإيزيديات - حازم الامين
استفتاء الاستقلال في إقليم كردستان - مصطفى أوسو
كرد العراق وخطايا الاستقلال - رستم محمود
Editor In Chief & Webmaster : Nazih Darwish
حقوق النشر ٢٠١٧ . جميع الحقوق محفوظة