الأحد ٣٠ - ٤ - ٢٠١٧
 
التاريخ: حزيران ١٥, ٢٠١٦
المصدر: the network
مواجهة الذكورية والعنف قضية إنسانية تحرّرية - ليلى العودات
لطالما كانت مجالس الشعب السورية المتعاقبة مسرحية وعديمة الأثر. فإلى جانب هزلية الانتخابات التي لم تتوجه إلى السوريين يوماً بأي برامج انتخابية او مطالب أو حتى وعود، لم يتوان نظام الأسد عن امتهان أعضاء البرلمان وتسطيح دورهم دستورياً، حيث تصدر معظم القرارات السيادية بمراسيم جمهورية عن الرئيس لا عن الشعب، وفعلياً، حيث وصل بهم القمع والاستبداد لأن يتم اعتقال أعضاء البرلمان ورفع الحصانة عنهم بعد أي محاولة ديمقراطية كما حدث مع مأمون الحمصي ورياض سيف في عام ٢٠٠١. 

الآن عيّن النظام سيدة في رئاسة مجلس الشعب الجديد. وكان لهذا التعيين أن فتح حواراً بين السوريين أنفسهم وأيضا مع المهتمين بالشأن السوري حول جدوى وجود النساء في مجالس الشعب. برز في هذا النقاش رأي، أراه محقاً، أن وجود امرأة على رأس برلمان بدون صلاحيات في ظل نظام يستخدم القتل والاعتقال والتعذيب والتهجير منهجياً ضد المدنيين ليس بأي حال مكسباً للنساء السوريات ولا يجلب بأي شكل قضاياهن الى طاولة الحوار أو رؤاهن إلى دوائر اتخاذ القرار. 

عدت هنا الى بحث أكاديمي قمت به عام ٢٠١١ حول جدوى وصول المرأة لأدوار قيادية ونسب برلمانية عالية في أنظمة قمعية غير تعددية. واستخدمت التجربة الرواندية مثالا حيث كانت نسبة النساء في برلمانها آنذاك ٥٦٪.  كان سؤالي البحثي هو هل من المفيد للنساء ان يأخذن حصصاً وأدواراً قيادية في برلمانات غير ديمقراطية ولا تملك ادواراً سيادية فاعلة؟ تضمن البحث تحليلاً للمدرستين النسويتين المتخالفتين حول هذا الشأن. الأولى تقول ان لا أهمية لوجود نساء في مجالس شكلية وان هذا استغلال للنساء يزيد من قمعهن ويعطي تنوعاً وشمولية زائفة لنظام غير ديمقراطي. والثانية تقول انه حتى في اكثر الأنظمة انغلاقا، ومهما كان دور البرلمان شكلياً، كان لوجود النساء أثر ايجابي يزداد ويتطور بينما ينتقل النظام السياسي نحو الديمقراطية، وانه في حال غياب النساء بشكل كامل (كما كان الوضع في أوغندة آنذاك) ستتعزز الهيكليات الذكورية من جهة، وهي هيكليات تبقى حتى لو تغير نظام الحكم، ومن جهة أخرى لن ترى الفتيات مكاناً لهن في الفضاء السياسي العام إذا كبرن في مكان تختفي فيه النساء من هذا الفضاء بشكل كامل. 

كانت نتيجة البحث أميل الى المدرسة الثانية ضمن خصوصية الوضع في رواندا، وقالت نساء من الأحزاب المعارضة ان فتح المجال لمشاركة النساء في عمليه سياسية حتى لو كانت معيبة سمح بخلق هياكل جديدة نرى فيها النساء ونعتاد على سماع أصواتهن. وهو كان محفزا لأحزاب المعارضة للقيام بخطوات شبيهة. 

ومن نافل القول إن أبحاثاً من هذا النوع ليست عابرة للنزاعات، ولا يمكن استخدام نتائج بحث تم في دولة ذات خصوصية شديدة كرواندا لنصل الى خلاصات او اقتراحات في دولة ذات خصوصية شديدة أخرى كسوريا. وجل ما قد يفيده بحث كهذا هو إيجاد أسئلة تقيّد التعميمات التي يزداد النزوع إليها مع ازدياد العنف والعسكرة ومع تنامي الهيكليات القمعية بأشكالها المختلفة. 

والأسئلة التي أود استقاءها من ذاك البحث هي: أولا كيف علينا نحن السوريين والسوريات أن نستمع لحديث النساء من الأحزاب المعارضة في روندا آنذاك، وكيف رأت النساء ان وجود نساء (والأفضل نسويات وكذلك رجال نسويين) ولو كان في الحزب المعادي حارب منظومة ذكورية إقصائية. وثانياً كيف يؤثر القبول الضمني لمجالس سياسية ومجالس محلية واحياناً مؤسسات إنسانية تكاد تخلو من النساء ومن رؤاهن وقضاياهن ومطالبهن سلباً على شكل مجتمعنا ككل وعلى سياساتنا الحالية والمستقبلية. وثالثاً لماذا نحن جاهزون لكشف المؤامرات القمعية على النساء في التمثيل الشكلي الكاذب ولكن ليس لدينا حافز مشابه لمساءلة الهيكليات الذكورية التي تفرض انماطاً مهينة على النساء والرجال كذلك.

تدّعي المؤسسات الاجنبية والدول الداعمة ان غياب النساء عن المؤسسات التي تدعمها هو "ثقافة محلية" هم ليسوا بمعرض محاربتها، وأن المجتمع المحلي يفضل بقاء النساء في البيوت، او في أفضل الأحوال إعطاءهن لجاناً فرعية يناقشن فيها شؤونهن. والحقيقة أن من يطالبن بدورهن في المجالس السياسية والمجالس المحلية والهيئات القضائية هن نساءً من سوريا ولسن من المريخ، وفكرهن "محلي" وطني تماما وربما أكثر بكثير من القادة الذكور الذين يريدون إدارة المشهد وحيدين والذين تدعمهم المؤسسات والدول ذاتها من باب الاهمال أو الاستسهال أو ربما المؤامرة على حراك تحرري يؤسس لمساواة حقيقة.

لن يتفكك هذا النهج الإقصائي المخزي وهذا التهميش المنهجي للنساء إلا اذا عملنا معاً، نساءً ورجالاً، لمحاربة منظومات ذكورية ندفع كلنا ثمنها. وكما يزداد العنف ضد النساء في هذه المنظومات، يزج رجالنا في قوالب عنيفة قسراً ونتوقع منهم ربط الذكورة بالقوة والسلاح ونبذ التعاطف واضطهاد الضعفاء. رجالنا كما نساؤنا يستحقون أفضل من ذلك بكثير، ومحاربة هذه المنظومات ليست قضية النسويات والنسويين وحدهم، انما قضية إنسانية تحررية مركزية لا تحتمل الإنتظار.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (1)
التاريخالاسم عنوان التعليق
17/6/16maya benjaminتكامل الأدوار
لابد من وجود المرأة والرجل بلااقصاء لأحدهما في كل أمر فهما نواة الأسرة لايمكن وجود التوازن في أي خلية بشرية ناشطة دون وجود الطرفين فكل منهما قادر على الرؤية من زوايا مشتركة ومن زوايا خاصة لابد من النظر من خلالها لتقييم الموقف..والاقصاءمرفوض والتشدد مرفوض..فالتوازن بين بعض التفاصيل التي يختلفان فيها مهم جدالاغناء الوعي الاجتماعي مهما كان نوعه ومالم تتحد قوى النساء والرجال ضد النظم القمعية فلن ينفع أي جهد يقوم به أحدهما كلاهما معا يشكلان قوة وسيطرة الفرد أو أي نظام قمعي يسحق وجود الجميع.

اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
اقتتال واسع بين الفصائل في الغوطة الشرقية
منظمة حظر السلاح الكيماوي: فريق التحقيق جاهز للسفر إلى خان شيخون
قوة ردع أميركية بين تركيا والأكراد السوريين
اردوغان: لن نسمح بكيان كردي على حدودنا تحرير الرقة ليس بالعملية الكبيرة بالنسبة إلينا
إسرائيل تقصف مستودع أسلحة قرب مطار دمشق
مقالات ذات صلة
الأطفال القتلى يحاكمون بشار - الطاهر بن جلّون
الضربة الأميركية: تغيير استراتيجي أم فرض عدم تغيير قواعد اللعبة؟ - ناصيف حتي
رسالة إلى رواد الاستقلال السوري - أكرم البني
جنرالات ترامب وإيران وسورية واليمن - وليد شقير
سورية: من عصبوية الحكم الطائفي إلى البديل - عهد الهندي
Editor In Chief & Webmaster : Nazih Darwish
حقوق النشر ٢٠١٧ . جميع الحقوق محفوظة