الأربعاء ١٣ - ١١ - ٢٠١٩
 
التاريخ: آذار ٨, ٢٠١٨
المصدر: جريدة الحياة

الملف: انتخابات
مسودة قراءة في الانتخابات اللبنانية - منى الخوري
قرأت الخبر وأبقاني مستيقظة في سريري. الخبر هو ترشح جميل السيد إلى الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان. وهذا الخبر مقلق للكثيرين من جيلي الذين اعتصموا في بيروت عام ٢٠٠٥. لن يكون على الأرجح جميل السيد النائب مختلفاً عن جميل السيد المدير العام للأمن العام في عهد إميل لحود، حين كان النظام السوري يتدخل في لبنان ويتلاعب بالانتخابات ويعين وزراء ويُسكت صحافيين وناشطين. فلم يلبث أن أعلن ترشحه حتى باشر السيد مطاردة الصحافية جسيكا عازار بسبب تغريدة على «تويتر»، وأقام دعوى قدح وذم عليها. ودخل ابنه على الخط مستخدماً عبارات نابية ومهينة ضد المرأة على «تويتر»، أيضاً رداً على جسيكا. تبقيني هذه الأخبار مستيقظة في سريري خائفة مما قد تنتجه الانتخابات القادمة.

أنا من جيل شبان وشابات تظاهروا في ساحات بيروت في شباط (فبراير) وآذار (مارس) ٢٠٠٥ مطالبين بسيادة لبنان وخروج الجيش السوري من أراضيه. وبعد ٢٠٠٥، كنت من بين العديدين الذين لم يجدوا أنفسهم في الأحزاب التقليدية اللبنانية، التي عادت إلى ممارساتها السابقة بعد مرحلة التظاهر. فوجد بعض منا في جمعيات المجتمع المدني إطاراً لنشاط سياسي تطوعي مبني على منطق الحقوق والواجبات والتنمية والعادلة الاجتماعية. ثم جاءت انتخابات الـ ٢٠٠٩ لتشهد أعلى نسب الرشوة، هذا قبل أن يتم تأجيل الانتخابات لسنوات. بدأ يتغير نمط الاعتراض. فقام الحراك المدني لمواجهة السلطة الحاكمة، والذي تلاه في ٢٠١٦، ظهور أول لائحة مستقلة خاضت الانتخابات البلدية في بيروت، وحصدت حوالى ثلث أصوات الناخبين، كما أسست لنهج جديد في العمل السياسي في لبنان.

تفصلنا أسابيع قليلة عن أول انتخابات نيابية في لبنان منذ تسع سنوات، وهي انتخابات تحمس لها عدد من ناشطي المجتمع المدني، بخاصة بعد إقرار قانون انتخابي على أساس نسبي. لكنني قلقة من أن تجربة الانتخابات البلدية قد لا تعاد في الانتخابات النيابية. في العادة، أكون من أول الداعمين لحملة مدنية تستخدم شعارات المجتمع المدني لإحداث تغيير ما. لكنني أجد نفسي قلقة هذه المرة. فهذه المرة، جميل السيد مرشح على الانتخابات. هذه المرة لا نستطيع التذرع ببراءة سياسية أو بخطاب حقوقي وتنموي فحسب. هذه المرة يجب أن نتكلم عن كيف يستطيع جميل السيد أن يصبح نائباً للأمة فيما الحزب الذي يدعم ترشيحه يخوض حرباً دامية في سورية إلى جانب بشار الأسد.

إن الانتخابات فرصة للمشاركة السياسة. لكن المشاركة السطحية قد تلهي الناس عن المشاكل الأعمق في لبنان. أنا قلقة من أن المشاركة هذه المرة قد تكون علامة شؤم وإشارة الى أننا فقدنا الأمل بقدرتنا الحقيقية على التغيير. فمع كل هروب من مواجهة الواقع بتعقيداته، نقلّص جهودنا وتاريخ نضالنا. من هنا، أرى أن الخطاب الحالي حول الانتخابات النيابية التي تخوضه القوى المعارضة المدنية حتى الساعة خطاب انهزامي، قد يؤدي بأصدقاء وصديقات يترشحون طامحين بالتغيير إلى الانتهاء في دور هامشي مفاده تجميل الصورة الانتخابية. لست ضد فكرة خوض الحياة السياسية من باب الانتخابات ولكنْ بخطاب يرفع قدرتنا على التعاطي مع التحديات الكبرى. كان على هذه الانتخابات أن تكون محطة للناشطين والناشطات لتسليط الضوء على ممارسات تهدد أمننا وتزعزع ثقتنا بقرار بقائنا في هذا البلد.

حين كنت تلميذة كنا نناقش في سيادة لبنان والسياسة الخارجية ودور سورية وأميركا وغير ذلك في الشأن الداخلي. أما الآن، فأنا قلقة من أنا هنالك من يقول للشبان بأن الوقت ليس مواتياً لمناقشة هذه الأمور. كنا في الماضي نطالب ونناقش الزواج المدني وحقوق المرأة، واليوم هناك من يترشح من دون التطرق الى هذه المواضيع متذرعاً ببراءة سياسية مفادها بأن الشبان أصلاً لن يستطيعوا إحداث تغيير جذري. لقد أصبح شعار هذه الحملات «نحن أحسن منن» على غرار شعار الحراك «كلن يعني كلن». وشعار كهذا يضعف إرادة التغيير لدى الشبان ويحبط عزم الناخبين فيصبح المجتمع المدني شريكاً في عملية الانتكاس والانتقاص السياسي ويساهم في وصول جميل السيد إلى البرلمان من دون حسيب أو رقيب.

وما دمنا لا نستطيع التكلم في المشاكل الكبرى والتحديات العميقة، فقد لا يكون وقت الترشح قد نضج. ربما كان يجب استثمار هذه اللحظة للتعمق وتطوير إجابات وحلول للأمور الشائكة. ربما كان هذا هو الوقت للتظاهر. وإن لم يكن التظاهر في الشارع، فمن خلال ورقة بيضاء في صناديق الاقتراع. ربما كان هذا الوقت لإعادة التموضع ووضع خريطة للتعاطي مع ظاهرة ترشيح جميل السيد ومع موضوع قمع الحريات والحرب والسيادة والحدود وغيرها من الأمور.

فما دمنا لا نستطيع التكلم عن الحدود المفتوحة في الشمال، فالورقة البيضاء ربما كانت هي الخيار الأنسب لإعادة المعارضة الفعالة في لبنان. وما دمنا لا نستطيع التعاطي مع أطفال الغوطة ولسنا مستعدين لطرح الزواج المدني، فالورقة البيضاء ربما كانت هي التعبير الأنسب عن عجزنا. وما دمنا لا نريد أن نتطرق الى موضوع السلاح المتفلت وحقوق اللاجئين السوريين، فالورقة البيضاء قد تكون بداية الاعتراف بالحاجة الى مناقشة هذه المواضيع. وما دمنا لا نستطيع التكلم في هذه المواضيع، فالمقاعد النيابية التي قد يحرزها المجتمع المدني لن تكون مجدية في معارضة جميل السيد وأمثاله في المجلس النيابي الموعود.

* كاتبة لبنانية


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
الملف: انتخابات
النظام الانتخابي في وظائفه ومفاعيله السياسية - فريد الخازن
حول شرعية الانتخابات اللبنانية - منى فياض
الجزائر كنموذج يخشى اختطافه - روزانا بومنصف
ولاية خامسة لبوتفليقة أو الفوضى!- رندة تقي الدين
"هيئة الإشراف" تُعاين في تقريرها "جروح" الانتخابات - رضوان عقيل
البحرين: أول رئيسة منتخبة للبرلمان - سوسن الشاعر
أسوأ المجالس البلدية - علي القاسمي
«انتخابات شو!» - مشرق عباس
«التطابق» لا ينزه الانتخابات - مشرق عباس
العراق: تدارك أزمة الانتخابات - مشرق عباس
حول اعادة صوغ «الكتلة الأكبر» - مشرق عباس
الاستبداد الناعم - عبد الحسين شعبان
الممتنعون عن الاقتراع في الانتخابات النيابية من يمثلهم؟ - جورج ابرهيم طربيه
الانتخابات تنهِك العراق بمزيد من الأزمات - كامران قره داغي
«تقبيطة الكيا»! - مشرق عباس
العلمانيون واليساريون بعد الانتخابات (اللبنانية): صِفْر - طلال خواجة
البرلمان اللبناني الجديد: الأكثريات التي انتخبت رؤساء جمهورية ليسوا منها - أسعد الخوري
البلوكات البرية بعد البحرية - فريد الخازن
الانتخابات العراقية تفتح ملف الصراع مع نظام طهران - خالد غزال
انتخابات الكومبارس مقابل سياسة الهامش في لبنان - سامر فرنجيّة
بدائل لا نصيب لها من اسمها - حسام عيتاني
قانون الانتخاب تشابك الاسوأ بين النسبي والاكثري - فريد الخازن
عن يوم أحد أجريت فيه انتخابات نيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
انتخابات لبنان لا طائل منها؟ أنطوان قربان
الانتخابات في لبنان والعراق ذات النتائج المعروفة - مرزوق الحلبي
ولي الفقيه العراقي - حازم الأمين
الانتخابات: عندما يصبح دراكولا بابا نويل - جهاد الزين
الانتخابات اللبنانية «النووية» - وليد شقير
خلفياتُ زّج النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في بازار الإنتخابات اللبنانية - مي الصايغ
المشهد غداة الانتخابات اللبنانية - حسام عيتاني
مدينتا بيروت: دُمّلةُ ما بعد الانتخابات - جهاد الزين
انتخابات العراق ولبنان ومآلات الصراع في الشرق الأوسط - بوتان تحسين
«الشعب» أسوأ من مرشحيه - حازم الأمين
أنا المغترب، من أنتخب؟
علي الأمين واللائحة وإعلامنا - حازم صاغية
انتخابات فولكلورية لقانون النسبية سليم نصار
كساد فكرة التغيير في لبنان - حسام عيتاني
حول قانون العدد وما يُرجّحه في انتخابات 2018 - أحمد بعلبكي
اللجنة الأوروبية إذا شاءت، لا الدولة، هي مرجعية الانتخابات - جهاد الزين
نحتاج 161704 أشخاص لمراقبة اقتراع 82000 مغترب! - طنوس فرنسيس
الانتخابات العراقية: جيوش إلكترونية ومزاد لشراء أصوات الناخبين
إلى لجنة الرقابة الأوروبية على الانتخابات اللبنانية:كيف ستواجهين عمليات التزوير؟ - جهاد الزين
دفاعاً عن «الخرزة الزرقاء» - حازم الامين
لبنان 2018: ما الجدوى من الانتخابات العامة؟ - جوزيف مايلا
مقاطعة الانتخابات: الداخل والخارج - حازم صاغية
ماذا بعد الانتخابات المصرية؟ - مأمون فندي
انتخابات بلا معنى ولا فاعليّة - حازم صاغية
انتخابات لبنانية في رداء حرب أهلية - خالد غزال
الاستابلشمنت اللبناني المشوَّه والمشوِّه - أنطوان قربان
صاعقة الانتخابات - محمد صلاح
العراق: انتخابات أم مزاد علني للبيع والشراء؟ - حميد الكفائي
الانتخابات النيابية ترفع وتيرة التصعيد بين أهل الحكم - خالد غزال
الانتخابات اللبنانية:الزبائنية لحشد التأييد سامي عطاالله - زينة الحلو
الانتخابات وقانونها: "الولايات اللبنانية المتحدة" - فريد الخازن
أداة تأديبية تدعى الانتخابات النيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
مراجعة متأخّرة لمقاطعة 92 المسيحيّة - حازم صاغية
هل سيكون للرأي العام من تأثير في الانتخابات المقبلة؟ - منى فياض
ورثة الطوائف في الانتخابات اللبنانية - حازم الامين
دعوة إلى مقاطعة الانتخابات غير «المدنية» في لبنان - حازم الامين
حرب أم انتخابات في لبنان؟ - حازم صاغية
انتخابات الرئاسة المصرية: تعظيم المشاركة عبر الفتاوى الدينيّة - كرم سعيد
الأحلام الانتخابيّة للمجتمع المدني في لبنان - حسام عيتاني
الاستحقاق العراقي: انتخابات إشكالية ومشكلات بنيوية على وقع انقسامات جديدة - عبدالباسط سيدا
المشاركة في انتخابات الرئاسة على قمة تحديات السلطة المصرية
البلديات تعيد رسم المشهد المغربي - محمد الأشهب
«العدالة والتنمية» يستعد للانتخابات التشريعية - محمد الأشهب
استمالة الناخبين - محمد الأشهب
الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
محطة الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
أخبار ذات صلة
الحريري يميل لرفض إعادة تكليفه وفريق عون يبحث بين حلفائه عن رئيس حكومة
بغداد وبيروت تتقاسمان «وجع الفساد» وتتبادلان «الشعارات» على أنغام الموسيقى
الأزمة الحكومية في لبنان تقترب من الحسم
حشود لبنانية في «أحد الإصرار»
المسيرات الطلابية تعمّ لبنان واحتجاجات أمام مؤسسات رسمية
مقالات ذات صلة
لُغم في المشروع الوطنيّ اللبنانيّ... - حازم صاغية
التمسك بالحريري: وراء الأكمة ما وراءها! - سام منسى
الثورة اللبنانية: الشِّراك والفرص - حسام عيتاني
حادثة "الواتساب" وانتفاضة الشباب - عدنان الأمين
لبنان واللحظة المفعمة بالأمل - أمل كلوني
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة