الأحد ١٧ - ١١ - ٢٠١٩
 
التاريخ: تشرين الأول ١٦, ٢٠١٨
المصدر: جريدة الحياة
«الشمول المالي» تمكين للمرأة ودعم لأعمالها الهامشية
القاهرة – أمينة خيري
في البداية تخوّفت نادية أو أم هيثم كما يناديها زميلات وزملاء من مسألة شمولها مالياً. فالدخل الذي يدرّه عليها مشروعها متناهي الصغر حيث تصنع سلات وقبعات من الخوص في إحدى قرى محافظة الفيوم «لا يحتاج «كروت» أو «شيكات» أو «مشاوير بنوك».

تكشف أم هيثم أن العائد الذي تتقاضاه يعرف معظمه طريقه إلى قنوات الإنفاق المنزلي حيث مصاريف البنات والأبناء الخمسة. ويستقر القليل الباقي في مخبأ آمن في البيت لـ «وقت اللزوم». الزوج غائب عن الإنفاق كما هي الحال بين غالبية النساء المعيلات في مصر. والمعاملات المالية، الداخل منها والخارج، تمر عبر قنوات تقليدية لم تدخل يوماً في حساب مصرفي أو دفتر توفير أو حتى تحويل ورقي.

لكن أوراق أم هيثم الرسمية من بطاقة هوية شخصية وغيرها في الطريق لنقلها إلى مرحلة «الشمول المالي»، الذي سيجعلها من فئة «حاملي البطاقات البنكية» وأصحاب الحسابات المصرفية. هذا التوجّه الذي تنتهجه مصر لإدماج الفئات البعيدة عن النظام المصرفي آخذ في التبلور هذه الآونة، وفي مقدّمها المعيلات لأسرهن (نحو 30 في المئة من الأسر المصرية تعيلها امرأة) إضافة للعاملات في مجالات الاقتصاد الهامشي، ويقدّر عددهن بملايين. ملايين من المعيلات والعاملات في الاقتصاد غير الرسمي في مصر يتخوفن من نقل معاملاتهن المالية المتناهية الصغر إلى البنوك. أسباب كثيرة وعوامل عدة يتردد صداها في أرجاء البلاد. «سيطالبوننا بضرائب»، «سيمنعونا من العمل» «سيبلغون الأزواج الغائبين ليستولوا على أموالنا». ولا يسع المستمع سوى سرد فوائد الشمول المالي، والغرض منه مصحوباً بأمثلة واقعية ونماذج حياتية.

الحياة التي ستتغير معالمها حين تتيسر إجراءات الحصول على قرض لتوسيع قاعدة العمل المنزلي، والمكان الآمن الذي سيتيح إمكاة إيداع الجنيهات المتبقية بغرض التوفير مع إضافة فائدة تعود على الأسرة بالنفع، مع اعتبار الحساب المصرفي في حد ذاته ضامناً لصاحبه في إبرام مزيد من صفقات العمل أو في حال توسّع العمل وتتطور إلى مرحلة التصدير.

أم هيثم التي تحمل بطاقة الائتمان الخاصة بها بشيء من التفاخر، تتحدّث عن سماح ونورا اللتين قابلتهما في ندوة تعريفية بمعنى الشمول المالي وفوائده. كلتاهما من الفيوم، ونجحتا في نقل مشروعاتهما الصغيرة جدًا قبل 7 أعوام إلى مشاريع كبيرة جداً تصدّر منتجاتهما اليدوية إلى الخارج. ويعود جزء كبير من تيسير الإجراءات وتسريع التوسّع إلى «الشمول المالي».

البنك المركزي المصري والمجلس القومي للمرأة وجمعيات عاملة في مجال دعم المعيلات والعاملات في الاقتصاد غير الرسمي، وقعت مذكرة تفاهم لتفعيل شمولهن مالياً، مع توفير برامج مصرفية مناسبة لحاجاتهن.

لدى مؤسسة «بلان»، وهي منظمة غير حكومية، قصص نجاح مصرية عدة في شأن الشمول المالي للنساء. تدريب فعلي على كيفية إدارة المال والأزمات والأخطار والادخار والإقراض والتخطيط وإقامة المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر جرى بالفعل في خمس محافظات وبدأت تؤتي ثمارها.

