الأحد ٢٢ - ٩ - ٢٠١٩
 
التاريخ: آذار ٢٢, ٢٠١٨
المصدر: جريدة النهار اللبنانية

الملف: انتخابات
الاستابلشمنت اللبناني المشوَّه والمشوِّه - أنطوان قربان
يريد الإستابلشمنت أن يدفعنا إلى الاعتقاد أن كل معارضة للاقتراع النسبي، الذي يفرضه القانون الانتخابي الجديد، هي مؤشر عن رفض الحداثة. فليطمئن الإستابلشمنت. انتقاد هذا القانون واجبٌ يُمليه حسّ المواطنة وكذلك الأخلاق. إنه قانون منحَط. فهو يمنع القوى المتنافسة، ما عدا الثنائي "أمل-حزب الله"، من عرض برنامج على الناخبين، في غياب الرؤية، بما يتيح لهم الاختيار بين لائحة أو أخرى في الدوائر حيث يقترعون. 

يعود نظام القائمة النسبية ذو الحاصل الأكبر أو الكسر الأكبر، إلى القرن التاسع عشر. وقد كانت بلجيكا أول بلد يعتمده. وهي تحرص، منذ البداية، على تجنّب اللوائح المغلقة عبر السماح للناخب بالإدلاء بصوت تفضيلي للعديد من المرشحين، وليس لمرشح واحد. أما القانون اللبناني فيُرغِم الناخب على اختيار قائمة ائتلافية تمثّل دائرة "مفبرَكة" ظرفياً.

وعلى الناخب نفسه، أن يُدلي، في إطار اللائحة نفسها، بصوتٍ تفضيلي لمرشّح واحد يتنافس على أحد المقاعد "الطائفية"، ليس وفقاً للدائرة الانتخابية "المفبرَكة"، إنما وفقاً للوحدة الإدارية الأصغر، أي القضاء.

كل مَن وُهِب عقلاً يدرك أن الانتماء إلى لائحة في الدائرة الانتخابية يندرج، في هذه الحالة، في إطار الانتهازية الخالصة. فالغاية القصوى لكل مرشح هي أن يتمكّن من الفوز بهذا المقعد الطائفي أو ذاك في القضاء.

من الواضح أن الصوت التفضيلي الوحيد، في قلب اللائحة، يولّد تلقائياً روحاً من المنافسة بين أعضاء الائتلاف نفسه، ويحول تالياً دون أن يكون هناك تضامن وتماسك بين مكوّنات اللائحة. بعبارة أخرى، تضعنا هذه الخدعة من جديد أمام المشروع القديم لما يُسمّى بـ"اللقاء الأرثوذكسي"، الذي كان انحطاطه موضع شجبٍ شديد وعالي النبرة في ذلك الوقت، وكأننا أمام الطبق نفسه بعد إعادة تسخينه. لقد انتُقِد مشروع القانون المذكور لما يترتّب عنه من عواقب وخيمة على وحدة الشعب والمساواة بين المواطنين. فمشروع "اللقاء الأرثوذكسي" يُشظّي الشعب اللبناني إلى مجموعات طائفية صغيرة، ويؤدّي إلى انغلاق كل واحدة منها، ليس في المساحة العامة المشتركة، إنما في غيتو انعزالي. وهذا الانحطاط يُنقَل اليوم، بطريقة غادرة ومنحرفة، من المستوى الوطني إلى مستوى الدائرة الانتخابية. يُجهِز الصوت التفضيلي، المحصور بالقضاء، على تماسك اللوائح الائتلافية، ويحول دون تمكّنها من وضع برنامج سياسي بحدّه الأدنى. فالمرشحون على لائحة واحدة محكومون بخوض منافسة شرسة في ما بينهم.

ابتكر فيكتور كونسيدران الاقتراع النسبي عام 1846 من أجل إتاحة المجال أمام إنشاء أحزاب سياسية على المستوى الوطني، والحد، قدر الإمكان، من وزن القوى التقليدية أو الإقطاعية في الحياة السياسية. القانون اللبناني الراهن بعيدٌ عن تحقيق هذا الهدف. لا بل يساهم في تكريس هذه التقاليد، حتى لو كان يُتيح انضمام بعض الوجوه الجديدة إلى الندوة البرلمانية. لقد أدرك الإستابلشمنت جيداً الفرصة المتاحة له من أجل إعادة إنتاج نفسه. يكفي أن نلقي نظرة على بورتريهات "الورَثة" الذين تقتصر مؤهّلاتهم الوحيدة على أنهم خرجوا من أحشاء الوالدة ويحملون شهرة الوالد.

هل حُسِمت اللعبة مسبقاً؟ يؤكّد المراقبون أن أسماء 75 نائباً من أصل 128 معروفة عملياً. يمكن توصيف المشهد السياسي الذي سيبصر النور في أعقاب انتخابات 6 أيار، بأنه النجاح الناجز للانقلاب الدائم الذي يقوده "حزب الله" منذ عام 2005. فما لم يتمكّن الحزب من تحقيقه من طريق الاغتيالات، ونشر الرعب، وشلّ مدينة بيروت والمؤسسات، والحرب ضد إسرائيل عام 2006، قد ينجح في تحقيقه، بطريقة قانونية، عام 2018، من خلال قانون انتخابي منحَط من شأنه أن يُسلّمه، في حال لم تقع أي مفاجأة، مقاليد الدولة اللبنانية بطريقة شرعية.

لا فائدة من التوقف عند التقسيم الفضائحي للدوائر الانتخابية. لقد قُسِمت العاصمة، كما في مرحلة الحرب الأهلية، بين شرقيةٍ وغربية. ماذا عسانا نقول عن غرائب تقسيمات أخرى تساهم أكثر فأكثر في إمعان الثنائي "أمل - حزب الله" في اختطاف الطائفة الشيعية. وماذا عسانا نقول أيضاً عن الإمكانية المتاحة أمام مرشّحي "حزب الله" للإنفاق انطلاقاً من حساب تديره الدولة، وليس من خلال حساب مصرفي خاص، وفق ما ينص عليه القانون.

يتساءل المواطن لمَن يمنح صوته، في غياب برامج انتخابية حقيقية. فما نراه هو مجرد شعارات كل واحدٍ منها أشدّ تفاهة من الآخر. يتحالف هذا الفريق مع ذاك في دائرة معيّنة، إنما يخوضان منافسة ضارية في دائرة أخرى. يشعر المرء بالغثيان أمام هذا المشهد.

ماذا ينبغي على المواطن أن يفعل في يوم الانتخابات؟ كيف له أن يعبّر عن خياره، ووفقاً لأي معايير؟ إما يمتنع عن وضع علامة في أي واحدة من الخانات، فتُحتسَب ورقة بيضاء. وإما يتجنّب الفخ ويُدلي بصوت تفضيلي لصالح المرشّح الذي تتعارض مواقفه بوضوح مع التسوية السياسية الوقحة الراهنة التي تقبل بسيطرة "حزب الله" على الدولة اللبنانية. أياً يكن من أمر، فإن المعركة السياسية الحقيقية، غير الموجودة اليوم، ستبدأ اعتباراً من 7 أيار المقبل.

أستاذ في الجامعة اليسوعية.

ترجمة نسرين ناضر عن الفرنسية


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
الملف: انتخابات
النظام الانتخابي في وظائفه ومفاعيله السياسية - فريد الخازن
حول شرعية الانتخابات اللبنانية - منى فياض
الجزائر كنموذج يخشى اختطافه - روزانا بومنصف
ولاية خامسة لبوتفليقة أو الفوضى!- رندة تقي الدين
"هيئة الإشراف" تُعاين في تقريرها "جروح" الانتخابات - رضوان عقيل
البحرين: أول رئيسة منتخبة للبرلمان - سوسن الشاعر
أسوأ المجالس البلدية - علي القاسمي
«انتخابات شو!» - مشرق عباس
«التطابق» لا ينزه الانتخابات - مشرق عباس
العراق: تدارك أزمة الانتخابات - مشرق عباس
حول اعادة صوغ «الكتلة الأكبر» - مشرق عباس
الاستبداد الناعم - عبد الحسين شعبان
الممتنعون عن الاقتراع في الانتخابات النيابية من يمثلهم؟ - جورج ابرهيم طربيه
الانتخابات تنهِك العراق بمزيد من الأزمات - كامران قره داغي
«تقبيطة الكيا»! - مشرق عباس
العلمانيون واليساريون بعد الانتخابات (اللبنانية): صِفْر - طلال خواجة
البرلمان اللبناني الجديد: الأكثريات التي انتخبت رؤساء جمهورية ليسوا منها - أسعد الخوري
البلوكات البرية بعد البحرية - فريد الخازن
الانتخابات العراقية تفتح ملف الصراع مع نظام طهران - خالد غزال
انتخابات الكومبارس مقابل سياسة الهامش في لبنان - سامر فرنجيّة
بدائل لا نصيب لها من اسمها - حسام عيتاني
قانون الانتخاب تشابك الاسوأ بين النسبي والاكثري - فريد الخازن
عن يوم أحد أجريت فيه انتخابات نيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
انتخابات لبنان لا طائل منها؟ أنطوان قربان
الانتخابات في لبنان والعراق ذات النتائج المعروفة - مرزوق الحلبي
ولي الفقيه العراقي - حازم الأمين
الانتخابات: عندما يصبح دراكولا بابا نويل - جهاد الزين
الانتخابات اللبنانية «النووية» - وليد شقير
خلفياتُ زّج النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في بازار الإنتخابات اللبنانية - مي الصايغ
المشهد غداة الانتخابات اللبنانية - حسام عيتاني
مدينتا بيروت: دُمّلةُ ما بعد الانتخابات - جهاد الزين
انتخابات العراق ولبنان ومآلات الصراع في الشرق الأوسط - بوتان تحسين
«الشعب» أسوأ من مرشحيه - حازم الأمين
أنا المغترب، من أنتخب؟
علي الأمين واللائحة وإعلامنا - حازم صاغية
انتخابات فولكلورية لقانون النسبية سليم نصار
كساد فكرة التغيير في لبنان - حسام عيتاني
حول قانون العدد وما يُرجّحه في انتخابات 2018 - أحمد بعلبكي
اللجنة الأوروبية إذا شاءت، لا الدولة، هي مرجعية الانتخابات - جهاد الزين
نحتاج 161704 أشخاص لمراقبة اقتراع 82000 مغترب! - طنوس فرنسيس
الانتخابات العراقية: جيوش إلكترونية ومزاد لشراء أصوات الناخبين
إلى لجنة الرقابة الأوروبية على الانتخابات اللبنانية:كيف ستواجهين عمليات التزوير؟ - جهاد الزين
دفاعاً عن «الخرزة الزرقاء» - حازم الامين
لبنان 2018: ما الجدوى من الانتخابات العامة؟ - جوزيف مايلا
مقاطعة الانتخابات: الداخل والخارج - حازم صاغية
ماذا بعد الانتخابات المصرية؟ - مأمون فندي
انتخابات بلا معنى ولا فاعليّة - حازم صاغية
انتخابات لبنانية في رداء حرب أهلية - خالد غزال
صاعقة الانتخابات - محمد صلاح
العراق: انتخابات أم مزاد علني للبيع والشراء؟ - حميد الكفائي
الانتخابات النيابية ترفع وتيرة التصعيد بين أهل الحكم - خالد غزال
الانتخابات اللبنانية:الزبائنية لحشد التأييد سامي عطاالله - زينة الحلو
مسودة قراءة في الانتخابات اللبنانية - منى الخوري
الانتخابات وقانونها: "الولايات اللبنانية المتحدة" - فريد الخازن
أداة تأديبية تدعى الانتخابات النيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
مراجعة متأخّرة لمقاطعة 92 المسيحيّة - حازم صاغية
هل سيكون للرأي العام من تأثير في الانتخابات المقبلة؟ - منى فياض
ورثة الطوائف في الانتخابات اللبنانية - حازم الامين
دعوة إلى مقاطعة الانتخابات غير «المدنية» في لبنان - حازم الامين
حرب أم انتخابات في لبنان؟ - حازم صاغية
انتخابات الرئاسة المصرية: تعظيم المشاركة عبر الفتاوى الدينيّة - كرم سعيد
الأحلام الانتخابيّة للمجتمع المدني في لبنان - حسام عيتاني
الاستحقاق العراقي: انتخابات إشكالية ومشكلات بنيوية على وقع انقسامات جديدة - عبدالباسط سيدا
المشاركة في انتخابات الرئاسة على قمة تحديات السلطة المصرية
البلديات تعيد رسم المشهد المغربي - محمد الأشهب
«العدالة والتنمية» يستعد للانتخابات التشريعية - محمد الأشهب
استمالة الناخبين - محمد الأشهب
الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
محطة الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
أخبار ذات صلة
واشنطن ترفض منح تأشيرة دخول لوزير الصحة اللبناني
الحريري يعلق العمل في تلفزيون المستقبل لأسباب مادية
دعم مالي سعودي للبنان يواكب انطلاق "سيدر"
المحكمة الدولية تتهم قيادياً في «حزب الله» باغتيال حاوي ومحاولة قتل حمادة والمر
تضامُن مع صحيفة لبنانية لوحقت لانتقادها نفوذ إيران
مقالات ذات صلة
هل على لبنان أن يخوض حرباً من أجل فك الحصار عن إيران؟ - حارث سليمان
عثمانيون وفينيقيون: تأسيس الأوطان وتفكيكها - حازم صاغية
لبنان: فينيقي... عثماني أم عربي؟ - حسام عيتاني
الحذر الإسرائيلي من شبح التسوية - سام منسى
لبنان: وطنيّات كثيرة ونشيد واحد - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة