الأربعاء ٢٤ - ١٠ - ٢٠١٨
 
التاريخ: آب ١٠, ٢٠١٨
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
المحاكم الشرعية وازدراء الفقه للتاريخ - وجيه قانصو
تتكرر حالات الأحكام الصادرة عن المحاكم الشرعية (الدينية) المثيرة للجدل، بخاصة تلك المتعلقة بالطلاق وحق حضانة الأم لأطفالها في حال طلاق الزوجين أو التعامل مع حالات تحرش الأب مع بناته. وهي أمور تتسبب بارتباك المحاكم في معالجتها، حيث تضطر في كثير من الحالات إلى التراجع عن أحكام سابقة، هي أقرب إلى الأصول الدينية (النص)، بسبب ضغط الجمعيات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني أو تدخل قوى سياسية. مثلما حصل لفاطمة التي سجنت بسبب عدم تسليمها ابنها الذي لم يتعد السنتين لوالده، وحرمان أحد الآباء من حضانة ابنتيه بسبب تهمة التحرش بهما، وآلاء حميد التي حصلت على حضانة مشتركة مع الأب (المطلقة منه) لطفليها حتى بلوغهما سن الرشد، وهو حكم يتعارض مع نصوص الحضانة الشرعية التي تحصر حق حضانة الأم للطفل الذكر بسنتين وللطفل الأنثى بسبع سنين. 

جميع هذه المسائل تطرح معضلة الاجتهاد الديني في معالجة قضايا معاصرة، وتثير صلاحية المحاكم الدينية في البت في قضايا الأحوال الشخصية التي تندرج ضمن أصول وقواعد انتظام المجتمع لنفسه، أي اعتبارها قضايا مدنية متحولة ومتغيرة يعود الفصل فيها إلى البناءات العقلية القائمة على المصلحة وخبرة المجتمع التشريعية ومواضعاته في تنظيم العلاقات بين أفراده، أكثر من اعتبارها أموراً تتصل بمحددات غيبية يفصح عنها النص الديني.

حين تضطر المحكمة إلى إلغاء حكم سابق أقرب إلى منطوق النص الديني المتداول، وتتبنى حكماً جديداً مخالفاً للمشهور الفقهي، فإن هذا يعني وجود تعارض بين أصول التشريع الديني الذي استقر عليها الاجتهاد الفقهي من جهة وبين مزاج المجتمع وسير انتظامه المعاصر ومقتضيات المصلحة (العامة والخاصة) التي لا بد من توافرها ومراعاتها في أحكام الأحوال الشخصية من جهة أخرى.

تغليب المصلحة على ظاهر النص الديني تصبح ضرورة حين يخاطب النص الديني تكويناً اجتماعياً خاصاً متصلاً بزمن الوحي النبوي، ويعالج شكل انتظام أسري ذي طبيعة تاريخية لا يقبل التعميم في كل الأمكنة والأزمنة. عندها يكون مدى النص منحصراً بخصوصية شرطه التاريخية والاجتماعية. ما يعني أن تحقيق فعالية معينة للنص الديني في الزمن الراهن لن يجديه الاقتصار على فهم دلالة النص اللغوية أو الكشف عن معناه المستقر والمقصود في زمن صدوره الأول، لأن في ذلك كشف عن الحكم الذي شرع لزمن النبي فقط، في حين أن المطلوب هو تشخيص الحكم الذي يناسب الزمن المعاصر، وإيجاد صلة وثيقة بين النص الديني والوقائع الجديدة، العامة والخاصة، المسماة في أصول الفقه بالموضوعات.

البداية تكون ببذل الاجتهاد الفقهي جهده في التعرف إلى طبيعة موضوعات الحكم ووظائفها الاجتماعية والسياسية ليكون بالإمكان تحديد الموقف الديني الذي يتناسب مع خصوصيتها، بدلاً من مجرد معرفة الظاهر من معنى النص أو تشخيص حكمه الكلي ليتم إنزاله لاحقاً على جميع أفراد الموضوع التي تتشابه في الشكل والعنوان لكنها تتباين في طبيعتها ووظيفتها الاجتماعية. فالموضوعات التي تتشابه في العنوان والاسم وتتباين في خصوص الأفق التاريخي والفضاء الثقافي اللذين تنتمي إليهما، هي موضوعات مختلفة ومتباينة في حقائقها ووظائفها وضابط المصلحة الكامنة فيها رغم وحدة مسمياتها وعناوينها.

أي بدلا من أن يتخذ الاجتهاد مساراً من أعلى إلى أسفل، بأن يقتصر على فهم دلالات النص وتشخيص أحكامه وفق أصول التداول والتخاطب اللغويين، لا بد للاجتهاد من أن يتخذ مساراً تصاعدياً يبدأ بفهم الموضوعات الفعلية لا الافتراضية والجزئية لا الكلية، واستيعاب حقائقها والتحولات الجدية في وظائفها ونظام علاقاتها والفضاء الذي تنتمي إليه ليتم لاحقاً البحث عن المقترح النصي الذي يلائم خصوص الموضوع. فالموضوعات باتت تعرف وتحدد بعلاقاتها بغيرها ولم تعد تُعرف بصفتها كائنات جوهرية قائمة بذاتها خارج الزمان والمكان وفق التفكير الأرسطي.

الذي حصل أن التراث الاجتهادي الذي أُنتج لتأمين انتقال مريح للنص عبر الأزمنة، يمكِّنَه من بسط سيادته على تفاصيل الحياة، وممارسة رقابة مفصلة، باطنية واجتماعية، على سلوك المتديِّن؛ هذا التراث، وبغرض تأكيد ثبات النص الديني وشمول أحكامه لكل الأزمنة، عمد إلى تجميد الزمن، بمعنى إظهار عرضيته وهامشيته في واقع البشر. فالوقائع والأحداث، وفق هذا السلوك، تجليات متعددة لمسلكيات إنسانية صادرة عن طبيعة إنسانية واحدة وثابتة، ذات أحكام واحدة وثابتة. وقد ترجمت مقولة أن "النص لكل زمان ومكان" بمعنى ثبات الواقع الإنساني، الذي تعود ظهوراته المتعددة إلى حقيقة واحدة لا تتغير أو تتعدل.

وبدلاً من الاقتصار على القول بثبات النص، عمد العقل الفقهي في معرض إثبات صلاحية النص لكل الأزمنة إلى تجميد الموضوع وتأكيد ثباته وعدم تغيره، ليكون بالإمكان بسط سلطة الأحكام الدينية الأولية إليه. ثبات الموضوع وحرص الفقه الإسلامي على إلحاق الموضوعات المستجدة بموضوعات الزمن التأسيسي الأول، جعل النشاط الفقهي يتحرك بطريقة معاكسة، إذ بدلاً من استنطاق النص بما يحمله لكل زمن ليكون بإمكانه الاستجابة لرهانات ذلك الزمن والتفاعل مع حقله الدلالي الجديد، وبالتالي الكشف عن أو تأسيس أحكام دينية جديدة. فقد تم إلحاق الأزمنة المستجدة بالزمن التأسيسي الأول، ما تسبب بإفراغ تلك الأزمنة من دلالة التجارب الإنسانية الجديدة وتجاهل التحولات الجوهرية التي أحدثتها؛ ليس على الواقع الإنساني فحسب، وإنما على الطبيعة الإنسانية نفسها التي تَبيَّنَ أنها حقيقة تاريخية، وأن زمانيتها (Temporality) ليست مجرد قياس كرونولوجي (Chronological) لنشاط الإنسان الخارجي، وإنما هي حقيقة تدخل في صميم كينونته الوجودية. ألزمن أساس الكينونة بحسب هايدغر.

هذا الأمر أدى، بحكم التطابقات الوهمية التي اعتمدها الفقه بين الأزمنة اللاحقة والزمن التأسيسي الأول، الذي هو زمن النبي أي زمن صدور النص، إلى إسقاط أحكام دينية على موضوعات لاحقة ومستجدة تشبه موضوعاتها الأولى في المظهر أو العنوان وتختلف عنها في الطبيعة والحقيقة والوظيفة الاجتماعية والسياسية، وتسبب في تعريض القرآن لسوء استعمال تمثل في إسقاط النص الديني على موضوعات لا تلائمه، والوقوع في ارتباك وتناقض شديدين في تطبيق (أو تشخيص) أحكامه على وقائع مستجدة ذات طبيعة وحقيقة مستجدة أيضاً.

ازدراء الفقه للتاريخ، لم يفرغ الأزمنة اللاحقة من مضمونها وحيويتها فحسب، وإنما جمَّد النص نفسه، وعطَّل طاقة تحريكه وتفاعله مع الأزمنة اللاحقة، وتسبب بتأبيد فهمٍ خاص له تمت بلورته في فترة تاريخية سحيقة البعد عن زماننا، وفي إلصاق معانٍ "ثابتة" له لم تعد تعني للإنسان المعاصر شيئاً بل أصبحت مصدراً لإرباكاته وتأزماته، لأنها تلغي فوارق الأزمنة وتُطابِق بين رهانات المعنى الخاصة بكل زمن. فتضع الإنسان المعاصر أمام أزمة: إما اختيار الإيمان ومصادرة كل ما يمليه العصر، وإما الاستجابة لمتطلبات العصر ورمي الإيمان في زاوية الحكايا القديمة.

يبقى السؤال الأهم: إذا كانت خصوصية الموضوع (مثل الحضانة) تتطلب حكماً متحركاً يناسبه، لا العكس وهو إلحاق الموضوع بكليات الأحكام الثابتة التي يعبر عنها النص الديني، وإذا كانت المصلحة التي تتحدد وفق اعتبارات موضوعية خالصة هي أساس الحكم على الموضوعات التي تندرج ضمن الانتظام الاجتماعي العام (مثل حضانة الأطفال والزواج والطلاق والإرث وغيرها)، أي هي حقوق مدنية ملحقة بأصول الانتظام العام للمجتمع، فهل يصح إدراج قانون الأحوال الشخصية في لبنان وغيره ضمن اختصاص المحاكم الدينية (الشرعية) أم تصبح من اختصاص المحاكم المدنية؟

هذا السؤال متصل بالانتظام الاجتماعي المستقر في المجال العربي، حيث للأسف لم يتطور الاجتماع العربي عموماً واللبناني خصوصاً ليصبح تضامناً عابراً للخصوصيات يقوم على التشارك العقلاني والتعاقدي معاً، وينتظم وفق مبادئ عقلية كلية وقواعد أخلاقية ذات مدى تشريعي شامل لا يقبل التخصيص أو الاستثناء، ويكون الأساس الضابط لنظام العلاقات الاجتماعية والأحوال الشخصية.

ما يزال الاجتماع العربي واللبناني تضامن جماعات (Communities) تقوم على عصبية النسب والدين، وترسم حدودا فاصلة بين داخلها وخارجها، وتميل إلى التعالي بهويتها الدينية وأسطرة مضامينها والحرص على الاتباع الحرفي لتعاليمها لتأكيد الولاء والانتماء الخاصين. وهو وضع منع هذا الاجتماع من الانتقال إلى فضاء الانتظام المدني الذي تتقيد إجراءاته بالصلاحية العقلية، وتنحصر معاييره بالكليات الحقوقية، وتتحدد أحكامه على أساس المصلحة التي تتوسل البحث العلمي لا التقدير الشخصي طريقاً لتشخيصها. القضية ليست قضية صلاحية أو عدم صلاحية المحاكم الشرعية في البت في مسائل الأحوال الشخصية، إنما قضية قصور اجتماعي والكيفية التي ننظر فيها إلى أنفسنا والعالم.

باحث 


 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
عون يحض على تذليل العقبات والقوات: نبحث عن بدائل تجنباً لمواجهة مع عون
لبنان:«القوات» تصر على حقيبتَي العدل والشؤون والتجاذب يطرح شكوكاً حول أداء الحكومة المقبلة
جنبلاط: تأليف الحكومة رهن «شيفرة» تأتي تباعاً وكنعان: «العدل» حصة الرئيس ولم يتنازل عنها
فوكس نيوز: شحنة أسلحة من ايران إلى حزب الله حطت في بيروت الثلثاء
لبنان: من انقلب فجأة على الولادة الحكومية؟
مقالات ذات صلة
الدولة الفاشلة ليست قدراً - فادي تويني
«العدوى» من العراق إلى لبنان - وليد شقير
وعي العونيّة الشقيّ - حازم صاغية
نصيب لبنان من معبر نصيب - طوني فرنسيس
في ولادة الفرد والصحافة والرأي العام: من المطبعة الى الانترنت - منى فياض
حقوق النشر ٢٠١٨ . جميع الحقوق محفوظة