الأربعاء ١٧ - ٧ - ٢٠١٩
 
التاريخ: أيار ٨, ٢٠١٩
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الياس خوري "شيخ كار" يتحكم بالحكايات ويتقن صناعة السرد
سلمان زين الدين
"نجمة البحر" (دار الآداب) هي الحلقة الرابعة عشرة في سلسلة الياس خوري الروائية الطويلة التي بدأها في العام 1975 برواية "عن علاقات الدائرة"، والحلقة الثانية في سلسلته القصيرة "أولاد الغيتو" التي بدأها في العام 2016 برواية "اسمي آدم". إنه في "نجمة البحر" يكمل ما بدأه في هذه الأخيرة، فيتمحور السرد حول شخصية آدم، التي تشكّل مقاربة جديدة للشخصية الفلسطينية في ظل الاحتلال الاسرائيلي، وهي امتداد للمقاربة المطروحة في "اسمي آدم" التي تحتوي "نجمة البحر"، من الناحية الزمنية، وإن اختلفت الحوادث في كلتا الروايتين وتكاملت. وبذلك، تجمع العلاقة بينهما، الاحتواء في الشكل، والاختلاف والتكامل في المضمون.

يصدّر الياس خوري في روايته عن منظور إنسانوي، يعدل فيه بين الضحية، من جهة، وضحية الضحية، من جهة ثانية. وبذلك، يُحسن إلى الأولى، ويُسيء إلى الثانية، من حيث يقصد أو لا يقصد، ما تنتفي معه العدالة التي لا تعني أبدًا المساواة بين المهاجر المحتل والمهجَّر المحتلَّة أرضه.

الشخصية الفلسطينية التي تقدّمها الرواية، من خلال آدم، شخصية مهزومة، متنكّرة لماضيها، تنتحل شخصية المحتل وديانته وثقافته لكي تستمر، وتتماهى مع جلّادها، وتتصالح معه، من خلال علاقات "الأخوّة" والعمل والزمالة والصداقة والحب والزواج وغيرها. في المقابل، تبدو الشخصية الاسرائيلية، من خلال غابرييل وياكوب، إنسانوية، تقدّم فرص العمل والتعلّم والسفر. على أن الشخصيتين، بتمظهراتهما المختلفة، تعانيان من الهوية الملتبسة. فهل ينطبق هذا المنظور على الوقائع الفلسطينية في اللحظة التاريخية التي تتناولها الرواية؟

على المستوى الفلسطيني، تتراوح تمظهرات الشخصية بين: المهزومة، والعميلة، والمنتقمة، والوحيدة المقطوعة من شجرة، والغارقة في الحنين إلى ما مضى. أي أنّنا إزاء شخصيات سلبية، مغتربة عن الزمان والمكان، وموزّعة بين ماضٍ لن يعود ومستقبل لا يأتي.

الشخصية المهزومة يجسّدها آدم، الطفل الذي عثر عليه على صدر أمه الميتة عند شجرة الزيتون، خلال مسيرة الموت الفلسطينية الكبرى، تتبنّاه منال وزوجها حسن دنّون الذي ينسبه إليه، حتى إذا ما استُشهِد حسن قبل سقوط اللد وتزوّجت منال من عبدالله الأشهل وضاق ذرعًا بظلم الأخير، يغادر آدم البيت، ويصطنع الغموض، وينتحل هوية أخرى كي يحمي نفسه بعدما تخلّى عنه آباؤه، فيزعم أنّه من عائلة دانون ليوحي بيهوديته، ويبدي حبّه اللغة العبرية، ويرغب في دراسة الأدب العبري، ويساعده شَعره الأشقر على هذا الانتحال، ويعتمر طاقية إخفاء يخفي بها هويّته الحقيقية. لذلك، تتيح له هذه الآليات: فرصة عمل ومأوى وتعلّم، على يد غابرييل تاندوف، المهاجر البولندي، وفرصة الدراسة الجامعية على يد ياكوب ايبنهاينر، المهاجر الألماني، وفرصة السفر معه إلى وارسو لزيارة الغيتو ومتحف الموت في أوشفيتز، وفرصة اختبار تجربة إنسانية قاسية في المكانين. غير أن غابرييل حين يكتشف العلاقة السرية بين آدم وابنته رفقة يطرده من الكاراج والبيت، ويهدّد بقتله متخلِّيًا عن قناعه الإنسانوي، كاشفًا عن وجهه العنصري الذي يعتبر العرب جنسًا قذرًا. وحين يكتشف ياكوب هوية آدم الحقيقية، ويعتبر أنّه خدعه، يقطع علاقته به. وهكذا، يسقط قناعه الإنسانوي أيضًا. لاحقًا، يقرّر آدم الزواج من دالية بن تسفي، المولودة لأبٍ بولندي وأمٍّ عراقية، بعد قصّة حب طويلة، لتقول الرواية بإمكان المصالحة بين "الأعداء المفترضين".

إلى ذلك، يجسّد رباح عبد العزيز الشخصية المتعاملة مع المحتل، فيبقى في قريته الغابسة بعد تهجير أهلها منها ورحيل زوجته وأولاده إلى لبنان، ويراهن على علاقته باليهود لاسترجاع أرضه، فيجرّ على نفسه تهمة التعامل معهم، حتى إذا ما خسر نفسه ولم يربح أرضه، يؤول إلى عزلة خانقة في كوخ صغير ثم لا يلبث أن يشنق نفسه.

يجسّد عبدالله الأشهل الشخصية المنتقمة، لكنه يغلّب الخاص على العام، وبدلاً من الانتقام من المحتل الذي هجّره مع أسرته إلى لبنان حيث أدّى قمعه لزوجته وتعنيفها إلى فرارها مع ابنتيها متسلّلة إلى فلسطين وتغيير أسمائهن والزواج من الدكتور نبيل سمعان، طبيب الأسنان وعضو الكنيست العربي، يقوم بقتل الزوج الذي حضن أسرته. وبذلك، يكون قد أخطأ الهدف.

عبلة، التي رفضت الرحيل مع أسرتها إلى لبنان وآثرت البقاء لرعاية أمّها المقعدة ما أدى إلى زواج زوجها من أخرى وانقطاع الصلة بأولادها وتعرّضها للإذلال في الغيتو، تجسّد الشخصية المنقطعة عن جذورها وأغصانها. ويجسّد أبو حسن الحجر الشخصية المغتربة مرّتين، فيعود من غربته الأميركية بعدما تأمرك أولاده وتقدّم به العمر ليعيش غربته الفلسطينية على شاطئ يافا غارقًا في تأمّلاته وحنينه إلى زمن لن يعود.

هكذا، تشكّل الشخصية الفلسطينية في "نجمة البحر" بتمظهراتها المختلفة شخصية سلبية، ملتبسة الهوية، عاجزة عن الفعل.

على المستوى الاسرائيلي، تقدّم الرواية غابرييل تاندوف، المهاجر البولندي، المقيم في حيفا، شخصية إنسانوية، فهو يعاني فقدان الأخ الأصغر الذي قتل بعد انضمامه إلى الهاغاناه، ولامبالاة الزوجة، ويزعم حب العرب فيؤمّن لشباب من البعنة فرصة العمل في كاراجه، ويمدّ يد المساعدة لآدم الذي يشبه أخاه القتيل، غير أنّه حين يكتشف العلاقة بين الأخير وابنته، يتكشّف عن عنصرية دفينة، فيطرده ويهدده معتبرًا العرب جنسًا قذرًا. أمّا ياكوب إيبنهاينر، المهاجر الألماني، الذي يبدي آراء إنسانوية، ولا سيّما في قراءته المحرقة، سرعان ما يتهم ماريك إديلمان، أحد قادة الانتفاضة ضدّ الغيتو في وارسو، بمعاداة الصهيونية، لأنّه رفض الهجرة إلى فلسطين لأسباب أخلاقية، ويتبنّى منطق القتلة حين يقول مخاطبًا آدم: "نحن الألمان الجدد يا عزيزي" (ص 269)، ويقطع علاقته بهذا الأخير حين يكتشف هويّته الحقيقية.

هكذا، تشكّل الشخصية الاسرائيلية في "نجمة البحر"، بتمظهراتها المختلفة، شخصية مؤثّرة، قادرة على الفعل، لكنّه الفعل الذي يبني مجده على مآسي الآخرين، وبهذا المعنى، تصبح شخصية سلبية بدورها.

إن افتقار الرواية للشخصية المقاومة، على المستوى الفلسطيني، والشخصية الغاشمة، على المستوى الاسرائيلي، من شأنه أن ينتقص من واقعيتها، ويجعل العالم المرجعي الذي تحيل عليه عالمًا مصطنعًا، فاصطناع نص إنسانوي لا يعكس بالضرورة حقيقة العلاقات بين الشخصيتين في المرجع.

على الرَّغم من عدم واقعية المنظور الروائي الذي يُصدّر عنه الياس خوري في روايته، على مستوى الحكاية، فإنّ للخطاب الروائي شأنًا آخر، ذلك أنّ خوري "شيخ كار" في صناعة السرد، واستخدام تقنيّاته، والتصرّف بخيوطه. وهو يعرف كيف يُمسك بتلابيب القارئ من بداية الرواية إلى نهايتها، فتروح الحكايات تتدفّق على رسلها، وتتناسل بعضها من بعض، من خلال شهادة الشخصية المحورية عليها أو سماعها بها أو المشاركة فيها.

في "نجمة البحر" لكلّ شخصية حكايتها، ولكل مكان تاريخه، ولكل زمان مساحته النصية. والرواية هي مجموع حكايات شخصياتها وهويّاتها الملتبسة المتفاعلة داخل النص، وحكايات القرى الدارسة والأماكن المهجورة بفعل العدوان. الياس خوري بارع في التحكم بالحكايات وتوقيت ظهورها على خشبة الرواية، وهو يعهد إلى الراوي العليم بدور المخرج الذي يقدّم ويؤخّر، يحذف ويضيف، يروي ويصف، يسرد ويحاور، بما يؤدي إلى نجاح العرض الروائي.

تتعدّد المستويات اللغوية في الرواية بتعدّد النمط النصّي. ففي السرد يستخدم لغة رشيقة، طليّة، أنيقة، يرشّ عليها الصور الشعرية بمقدار مدروس. وهو يراعي التنوّع في سرده، فيكسر نمطيّته بوصف مكان، أو بشهادة كاهن، أو اعتراف متّهم، أو خبر صحافي، أو حوار مختصر، أو أبيات شعرية. وفي الحوار، يستخدم المحكية الفلسطينية، فيعزّز واقعية النص. بهذا التعدّد اللغوي، والتنوّع النصي، يمنح نصّه الرشاقة والحيوية والروائية.

وبعد، لعلّ الدرس المركّب الذي يمكن الخروج به من "نجمة البحر" هو أن الغيتو لا يبرّر الغيتو، وليس من حقّ الضحية أن تتحوّل إلى جلّاد، ولا تستوي الضحية مع ضحيتها، وكتابة النص الإنسانوي تقتضي عالمًا مرجعيًّا إنسانويًّا، وهو ما لا يتوافر حتى اللحظة في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.


 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
لبنان: "انتفاضة" سنيّة شعارها العودة إلى اتفاق الطائف
اتصالات لتشكيل «مجلس حكماء» لـ«إعادة الاعتبار» إلى اتفاق الطائف
الحريري يحاول فك الارتباط بين جلسة الحكومة وتوتر الجبل
نتنياهو يتوعد «حزب الله» بـ«ضربة ساحقة» إذا هاجم إسرائيل
الحريري يدعو لمعالجة أزمة الجبل «بهدوء» وجنبلاط منفتح على «الحلول المقبولة»
مقالات ذات صلة
العقوبات والضغوط على حكومة لبنان - وليد شقير
"حزب الله" والساحة الدرزية - وليد شقير
أحداث جبل لبنان والمقتولون «في حمى الأمير»! - رضوان السيد
لبنان بين لجوء ونزوح: سورياليّة، شعبويّة وغلو سياسي بدل السياسات العامة!
لبنان المئويّة الأولى: الإخفاقات البنيوية والبديل - مشير باسيل عون
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة