الثلثاء ١٧ - ٩ - ٢٠١٩
 
التاريخ: أيار ٤, ٢٠١٨
المصدر: جريدة الحياة

الملف: انتخابات
الانتخابات اللبنانية «النووية» - وليد شقير
تحل الانتخابات النيابية اللبنانية بعد غد الأحد وسط تعبئة سياسية وإعلامية استخدمت فيها كل الأسلحة التي تتيحها استعمالات اللغة العربية والأفكار الشيطانية في تبادل الاتهامات والتشهير بين المتنافسين والخصوم، فضلاً عن وسائل الضغط النفسي والمعنوي على جمهور الناخبين، والتدخلات ممن هم في مواقع مؤثرة في السلطة، فضلاً عن المال الانتخابي. هناك مرشحون دخلوا اللوائح فقط لقدرتهم على تمويلها ورشوة الناس في المناطق الفقيرة وحيث تعتبر شريحة أنها فرصة للارتزاق.

لم يبق فريق إلا واستعطف الجمهور بعبارات من نوع «محاولات عزلنا» و «السعي لإلغائنا» و «العمل على محاصرتنا» و «مصادرة قرارنا» و «إفشال شطبنا» و «تحرير مقاعدنا المسروقة» و «الرد على استفرادنا» و «حماية العهد القوي» و «نرفض الذوبان في القوى الأخرى»... حتى يخال المرء أن هناك قوة خفية تعمل على إخفاء الجميع من الوجود، فالجميع اتهم الجميع بالسعي إلى اقتلاعه، وفي الوقت ذاته مارس معظم الأطراف التكاذب اللبناني حول «العيش المشترك» و «الانفتاح» بين الطوائف والمكونات تحت عنوان أن هذا البلد لا يمكن فريقاً أن يحكمه لوحده. ذهب الفرقاء بعيداً في استنهاض ناسهم وطوائفهم، بشعارات متناقضة، على رغم صحة الانطباع بأن قوى نافذة حالية تسعى إلى شطب قوى أخرى من المعادلة متسلحة بأدوات السلطة. وهذا زاد عطف الناس عليها تلقائياً. يتساوى الاستعطاف هذا مع تبني القوى كافة شعار محاربة الفساد، وكأن هذه الآفة تأتي من خارج الطبقة الحاكمة، بل أن الأكثر فساداً فيها هم الذين يعيرون الآخرين فيها.

أسباب المغالاة في استعطاف الناس هي خوف الكثير من القوى السياسية، بمن فيها التي كانت من أكثر المتحمسين للقانون الجديد القائم للمرة الأولى على النسبية، وعلى الصوت التفضيلي الواحد في اللائحة، من أن يخذلها ناخبوها التقليديون القرفون من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها لبنان منذ 9 سنوات جدَّد خلالها النواب لأنفسهم مرتين، والذي جعل الطبقتين الوسطى والفقيرة تغرقان أكثر في العوز جراء تعطيل الحياة السياسية والمؤسسات، فمفاعيل هذا القانون مجهولة قياساً إلى النظام الأكثري.

لكن الانتخابات اللبنانية التي تسبق الانتخابات التشريعية في العراق بأسبوع، بالتزامن مع الأحداث المنتظرة خلال شهر أيار (مايو) الجاري، كانت أيضاً مادة لربط الاستحقاق اللبناني بالوضع الإقليمي في شكل لا يخلو من المغالاة، فبعض التحليلات اعتبرها محطة توجب على القوى الدولية والإقليمية أخذها في الحساب من أجل الحؤول دون الحرب التي يلوّح بها الإسرائيليون والإيرانيون هذه الأيام، أو من أجل تأخيرها، على خلفية الصراع على سورية وعلى إبقاء أو إلغاء أو تعديل الاتفاق النووي مع طهران.

قد يكون محللون غربيون محقين في الإضاءة على ما يوليه المجتمع الدولي من أهمية للاستحقاق النيابي اللبناني، من زاوية الحرص على تجديد السلطة وتداولها، لضمان استقرار المؤسسات كي تتمكن من التعامل مع أزمة النازحين السوريين التي باتت أزمة عالمية، ومن زاوية التأكد من أن إيران لن تحكم سيطرتها على القرار السياسي الداخلي عبر «حزب الله» وحلفائه، في سياق الجهود الدولية والعربية من أجل الحد من تمدد نفوذها الإقليمي، وهو ما لم يغب عن لغة فريقين رئيسين في التنافس الانتخابي اللبناني، مثل قول الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله إن «حماية سلاح المقاومة توفرها حماية سياسية، والحماية توفرها أصواتكم»، وتبرعه، خلال مهرجان انتخابي، بالإعلان نيابة عن طهران بأنها سترد على قصف مخازنها وطائراتها المسيرة في مطار «تي فور» في سورية. كذلك توصيف زعيم «تيار المستقبل» رئيس الحكومة سعد الحريري ربط الاستحقاق في إطار جولاته بالمنطقة بقوله: «الأربع سنوات المقبلة هي سنوات تاريخية للمنطقة وللبنان ولبيروت».

إلا أن ربط الانتخابات بحديث الحرب مغالاة أخرى، إضافة إلى تلك الحملات الهادفة إلى استعطاف الجمهور وشد عصبه الطائفي والمناطقي، فالحرب التي يكتب عنها وتتناقض التوقعات في شأنها تتعدى أهمية الرقعة اللبنانية الصغيرة، طالما أنها بالواسطة بين الدولتين الكبريين أميركا وروسيا. وطالما أنها تأخذ منحى استثنائياً في المبارزة بين الأسلحة «الذكية» على الجسد السوري الممزق، ومصانع الآلات التدميرية (على شاكلة القصف «المجهول» للقواعد الإيرانية في ريفَي حلب وحماة الأحد الماضي، الذي خلف قتلى للحرس الثوري أكثر بكثير مما أعلن)، وطالما أنها تشمل الحرب الإلكترونية الجهنمية.

اختلط «النووي» بالتضخيم المحلي في أحيان كثيرة في الحملات الانتخابية. فهل يعقل أن يوحي نصرالله بأن معركة بعلبك- الهرمل قد تحدد مصير المنطقة مثلاً؟

هذا لا يمنع القول إن ما بعد الانتخابات سيتأثر حكما بأدبياتها على صعيد التحالفات.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
الملف: انتخابات
النظام الانتخابي في وظائفه ومفاعيله السياسية - فريد الخازن
حول شرعية الانتخابات اللبنانية - منى فياض
الجزائر كنموذج يخشى اختطافه - روزانا بومنصف
ولاية خامسة لبوتفليقة أو الفوضى!- رندة تقي الدين
"هيئة الإشراف" تُعاين في تقريرها "جروح" الانتخابات - رضوان عقيل
البحرين: أول رئيسة منتخبة للبرلمان - سوسن الشاعر
أسوأ المجالس البلدية - علي القاسمي
«انتخابات شو!» - مشرق عباس
«التطابق» لا ينزه الانتخابات - مشرق عباس
العراق: تدارك أزمة الانتخابات - مشرق عباس
حول اعادة صوغ «الكتلة الأكبر» - مشرق عباس
الاستبداد الناعم - عبد الحسين شعبان
الممتنعون عن الاقتراع في الانتخابات النيابية من يمثلهم؟ - جورج ابرهيم طربيه
الانتخابات تنهِك العراق بمزيد من الأزمات - كامران قره داغي
«تقبيطة الكيا»! - مشرق عباس
العلمانيون واليساريون بعد الانتخابات (اللبنانية): صِفْر - طلال خواجة
البرلمان اللبناني الجديد: الأكثريات التي انتخبت رؤساء جمهورية ليسوا منها - أسعد الخوري
البلوكات البرية بعد البحرية - فريد الخازن
الانتخابات العراقية تفتح ملف الصراع مع نظام طهران - خالد غزال
انتخابات الكومبارس مقابل سياسة الهامش في لبنان - سامر فرنجيّة
بدائل لا نصيب لها من اسمها - حسام عيتاني
قانون الانتخاب تشابك الاسوأ بين النسبي والاكثري - فريد الخازن
عن يوم أحد أجريت فيه انتخابات نيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
انتخابات لبنان لا طائل منها؟ أنطوان قربان
الانتخابات في لبنان والعراق ذات النتائج المعروفة - مرزوق الحلبي
ولي الفقيه العراقي - حازم الأمين
الانتخابات: عندما يصبح دراكولا بابا نويل - جهاد الزين
خلفياتُ زّج النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في بازار الإنتخابات اللبنانية - مي الصايغ
المشهد غداة الانتخابات اللبنانية - حسام عيتاني
مدينتا بيروت: دُمّلةُ ما بعد الانتخابات - جهاد الزين
انتخابات العراق ولبنان ومآلات الصراع في الشرق الأوسط - بوتان تحسين
«الشعب» أسوأ من مرشحيه - حازم الأمين
أنا المغترب، من أنتخب؟
علي الأمين واللائحة وإعلامنا - حازم صاغية
انتخابات فولكلورية لقانون النسبية سليم نصار
كساد فكرة التغيير في لبنان - حسام عيتاني
حول قانون العدد وما يُرجّحه في انتخابات 2018 - أحمد بعلبكي
اللجنة الأوروبية إذا شاءت، لا الدولة، هي مرجعية الانتخابات - جهاد الزين
نحتاج 161704 أشخاص لمراقبة اقتراع 82000 مغترب! - طنوس فرنسيس
الانتخابات العراقية: جيوش إلكترونية ومزاد لشراء أصوات الناخبين
إلى لجنة الرقابة الأوروبية على الانتخابات اللبنانية:كيف ستواجهين عمليات التزوير؟ - جهاد الزين
دفاعاً عن «الخرزة الزرقاء» - حازم الامين
لبنان 2018: ما الجدوى من الانتخابات العامة؟ - جوزيف مايلا
مقاطعة الانتخابات: الداخل والخارج - حازم صاغية
ماذا بعد الانتخابات المصرية؟ - مأمون فندي
انتخابات بلا معنى ولا فاعليّة - حازم صاغية
انتخابات لبنانية في رداء حرب أهلية - خالد غزال
الاستابلشمنت اللبناني المشوَّه والمشوِّه - أنطوان قربان
صاعقة الانتخابات - محمد صلاح
العراق: انتخابات أم مزاد علني للبيع والشراء؟ - حميد الكفائي
الانتخابات النيابية ترفع وتيرة التصعيد بين أهل الحكم - خالد غزال
الانتخابات اللبنانية:الزبائنية لحشد التأييد سامي عطاالله - زينة الحلو
مسودة قراءة في الانتخابات اللبنانية - منى الخوري
الانتخابات وقانونها: "الولايات اللبنانية المتحدة" - فريد الخازن
أداة تأديبية تدعى الانتخابات النيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
مراجعة متأخّرة لمقاطعة 92 المسيحيّة - حازم صاغية
هل سيكون للرأي العام من تأثير في الانتخابات المقبلة؟ - منى فياض
ورثة الطوائف في الانتخابات اللبنانية - حازم الامين
دعوة إلى مقاطعة الانتخابات غير «المدنية» في لبنان - حازم الامين
حرب أم انتخابات في لبنان؟ - حازم صاغية
انتخابات الرئاسة المصرية: تعظيم المشاركة عبر الفتاوى الدينيّة - كرم سعيد
الأحلام الانتخابيّة للمجتمع المدني في لبنان - حسام عيتاني
الاستحقاق العراقي: انتخابات إشكالية ومشكلات بنيوية على وقع انقسامات جديدة - عبدالباسط سيدا
المشاركة في انتخابات الرئاسة على قمة تحديات السلطة المصرية
البلديات تعيد رسم المشهد المغربي - محمد الأشهب
«العدالة والتنمية» يستعد للانتخابات التشريعية - محمد الأشهب
استمالة الناخبين - محمد الأشهب
الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
محطة الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
أخبار ذات صلة
لبنان: انقسام طائفي متوقع في ملف الوظائف
الحكومة اللبنانية تتجه إلى خصخصة مرافق الدولة
نصر الله: خامنئي إمامنا وقائدنا وسيدنا ولن نكون على الحياد في أي حرب على إيران
تصعيد «محدود» جنوب لبنان إثر استهداف «حزب الله» آلية إسرائيلية
هل خدع الجيش الاسرائيلي "حزب الله"؟
مقالات ذات صلة
عثمانيون وفينيقيون: تأسيس الأوطان وتفكيكها - حازم صاغية
لبنان: فينيقي... عثماني أم عربي؟ - حسام عيتاني
الحذر الإسرائيلي من شبح التسوية - سام منسى
لبنان: وطنيّات كثيرة ونشيد واحد - حازم صاغية
أين تقف حدود الخنق الأميركي لـ"حزب الله"؟ - سابين عويس
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة