الثلثاء ١٧ - ٩ - ٢٠١٩
 
التاريخ: حزيران ٦, ٢٠١٨
المصدر: جريدة الحياة

الملف: انتخابات
الانتخابات العراقية تفتح ملف الصراع مع نظام طهران - خالد غزال
فاجأت الانتخابات العراقية بنتائجها قوى السلطة في طهران. أسفرت الانتخابات عن فوز مجموعات نيابية، لا سيما تنظيم «سائرون» التابع لمقتدى الصدر، وهو الذي خاض معركته برفع شعار الخروج الإيراني من العراق. كما أظهرت الانتخابات أن القوى المنضوية تحت سلطة الحرس الثوري وميليشياته لم تتمكن من تحقيق الغالبية التي تسمح لها بالهيمنة المطلقة على السلطة، مع الإشارة إلى أن نفوذها يبقى أساسياً في لعبة الحكم.

لم تنظر طهران بارتياح إلى هذه النتائج، ما جعل قاسم سليماني قائد فيلق القدس ينتقل سريعا إلى بغداد، وفي ذهنه كيفية إعادة خلط الأوراق بين القوى، بما يضمن مجيء حكومة موالية بالكامل لطهران. من هنا بدأ الحديث عن إعادة الفرز لعدد كبير من الدوائر تحت حجة التزوير أو الأخطاء، لكن الهدف الفعلي هو السعي لتعديل النتائج بما يعيد لطهران الغلبة في المجلس النيابي.

لا شك أن القلق الإيراني له ما يبرره. فالعراق كانت المحطة الأولى في تدخلها في المنطقة العربية، وهو تدخل أتى على حاملة الدبابات الأميركية وبمساعدتها عام 2003، تاريخ الاحتلال الأميركي للعراق. ومن العراق نفسه، بلور نظام طهران نظرية الهوية الدينية مقابل الهوية القومية والوطنية. تعاطى الملالي مع العراق بوصفه مجموعة مذاهب وطوائف متصارعة، تحمل إرثاً طويلاً من العداء الذي بقي مكتوماً، إلى أن أشعلت طهران ناره من الأرض العراقية، فجرى إرجاع العراق خمسة عشر قرناً إلى الوراء. كانت الهوية الدينية البديلة للهوية القومية في العراق أحد عناصر الانفجار الأهلي المسلح الذي دفع العراقيون مئات الآلاف من الضحايا ثمناً له. كانت طهران تعتبر أن انتصارها وديمومته مرهونان بالتعبئة الأيديولوجية الدينية على حساب الوطنية العراقية. فطهران تدرك أن إيران تحمل قومية أساسية هي الفارسية، كانت لسنوات طويلة على نقيض مع القومية العربية التي ينتمي إليها العراق، وأن هزائم تكبدتها القومية الفارسية على يد العرب في التاريخ العربي السابق. لذا تدرك طهران أن تناقضاً موضوعياً بين الشعبين له جذوره في التاريخ والجغرافيا والسياسة. ما يجعل من الدفع بالهوية الدينية الوسيلة الوحيدة لطمس هذا العداء القومي وتحويل الصراع إلى طائفي ومذهبي. بالتأكيد، حققت طهران إنجازات ضخمة في هذا المجال، جعلها تدفع بأيدولوجيتها هذه إلى الأبعد، فانتقلت هذه النظرية إلى سورية واليمن، ناهيك بلبنان.

لا تنبع الهواجس الإيرانية من فراغ. فمنذ سنوات يشهد العراق اعتراضات على الوجود الإيراني وتدخله في إدارة البلاد، وصلت مرات كثيرة إلى تنظيم تظاهرات تدعو إلى خروج إيران، كما رفعت أكثر من مرة شعارات من نوع «إيران برّا»، والعراق عربي، إضافة إلى التنديد بالوجود الفارسي، بما يشي باستعادة التناقض القومي الفارسي العربي. يضاف إلى ذلك ارتفاع الأصوات ضد النهب الذي يمارسه القادة الإيرانيون للثروات العراقية وانغماسهم في ملفات فساد لا حدود لها، وتكوين جماعات تابعة للحرس الثوري تمارس سرقة الثروات. هكذا بدأت طهران تشعر بتشابك الاعتراضات العراقية ضدها، من ملفات اقتصادية واجتماعية، إلى اعتراضات على التدخلات السياسية الفاقعة، إلى استنفار التناقض القومي بين البلدين. يزيد من مخاوف طهران ما تشهده من حملة إقليمية ودولية لتقليص دورها الإقليمي وعودة نفوذها إلى داخل طهران.

ما الذي يمكن توقعه من طهران جواباً عن هذا التحول الذي يهب في وجهها؟ يخطئ من يعتقد أن طهران ستنكفئ عن العراق أو تقلص وجودها السياسي والعسكري فيه. فالعراق مصدر القوة الإقليمية الأساس لطهران، ومصدر استثمار مالي واقتصادي، ومصدر تصدير الأيديولوجية الدينية ذات الطابع المذهبي، ولا ننسى أن قادة طهران اعتبروا بغداد عاصمة الإمبراطورية الفارسية. أمام ما يشبه الحصار، سيكون في يد طهران وسائل متعددة للرد. أولها استحضار القوى السياسية في الداخل الإيراني، من ميليشيات ونواب ووزراء، وتكتيلهم في شكل يضمن لها نفوذها في الحكم. في هذا المجال، فإن شبكة المصالح الإيرانية- العراقية متينة ومتجذرة إلى أبعد الحدود. كما في جعبة إيران إعادة وضع العراق أمام حرب أهلية مذهبية بين المجموعات السنية والشيعية، واستحضار تنظيم «داعش» مجدداً، وهي التي كانت في طليعة إطلاقه في ما سبق. هذا السيناريو سيعيد إغراق العراق في الفوضى الأهلية، بما يجعل من طهران حاجة دولية وأميركية لضبط الوضع ومنع تمدده.

إن معركة طهران في العراق هي معركة إيرانية داخلية، وأي هزيمة لها ستنعكس على الداخل الإيراني الذي يشهد تصدعات اجتماعية وقومية وطائفية. وستصبح المعركة أشرس كلما أحست طهران أن الوضع العراقي ينحو نحو استحضار الشعور القومي العربي في مواجهة المد الفارسي.

* كاتب لبناني
 


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
الملف: انتخابات
النظام الانتخابي في وظائفه ومفاعيله السياسية - فريد الخازن
حول شرعية الانتخابات اللبنانية - منى فياض
الجزائر كنموذج يخشى اختطافه - روزانا بومنصف
ولاية خامسة لبوتفليقة أو الفوضى!- رندة تقي الدين
"هيئة الإشراف" تُعاين في تقريرها "جروح" الانتخابات - رضوان عقيل
البحرين: أول رئيسة منتخبة للبرلمان - سوسن الشاعر
أسوأ المجالس البلدية - علي القاسمي
«انتخابات شو!» - مشرق عباس
«التطابق» لا ينزه الانتخابات - مشرق عباس
العراق: تدارك أزمة الانتخابات - مشرق عباس
حول اعادة صوغ «الكتلة الأكبر» - مشرق عباس
الاستبداد الناعم - عبد الحسين شعبان
الممتنعون عن الاقتراع في الانتخابات النيابية من يمثلهم؟ - جورج ابرهيم طربيه
الانتخابات تنهِك العراق بمزيد من الأزمات - كامران قره داغي
«تقبيطة الكيا»! - مشرق عباس
العلمانيون واليساريون بعد الانتخابات (اللبنانية): صِفْر - طلال خواجة
البرلمان اللبناني الجديد: الأكثريات التي انتخبت رؤساء جمهورية ليسوا منها - أسعد الخوري
البلوكات البرية بعد البحرية - فريد الخازن
انتخابات الكومبارس مقابل سياسة الهامش في لبنان - سامر فرنجيّة
بدائل لا نصيب لها من اسمها - حسام عيتاني
الانتخابات في لبنان والعراق ذات النتائج المعروفة - مرزوق الحلبي
انتخابات لبنان لا طائل منها؟ أنطوان قربان
عن يوم أحد أجريت فيه انتخابات نيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
قانون الانتخاب تشابك الاسوأ بين النسبي والاكثري - فريد الخازن
ولي الفقيه العراقي - حازم الأمين
الانتخابات: عندما يصبح دراكولا بابا نويل - جهاد الزين
الانتخابات اللبنانية «النووية» - وليد شقير
خلفياتُ زّج النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في بازار الإنتخابات اللبنانية - مي الصايغ
المشهد غداة الانتخابات اللبنانية - حسام عيتاني
مدينتا بيروت: دُمّلةُ ما بعد الانتخابات - جهاد الزين
انتخابات العراق ولبنان ومآلات الصراع في الشرق الأوسط - بوتان تحسين
«الشعب» أسوأ من مرشحيه - حازم الأمين
أنا المغترب، من أنتخب؟
علي الأمين واللائحة وإعلامنا - حازم صاغية
انتخابات فولكلورية لقانون النسبية سليم نصار
كساد فكرة التغيير في لبنان - حسام عيتاني
حول قانون العدد وما يُرجّحه في انتخابات 2018 - أحمد بعلبكي
اللجنة الأوروبية إذا شاءت، لا الدولة، هي مرجعية الانتخابات - جهاد الزين
نحتاج 161704 أشخاص لمراقبة اقتراع 82000 مغترب! - طنوس فرنسيس
الانتخابات العراقية: جيوش إلكترونية ومزاد لشراء أصوات الناخبين
إلى لجنة الرقابة الأوروبية على الانتخابات اللبنانية:كيف ستواجهين عمليات التزوير؟ - جهاد الزين
دفاعاً عن «الخرزة الزرقاء» - حازم الامين
لبنان 2018: ما الجدوى من الانتخابات العامة؟ - جوزيف مايلا
مقاطعة الانتخابات: الداخل والخارج - حازم صاغية
ماذا بعد الانتخابات المصرية؟ - مأمون فندي
انتخابات بلا معنى ولا فاعليّة - حازم صاغية
انتخابات لبنانية في رداء حرب أهلية - خالد غزال
الاستابلشمنت اللبناني المشوَّه والمشوِّه - أنطوان قربان
صاعقة الانتخابات - محمد صلاح
العراق: انتخابات أم مزاد علني للبيع والشراء؟ - حميد الكفائي
الانتخابات النيابية ترفع وتيرة التصعيد بين أهل الحكم - خالد غزال
الانتخابات اللبنانية:الزبائنية لحشد التأييد سامي عطاالله - زينة الحلو
مسودة قراءة في الانتخابات اللبنانية - منى الخوري
الانتخابات وقانونها: "الولايات اللبنانية المتحدة" - فريد الخازن
أداة تأديبية تدعى الانتخابات النيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
مراجعة متأخّرة لمقاطعة 92 المسيحيّة - حازم صاغية
هل سيكون للرأي العام من تأثير في الانتخابات المقبلة؟ - منى فياض
ورثة الطوائف في الانتخابات اللبنانية - حازم الامين
دعوة إلى مقاطعة الانتخابات غير «المدنية» في لبنان - حازم الامين
حرب أم انتخابات في لبنان؟ - حازم صاغية
انتخابات الرئاسة المصرية: تعظيم المشاركة عبر الفتاوى الدينيّة - كرم سعيد
الأحلام الانتخابيّة للمجتمع المدني في لبنان - حسام عيتاني
الاستحقاق العراقي: انتخابات إشكالية ومشكلات بنيوية على وقع انقسامات جديدة - عبدالباسط سيدا
المشاركة في انتخابات الرئاسة على قمة تحديات السلطة المصرية
البلديات تعيد رسم المشهد المغربي - محمد الأشهب
«العدالة والتنمية» يستعد للانتخابات التشريعية - محمد الأشهب
استمالة الناخبين - محمد الأشهب
الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
محطة الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
أخبار ذات صلة
«ضغوط العقود» تدفع وزير الصحة العراقي للاستقالة
جدل في العراق حول دلالات ظهور الصدر مع خامنئي وسليماني
«12 غارة» استهدفت مواقع لـ«الحشد»
قناة «الحرة» تغضب الوقفين السني والشيعي والبرلمان العراقي
«المغيبون» يشعلون صراع زعامات في المحافظات السنية بالعراق
مقالات ذات صلة
هل تتدخل إسرائيل ضد إيران في العراق؟ - شارلز ليستر
ما الذي يستطيعه عادل عبد المهدي؟ - حازم صاغية
بغداد - أربيل : العَودُ أحمدُ - شيرزاد اليزيدي
هل تضمد زيارة البابا جراح مسيحيي العراق؟ - جورج منصور
أربعة عقود على رحيل محمد شرارة: شاهَد الديكتاتورية ولم يشهد تفتت العراق - بلقيس شرارة
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة