الأثنين ٢٨ - ٩ - ٢٠٢٠
 
التاريخ: تشرين الثاني ٢, ٢٠١٧
الكاتب: سليمان صويص
المصدر: جريدة الغد الاردنية
محمود شريف بسيوني.. وداعا
قبل أسابيع قليلة توفي في شيكاغو (الولايات المتحدة) الدكتور محمود شريف بسيوني، الأستاذ العلّامة في جامعة "دي بول"عن عمر يقارب الثمانين عاماً، أمضى منها 45 عاماً وهو يُدرّس فيها القانون. لكن بسيوني، المصري الأصل والروح، الأميركي الجنسية، العالمي والإنساني النزعة والإنتماء، لم يكن إنساناً عادياً، إذ كانت حياته حافلة بالإنجازات العلمية والإنسانية. كان علماً من أعلام حقوق الإنسان وأحد فقهاء القانون الدولي في العصر الحديث، ومؤسساً ورئيساً لثلاثة معاهد للقانون الدولي لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا. يُعتبر مؤسس القانون الدولي الجنائي، وساهم مساهمة أساسية في تأسيس المحكمة الجنائية الدولية العام 1998. عمل في الأمم المتحدة وترأس لجان تقصي الحقائق كمبعوث لها وكخبير خاص في بلدان عديدة منها يوغسلافيا السابقة وافغانستان والبحرين وجنوب افريقيا، بالاضافة الى الدور المهم الذي لعبه في صياغة القرارات المتعلقة بمناهضة التعذيب وضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في العالم.  

كان يتقن سبع لغات بطلاقة، وألّف 35 كتاباً ونشر مئات المقالات والدراسات في مجال القانون الدولي الجنائي. وتقديراً لجهوده في مجال حقوق الإنسان وإنجازاته في مجال القانون مُنح جوائز وميداليات عديدة من عدة بلدان، من بينها فرنسا وألمانيا ومصر والنمسا وإيطاليا، ومُنح المواطنة الشرفية لست بلدان والعديد من شهادات الدكتوراه الفخرية من عدة جامعات في الولايات المتحدة وأوروبا؛ وظهرت صورته على طابع في دولة ترينيداد وتوباغو، ورُشّح لجائزة نوبل العام 1999، وأطلقت بلدية شيكاغو اسمه على أحد شوارعها. 

في ذكرى مرور أربعين يوماً على وفاته (25/9/2017) والذي تلقيتُ خبره بحزن وألم شديدين أودُ أن أتحدث بشكل خاص عن مساهمات المرحوم د. بسيوني في تطوير الحركة العربية لحقوق الإنسان، وأفضاله التي لا تنسى على هذه الحركة، وذلك في وقت مبكّر بدأ في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي. بصفته رئيساً للمعهد الدولي للدراسات العليا للعلوم الجنائية في سيراكوزا (إيطاليا) قام بإعداد وتنفيذ "البرنامج العربي لحقوق الإنسان" والذي اشتمل على تنظيم سلسلة من الندوات دعا الى المشاركة فيها نحو 300 من الأساتذة والمحامين ورجال القانون ومسؤولين في أكاديميات الشرطة والمعاهد القضائية والعسكرية والمراكز المتخصصة، والإعلاميين والمهتمين بحماية حقوق الإنسان ونشر ثقافتها في الأقطار العربية المختلفة بما في ذلك الأردن.  نظّم ندوة خاصة لأساتذة القانون في الجامعات العربية لمناقشة تطوير مناهج التدريس في تلك الجامعات. ونظّم ندوة أخرى لإعلاميين عرب حول دور الإعلام في نشر ثقافة حقوق الإنسان وحماية هذه الحقوق، وثالثة لتقديم دراسات حول الوثائق الدولية لحقوق الإنسان، ورابعة لتحليل القوانين المتعلقة بحقوق الإنسان في الدول العربية إلخ.. أثمرت هذه الفعاليات فيما بعد في إصدار أربعة مجلدات بعنوان عام "حقوق الإنسان" ضمت الأبحاث والدراسات التي قُدّمت في تلك الندوات؛ وكانت تلك المجلدات (التي صدرت عن دار العلم للملايين في بيروت) الأولى من نوعها باللغة العربية، ووزعت على نطاق واسع في الأقطار العربية.

كما صدرت مبادرتان مهمتان في إطار تلك الفعاليات؛ إذ أعدّ خبراء قانونيون عرب "مشروع ميثاق عربي لحقوق الإنسان والشعب في الوطن العربي"، ومشروع اتفاقية عربية لمناهضة التعذيب. أرسل د. بسيوني المشروع الأول الى ملوك ورؤساء الدول العربية كافة العام 1986 لدعوتهم دعم مشروع الميثاق، إلاّ أن عدداً محدوداً من القيادات العربية استجاب للدعوة. ومع ذلك يمكن القول إن نشر هذا المشروع لعب دوراً أساسياً في إيقاظ جامعة الدول العربية لبذل الجهود من أجل إعداد وثيقة في هذا المجال، بعدما تبيّن آنذاك بأن جميع شعوب العالم في مناطقها الجغرافية المختلفة قد التزمت بوثائق اقليمية لحقوق الإنسان باستثناء المنطقة العربية، وهو ما تم رسمياً في العام 2004.  وفي العام 1989 وضع خبراء "مشروع اتفاقية عربية لمنع التعذيب والمعاملة غير الإنسانية أو المهينة"؛ وجرى توزيعه على الدول العربية والمهتمين بحقوق الإنسان. وكانت تلك أول مرة يوضع فيها مشروع كهذا على النطاق العربي. تجدر الإشارة الى أن المشروعين قد حظيا لدى صدورهما بتأييد واسع من قبل منظمات المجتمع المدني في الأقطار العربية، لكن الواقع العربي الرسمي، كالعادة، لم يكن مهيئاً لذلك. 

آتى "البرنامج العربي لحقوق الإنسان" ثماره المرجوة في وقت قياسي؛ إذ انتشرت معاهد حقوق الإنسان في العديد من الجامعات العربية، وأنشئت معاهد قضائية وأصبح عشرات آلاف طلبة الحقوق العرب يدرسون مساقاً خاصاً بحقوق الإنسان، إضافة الى استفادة المحامين والقضاة ومنظمات حقوق الإنسان من ذلك البرنامج. ومما لا شك فيه أن البرنامج المذكور قد استمر في إحداث مفعوله؛ إذ كان ﻛ"الخميرة" التي ظلّت تؤثر في الواقع العربي لسنوات طويلة. 

خطفت تطورات الأحداث في البوسنة والهرسك، والعمل على إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في تسعينيات القرن الماضي اهتمام د. بسيوني بالمنطقة العربية. لكنه مع مطلع القرن الجديد استأنف اتصالاته وواصل دعمه لحركة حقوق الإنسان في الأقطار العربية بأشكال مختلفة.  

بالرغم من انجازاته الكثيرة والباهرة في المجالات المختلفة، كان المرحوم يتمتع بصفات التواضع والوداعة واللطف مع جميع من يتعامل معهم، كما كان يتفانى في مساعدة الآخرين. في العام 2015 حلّ ضيفاً على جامعة القدس / فلسطين حيث تحدّث عن سياسة الأمم المتحدة وما يجري فيها من عرقلة لقضايا مهمة. في صيف ذلك العام التقيتُ بالمرحوم في مكتبه في جامعة "دي بول" لآخر مرة حيث أهداني مجلدين يضمان جميع الوثائق الدولية المعنية بحقوق الإنسان والتي أعدها وكتب مقدمة لها، وصدرت عن دار الشروق بمصر. 

أود أن أختم بفقرة من كلمة للمرحوم ألقاها في منتدى القانون الجنائي والإنساني الدولي، بعد أن طلب منه المنتدى الموافقة على إطلاق "جائزة محمود شريف بسيوني للعدالة". هذه الكلمات تعبّر عن عمق إيمان المرحوم بالحق وضرورة الدفاع عنه مهما كان الثمن.  قال رحمه الله "لا يكفي أن تكون قانونياً دولياً بارزاً أو أن تشغل منصباً مرموقاً؛ فبغير النزاهة والشجاعة قد لا يؤتي عملنا ثماره المرجوة. تقتضي النزاهة أن نلتزم بالقانون وإن أغضب ذوي النفوذ والمناصب. وان نضع مصلحة القانون ومصلحة المهمة التي نؤديها في مرتبة أعلى من مصالحنا الشخصية؛ وأن نجعل الثقة جزءاً من سلوكنا الشخصي. فمن دون النزاهة لا يكون لعملنا أثر يذكر. ومن دون الشجاعة لا نقوى أن ننطق بالحق أو نتصرف بما تمليه علينا ضمائرنا.. في الوقت الذي لا يجرؤ فيه الآخرون على ذلك". 

إن أفضل تكريم لشخصية، هي في الواقع قامة علمية وإنسانية عظيمة كالمرحوم د. بسيوني بعد رحيلها، هو الوفاء لما قدمه والاستمرار في حمل الشعلة والمبادئ التي كرّس حياته لها. 


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
إقرأ أيضا للكاتب
مئوية الشيخ المناضل كايد مفلح عبيدات
انتفاضة نيسان 1989: أين كنا وكيف أصبحنا ؟
حقوق المراة الاردنية 2019 - سليمان صويص
حرية التنظيم والممارسة النقابية في الاردن
ما فائدة وجود مجلس نيابي في الأردن ؟
أخبار ذات صلة
الحكومة الأردنية تعتزم التصدي بحزم لـ«مفتعلي الأزمات»
الملك عبد الله يصدر مرسوما لإجراء انتخابات عامة في الاردن
الأردن: وقف نقابة المعلمين وإغلاق مقراتها سنتين
الاردن: تصريحات الرزاز حول «حل الدولة الواحدة» تثير جدلاً
الأردن: سجال نيابي على خلفية جهود مكافحة الفساد
مقالات ذات صلة
مئوية الشيخ المناضل كايد مفلح عبيدات
الأزمة اللبنانية والتجربة الأردنية - مروان المعشر
انتفاضة نيسان 1989: أين كنا وكيف أصبحنا ؟
حقوق المراة الاردنية 2019 - سليمان صويص
يوميات حياة تشهق أنفاسها في البحر الميت - موسى برهومة
حقوق النشر ٢٠٢٠ . جميع الحقوق محفوظة