وقد تبلورت الثمار المرجوة من الشمول المالي للنساء في فرص عمل جديدة، وتوسعات في مشاريع قائمة، وأساليب أفضل في إدارة المال واتخاذ القرارات وكيفية توسيع قاعدة الأعمال، فضلاً عن تحقيق قدر أكبر من الأمان المالي.

بلرتا أليكو، ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مصر، كتبت مقالاً قبل أسابيع أكدت فيه أن الشموال المالي هو إحدى أدوات محاربة الفقر. ويمكن «أن يعزز الاستهلاك ونمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتراكم المدخرات، والتخفيف من الأخطار. كما إنه أداة قيمة لتعزيز التمكين الاقتصادي للمرأة من خلال دمجها في أنشطة اقتصادية قابلة للقياس، ووضع الأساس للتنمية الاقتصادية المستدامة على نطاق واسع، حتى يتم تعزيز قدرة الإدارة المالية للمرأة واستقلالها الاقتصادي». وتشير أليكو إلى أن جهوداً كبيرة تُبذل لوصول المرأة إلى المنتجات والخدمات المالية. ووفقاً لقاعدة بيانات المؤشّر العالمي للشمول المالي، فإن نسبة امتلاك الحسابات المصرفية الرسمية بين النساء زادت 3 أضعاف بين عامي 2011 و2017 (من 7 إلى27 في المئة). وعلى رغم ذلك تظل نسبة النساء المشمولات مالياً 39 في المئة فقط.

ويشير «دليل المرأة إلى الشمول المالي»، الذي طرحته الحكومية البريطانية على الإنترنت، إلى أنه يبنغي تخصيص برامج مصرفية موجهة لحاجات النساء وذلك لتعظيم الفائدة. وحيث إن النسبة الأكبر من النساء حول العالم، لا سيما في بلدان العالم النامي يعانين التهميش المصرفي، على رغم إن أعداداً كبيرة منهن ناشطات اقتصادياً، بل ربما يكنَ الداعم المالي الأوحد للأسرة.

يذكر أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أطلق «المجلس القومي للمدفوعات» لخفض استخدام الأوراق النقدية وتحفيز استخدام الوسائل والقنوات الإلكترونية في الدفع. تقول بلرتا أليكو أن «الإرادة السياسية في مصر للتنظيمات المالية قوية وواضحة، لا سيما مع الموافقة على ﻗﺎﻧون نشاط التمويل المتناهي الصغر (رﻗم 141 ﻟﻌﺎم 2014) اﻟذي ﯾﻌزز اﻟﻟواﺋﺢ اﻟﺗﻧظﯾﻣﯾﺔ في ﺷﺄن اﻟﻘروض اﻟﺻﻐﯾرة اﻟﺗﻲ ﯾوﻓرھﺎ اﻟﻣﻣوﻟون ﻏﯾر اﻟﻣﺻرﻓﯾﯾن، ﻣﺎ ﯾﺗﯾﺢ ﻟﮭم اﻟدﺧول في ﻗطﺎع اﻟﺗﻣوﯾل المتناهي الصغر اﻟرﺳﻣﻲ. كما يظهر الالتزام السياسي للمجلس القومي للمدفوعات الداعم لأنظمة الدفع الإلكترونية».

وكانت مصر أختيرت نموذجاً في المبادرة العالمية الجديدة للشمول المالي للبنك الدولي في عام 2017.

وقبل أيام أطلق المجلس القومي للمرأة برنامج «رائدات التنمية والشمول المالي» للتدريب على أساسيات الشمول والاستقلال المالي والتعريف بالخدمات التي تقدّمها الهيئات الحكومية في هذا الشأن. وتنظّم ورش التدريب في فروع المجلس المنتشرة في المحافظات المصرية لرفع معدلات حصول المرأة على الخدمات المالية لا سيما المصرفية، وتوفير هذه الخدمات بجودة وأسعار مناسبة وشروط تشجيعية، مع العمل على استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة لتسويق هذه الخدمات.


 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر يؤكدان مواصلة التعاون لتحقيق «الإخاء الإنساني»
عفو رئاسي مصري عن 333 سجيناً
البرلمان المصري يصوّت اليوم على إعلان حالة الطوارئ 3 أشهر
مصر: قانون «الأحوال الشخصية» ينذر بجدل بين البرلمان والأزهر
النواب المصري: قرار البرلمان الأوروبي عن حقوق الإنسان «غير مقبول»
مقالات ذات صلة
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
مئوية ثورة 1919 المصرية... شعب يطلب الاستقلال - خالد عزب
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة