الأربعاء ١٧ - ٧ - ٢٠١٩
 
التاريخ: أيار ٤, ٢٠١٩
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
تحدّيات الهندسة المعمارية أمام السياجات الطائفية ومخاوفها - سمير خلف
كان روبرت فروست – وفق ما تزخر به بعض أروع قصائده وأقواله – يمقت بشدّة الجدران والحواجز وسائر أشكال العزل والإقصاء بين البشر. لكنه لم يكن يعترض على "الأسيجة" التي تُشكّل أدوات أكثر مَساميةً ومطواعية لترسيم الحدود بين البشر.

عندما أصبحت فظائع العنف الذي توالى فصولاً أشدّ تهديداً، بحثت المجموعات المصدومة والمهدَّدة، وهو أمرٌ مفهوم، عن ملاذٍ في التضامنات المتّحدية والفضاءات المعزولة. لطالما كانت المشاعر الطائفية والولاءات الداعِمة لها، حتى في مراحل السلم والاستقرار النسبيَّين، مصادر فعلية للدعم الاجتماعي والتعبئة السياسية. لكنها ليست نعيماً مطلقاً، وفق ما يُبيّنه تاريخ لبنان العاصف. ففي حين تساهم في تحصين الأفراد والمجموعات ضد الإقصاء من الحياة العامة، تتسبب في المقابل بتأجيج الضغينة والعداوة بين المتّحدات.

لذلك، يُلوِّح عددٌ متزايد من اللبنانيين اليوم بالطائفية رمزاً ودرعاً، إذا جاز لي الاستعانة باستعارةٍ مجازية مزدوجة. الرمز لأن الهوية الطائفية أضحت الوسيط الأكثر حيوية لتأكيد الوجود وتأمين الاحتياجات والمنافع الأساسية. من دونها، تصبح المجموعات بلا جذور ولا أسماء ولا أصوات، بالمعنى الحرفي للتعبير. لا يلقى الشخص آذاناً صاغية أو يجري الاعتراف به إلا إذا كشف أولاً عن انتماءاته الطائفية. كذلك تُستخدَم الطائفية درعاً لأنها أصبحت بمثابة ترسٍ للحماية من التهديدات الحقيقية أو المتخيَّلة. كلما كان الرمز أكثر هشاشةً، أًصبح الدرع أشدّ سماكة. في المقابل، كلما ازدادت سماكة الدرع، باتت الطوائف الأخرى أكثر هشاشةً ومعاناةً من البارانويا. ولبنان يتخبّط، منذ وقت طويل، في هذه الديالكتية بين الطوائف المهدَّدة والرغبة الملحّة في البحث عن ملاذ في عوالم معزولة. للتعبير عن الفكرة على مستوى الحيّز المكاني، إذا كان التمدين يعني عادةً التنوّع والتعدُّد والاختلاط والانفتاح، فما يحصل في لبنان، أقلّه في أكثرية المناطق، هو تقوقعٌ في غيتوات.

لم يعد ممكناً تجاهُل هذه الوقائع أو إحاطتها بالالتباس والغموض. يجب الإقرار بأنها تندرج في إطار الجهود التي تبذلها مجموعاتٌ مهدَّدة ليس فقط بهدف الحؤول دون تآكل الهويات المتّحدية في المستقبل، إنما أيضاً سعياً وراء مزيد من الدمج في السيول الجارِفة للحياة العامة.

يتمتع ائتلاف الكيانات الطائفية والمكانية بفاعلية كبيرة في لبنان، نظراً إلى أنه يستند إلى قاعدة واسعة من الدعم كما يُعتقَد. ومن الواضح أنه وسيلةٌ للتعبئة السياسية أكثر حيوية من صلات القرابة أو الولاء للزعيم أو الولاءات الفئوية. تطرح هذه الوقائع تحدّيات حرِجة أمام المهندسين المعماريين والمخطّطين. قد يبدو ما سأقوله شاذاً عن المألوف، إنما يجب أن يطمئن اللبنانيون إلى أن التزاماتهم المكانية مفهومة ومشروعة في ظل الظروف السائدة. لكن ذلك ينطبق أيضاً على حاجتهم إلى الخروج منها والانطلاق بعيداً. فالالتصاق المكاني يُعزّز حاجتهم إلى الملاذ والأمان والتضامن.

على غرار المجموعات الأخرى ذات الالتحام المكاني، يصبح عددٌ كبير من اللبنانيين الخائفين من تهديدات النزوح، مسكوناً بهاجس ترسيم الحدود الفاصلة وصون متّحده من المعتدين على حرمته والمتطفّلين عليه. الحاجة إلى الاندهاش والابتهاج والتعرُّض لأحاسيس جديدة، ولوجهات نظر مختلفة عن عالمنا، وإلى الارتقاء بالتعاطف التقديري – وكلّها تتعزّز من خلال التواصل مع الغرباء – حيويةٌ بالدرجة نفسها أيضاً لتحقيق مقوّمات العيش. وخير شاهد على ذلك البهجة العارمة التي تغمر الأطفال في أماكن اللعب المخصصة لهم في المدن، حيث ينفصلون، في أثناء اللعب، عن الروابط الأسرية والمنزلية، أو أيضاً حماسة الزوّار في شارعٍ مديني يعجّ بالحركة.

انظروا إلى طلابنا وكيف تتعزّز قدرتهم على الإنجاز ويصبحون موهوبين ومقدامين جداً في العواصم والجامعات الخارجية، بعد أن يحطّموا روابطهم مع محيطهم العائلي. كان مكاري الضيعة، في زمانٍ ومكان مختلفَين جداً بلا شك، يؤدّي الدور نفسه إلى حد كبير. هو أيضاً انطلق بعيداً، تخطّى الحواجز وكان "وسيطاً ثقافياً" إذا جاز التعبير، لأنه انفتح تحديداً على أحاسيس جديدة وتكوين معارف جديدة. لم يكن المكاري يمقت الغرباء. كان يتجوّل بعيداً إنما يعود دائماً إلى دياره. يجدر بنا إعادة إحياء الروح التي زرعها هؤلاء الوسطاء الثقافيون وتوسيع امتدادها لتكون بمثابة النموذج الأولي لشخصيةٍ وطنية مثالية. يُجسّد المكاري، على الرغم من كل سماته الشعبية الغريبة، بعضاً من الفضائل المُمكِّنة التي يتحلّى بها "المسافر" أو "السيّد المتزعّم".

يستخدم إدوارد سعيد هذه المشهدية الثنائية القطب لبناء نموذجَين بهدف الإضاءة على هذا التفاعل بين الهوية والسلطة والحرية في بيئة أكاديمية. في العالم الأكاديمي المثالي، "يجب أن ننظر إلى المعرفة بأنها أمرٌ يستحق المجازفة بالهوية من أجله، ويجب أن نعتبر الحرية الأكاديمية دعوةً للتخلّي عن الهوية أملاً في أن نفهمَ أكثر من هوية واحدة، وربما نتبنّاها أيضاً. يجب أن ننظر دائماً إلى الأكاديميا بأنها مكانٌ نسافر فيه، لا نمتلك شيئاً منه إنما نكون في ديارنا أينما حللنا فيه"، وفق ما يقول سعيد.

أليست هذه هي السمات نفسها التي يجب أن نسعى إليها في إطار ترميم مدننا أو الأماكن والمؤسسات داخل هذه المدن لجعلها أكثر قابلية للاختراق من جانب هذا النوع من السفر؟ يقول لنا سعيد في كلامٍ متبصّر إن "صورة المسافِر لا تتوقّف على القوّة بل على الحركة، على استعدادٍ للذهاب إلى عوالم مختلفة، واستخدام لغات مختلفة، وفهم مجموعة متنوّعة من مظاهر التنكّر والأقنعة وأساليب التعبير. ينبغي على المسافرين أن يضعوا جانباً الروتين الاعتيادي كي يعيشوا في إيقاعات وطقوس جديدة. على وجه الخصوص، وعلى النقيض من السيّد المتزعّم الذي يجدر به المكوث في مكانٍ واحد والدفاع عن حدوده، يعبر المسافر إلى الناحية الأخرى، يجتاز الأراضي، ويتخلّى عن المواضع الجامدة، طوال الوقت".

مثالياً، يمكن أن يشكّل هذا الكلام فكرةً محفِّزة للعاملين في التنظيم المديني وتخطيط البلدات لتوليد الظروف المؤاتية من أجل تحوُّل "الأسياد" اللبنانيين إلى "مسافرين". بعبارة أخرى، علينا أن نجد طريقةً ما لجعل "الغيتوات" وسائر الأماكن المعزولة أكثر انفتاحاً لتسهيل السفر والاجتياز والعبور إلى الناحية الأخرى.

والمقصود بذلك أنه يجب أن تكون هذه الأماكن مثل جميع الفضاءات العامة المتصوَّرة الأخرى، وأن يُعاد تصميمها بحيث يستطيع الأشخاص الانتقال منها إلى مكان آخر عندما لا تعود هناك حاجة إلى دعم وملاذ متّحديَّين. يجب ألا يغيب عن بالنا جميعاً أن الانعزال بمختلف أشكاله يتحوّل، في المدى الطويل، حرماناً. في المقابل، يمكن أيضاً جعل الفضاءات المدينية المفتوحة أكثر ودّية لتحصين المجموعات في مواجهة عصف الحياة في المدينة.

يجب تغيير الصورة التي تُظهر اللبناني بأنه متجذّر مكانياً، وتتملّكه نزعةٌ قهرية بالالتفاف على محيطه والدفاع عن إقطاعاته – الجيوب المتراصّة للعائلة والحي – في مواجهة المعتدين المحتملين على حرمتها. ويجب أن يطال هذا التغيير أيضاً الاندفاعة الرُّهابية والنوستالجية إلى التراث، والتوق إلى استعادة موروثات متّحدية قد تبدو فريدة من نوعها في الظاهر، وكلاهما أقرب اليوم إلى هواية وطنية على سبيل التسلية.

كان اللبناني يتوق أيضاً إلى الخروج في الهواء الطلق – أو أقله ظلّ يتوق إليه قبل أن تُروِّع الحرب فضاءاته العامة. هنا أيضاً، يمكن أن يؤدّي التصميم المديني دوراً كبيراً في ترميم أجواء الالفة في هذه الفضاءات المفتوحة. فحياة الشارع هي رمزٌ من رموز الاستفزاز والإثارة المدينيَّين، والسبب تحديداً هو أن المرء يطلق العنان لنفسه، إذا جاز التعبير، ويتخلّى عن تحفّظاته التقليدية تجاه "الآخرين".

هذه الاندفاعة للمغامرة خارج الجيوب المألوفة تُحرِّكها دائماً مشاعر متناقضة. هناك مشاعر الحماسة والبهجة التي تولّدها الأماكن الغريبة، ومتعة وإثارة الانجذاب إلى السلوكيات الروتينية الآمنة عند اللقاء مع ما هو جديد ومفاجئ. ويولّد ذلك مشاعر قلقٍ وخوف. غير أن المرء يستمتع أيضاً بالانفتاح على أشخاص نختبر أنهم "مختلفون"، وبإبداء الاهتمام بهم. هاتان الاندفاعتان، أي الحاجة إلى الحميمية والحاجة إلى المسافة، الرغبة الملحة في الابتعاد والرغبة القوية بالدرجة نفسها في الارتباط من جديد بالمراسي الأصلية، ضروريتان لمقوّمات عيش الإنسان.كما أنهما تساهمان إلى حد كبير في حيوية الأماكن المفتوحة والنفيذة. في تكرارٍ لاستعارة مبتذلة إنما مناسبة، نحتاج في فترات مختلفة من حياتنا، إلى "جذور" و"أجنحة" على السواء. تغذّي الجذور حاجتنا إلى الأمن والتضامن والالتزام والتراث. وتُعبّر الأجنحة عن توقنا إلى الحركة والانطلاق بعيداً والتحليق في طيران خيالي من حينٍ لآخر. يتعيّن علينا أن نتنبّه للاندفاعتَين وندرجهما في استراتيجيات إعادة الترتيب المكاني.

ينبغي على العاملين في التنظيم المديني تصميم حدود ضعيفة بدلاً من جدران قوية وسميكة. يقتضي ذلك بناء مساحات تتمتع بمطواعية كافية بما يُتيح حدوث تغييرات وتحوّلات بصورة مستمرة. ما زالت مقولة روبرت فروست، "السياج الجيد يصنع حسن الجوار"، جديرة بالتنويه إلى حد كبير. فالأسيجة ليست حواجز يتعذّر اجتيازها، إنها مجرد أداة لترسيم التخوم، عبر اللجوء في معظم الأحيان إلى النبات والشجيرات وغيرها من الأشياء التي ترسم الحدود إنما يمكن تسلّقها واجتيازها.

في الواقع، الأسيجة هي حدودٌ وليست خطوطاً للتقسيم. والحدود تكون عادةً أكثر مَساميةً ومطواعية؛ ومن هنا إنها أقل عرضةً لاستخدامها بمثابة وسائل تقسيم بين منطقة وأخرى. أما خطوط التقسيم فتستحضر صور العزلة والإقصاء.

¶ هذا النص أرسله الكاتب بالإنكليزية لـ"قضايا النهار" وترجمته نسرين ناضر

أستاذ متقاعد في علوم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت، ومدير مركز الدراسات السلوكية في الجامعة منذ عام 1994


 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
لبنان: "انتفاضة" سنيّة شعارها العودة إلى اتفاق الطائف
اتصالات لتشكيل «مجلس حكماء» لـ«إعادة الاعتبار» إلى اتفاق الطائف
الحريري يحاول فك الارتباط بين جلسة الحكومة وتوتر الجبل
نتنياهو يتوعد «حزب الله» بـ«ضربة ساحقة» إذا هاجم إسرائيل
الحريري يدعو لمعالجة أزمة الجبل «بهدوء» وجنبلاط منفتح على «الحلول المقبولة»
مقالات ذات صلة
العقوبات والضغوط على حكومة لبنان - وليد شقير
"حزب الله" والساحة الدرزية - وليد شقير
أحداث جبل لبنان والمقتولون «في حمى الأمير»! - رضوان السيد
لبنان بين لجوء ونزوح: سورياليّة، شعبويّة وغلو سياسي بدل السياسات العامة!
لبنان المئويّة الأولى: الإخفاقات البنيوية والبديل - مشير باسيل عون
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة