الخميس ١٧ - ١٠ - ٢٠١٩
 
التاريخ: أيلول ٢٠, ٢٠١٥
المصدر: جريدة الحياة
خريطة معرفية لتفسير ثورات الربيع العربي - السيد يسين
ليس هناك أدنى شك في أن ما أطلق عليه ثورات الربيع العربي، أحدث انقلاباً سياسياً على مستوى النظام الدولي، وفي ما يتعلق بأوضاع النظام الإقليمي في الشرق الأوسط على حد سواء.

فقد شهد العالم انهيار نظم شمولية عاتية مثل النظام السياسي الليبي الذي قام على أساس محو مؤسسات الدولة الليبية كافة، وانفراد العقيد معمر القذافي بالسلطة السياسية المطلقة، معتمداً على شراذم جماهيرية غوغائية أطلق عليها «اللجان الشعبية» والتي تقوم – في تفكيره المعتل - بممارسة الديموقراطية المباشرة على الطريقة «الإثينية».

وسقط النظام السلطوي المصري بعد أسابيع قليلة من سقوط النظام الليبي، والذي قاوم برئاسة الرئيس السابق مبارك كل محاولات الإصلاح الديموقراطي التي ارتفعت صيحات المناداة بها تحت ضغوط الخارج ممثلة بالولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي أساساً، ومطالب الداخل التي عبرت عنها القوى السياسية المصرية المعارضة.

وسرعان ما هبت رياح الثورة الهوجاء على سورية، والتي تطورت فيها الأوضاع إلى حرب أهلية دموية، بعدما تعددت الميليشيات العسكرية المتصارعة، وبرزت الجماعات التكفيرية الإرهابية، وتشابكت التدخلات الدولية، بعضها يؤيد النظام السوري، والآخر يريد القضاء عليه نهائياً مهما كانت النتائج الكارثية التي يمكن أن تترتب على ذلك.

وامتد لهيب الثورة إلى اليمن، وبرز صراع القبائل في أبشع صوره، وظهرت على السطح الجماعات المذهبية التي، في سبيل السيطرة الكاملة على البلاد، لا يعنيها على وجه الإطلاق سقوط الدولة اليمنية بالكامل.

وإذا أضفنا إلى هذه الصورة المفزعة للعالم العربي تفكك الدولة العراقية الذي نجم عن الغزو العسكري الأميركي الإجرامي، والذي أدى إلى صعود نجم جماعات إرهابية إسلامية أبرزها حركة «أبو مصعب الزرقاوي» التي كانت الأساس الذي تطور ليصبح تنظيم «داعش»، لأدركنا أننا أمام زلزال شامل قلب الأوضاع العربية، وحشر الشعب العربي في مأزق تاريخي لا مثيل له حتى في أسوأ فترات الاستعمار الأجنبي.

هذه التطورات السياسية الكبرى، بما أحدثته انقلابات خطيرة في الأوضاع الدولية والإقليمية والمحلية، أدت إلى سقوط أوضاع مستقرة، ومفاهيم راسخة، ونظريات سائدة تتعلق بالدولة والنظام السياسي والتجانس الثقافي والاستقرار المجتمعي.

فقد سقطت الدولة في كل من ليبيا وسورية واليمن في شراك القبائل المسلحة، والميليشيات العسكرية، والتنظيمات الإرهابية.

وثبت بما لا يدع للشك هشاشة النظم السياسية الشمولية والسلطوية وانهيارها بفعل الثورات الفجائية التي لم تهبط من السماء فجأة كأنها كائنات فضائية، لكنها كانت نتيجة لأزمة لعملية اختمار ثوري بطيئة في رحم المجتمعات التونسية والمصرية والسورية واليمنية، وعبرت عن سخط شعبي عميق كرد فعل للاستبداد والقهر والفساد والثراء الحرام للنخب السياسية الحاكمة على حساب ملايين المواطنين الفقراء.

وهوت إلى الحضيض مقولات التجانس الاجتماعي في الشعب الواحد، وإذا بنا نجد صراعات دموية طبقية بين الأثرياء والفقراء على المستوى الاقتصادي، وبين الشيعة والسنّة على المستوى المذهبي، وبين الجماعات الدينية المتطرفة والدول العلمانية على المستوى السياسيي.

في ضوء هذه الأحداث التي نزلت كالصاعقة على القيادات السياسية في الغرب والشرق معاً - بحكم تشابك المصالح الدولية في عصر العولمة - والتأثيرات الخطيرة للحوادث المحلية الكبرى على أوضاع العالم، سقطت النظريات السياسية السائدة، والتي كانت تقوم أساساً على أن «الدولة» وليس غيرها من الكيانات هي أساس النظام الدولي. وإذا بنا نفاجأ بما يسمى «الفواعل Actors من غير الدول» باعتبارها حلت محل الدولة أو تنافس الدولة، وقد تقضي على الدولة ذاتها! تماماً مثلما فعل تنظيم «داعش» الذي خرج من لهيب الحرب الأهلية السورية منتصراً، لأنه تمدد بميليشياته العسكرية من سورية إلى العراق، وأعلن «الخلافة الإسلامية» بقيادة الإرهابي أبو بكر البغدادي، ونجح – ويا للغرابة - في احتلال مساحات شتى من سورية والعراق، بل إنه احتل الموصل وهدد بغداد نفسها عاصمة الدولة العراقية المفككة، وأخطر من ذلك كله أن دولة الخلافة المزعومة سيطرت على آبار النفط، وباشرت تصديره للخارج بتواطؤ خفي مع تركيا وإسرائيل، وأقامت «مناقصة» في بيع النفط غير مسبوقة لأنها تبيع البرميل بما قيمته عشرة دولارات فقط، ما سمح لها بأن تراكم في خزينتها ثلاثة بلايين دولار لتصبح بذلك أغنى حركة إرهابية في التاريخ، وبذلك تستحق بجدارة دخول موسوعة غينس للأرقام القياسية!

من هنا، كان السؤال الرئيسي كيف نفهم العالم الذي نعيش فيه وفي ضوء أي نظرية بعد أن سقطت النظريات كافة؟

من دون هذا الفهم العميق للتطورات الكارثية التي لحقت ببنية المجتمعات العربية التي أصابتها «لوثة» ثورات الربيع العربي، لا يمكن القيادات السياسية ولا المثقفين ولا حتى الجماهير أن يفسروا ما يجري حولهم، وأخطر من ذلك أن يضعوا من السياسات الفعالة ما يطرحه التداعي المستمر في الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

ومن اللافت حقاً أن سؤال «ماذا حدث للعالم؟» أثير من قبل قبيل انقضاء القرن العشرين بسنوات قليلة حين هبت رياح العولمة على العالم، وغيرت ملامحه اقتصادياً وسياسياً وثقافياً. فقد أدى ذلك إلى سقوط النظريات القديمة في السياسة والاقتصاد والثقافة بعد أن أصبح العالم كله متصلاً Connected بفضل الثورة الاتصالية الكبرى وفي قلبها البث التلفزيوني الفضائي الذي أتاح للجماهير في كل أنحاء العالم أن تشاهد الأحداث السياسية والاجتماعية في الوقت الواقعي لحدوثها real time، سواء كان ذلك حريقاً هائلاً في نيويورك، أو انقلاباً عسكرياً في نيجيريا، أو غرق طفل سوري مهاجر على شواطئ المتوسط، ما سمح بتكون «وعي كوني عالمي» جعل جماهير العالم تتبنى نسقاً واحداً من القيم أقرب ما يكون إلى «مذهب إنساني» جديد Humanist يقوم على التعاطف Compassion، ونبذ العنصرية، بل والتحالف مع الشعوب المقهورة والمضطهدة.

ولعل سلسلة بواخر «الحرية» التي انطلقت من موانئ بعض الدول الغربية تحمل مواطنين من ستين جنسية تشق طريقها في البحر الأبيض المتوسط متوجهة إلى غزة لفض الحصار الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، رمز ساطع حقاً لهذا الوعي الكوني العالمي الرفيع المستوى الذي أكد ما قرره الكاتب الأميركي الشهير مارك توين من قبل «أن الإنسان هو الإنسان في كل مكان»، خصوصاً إذا ما نجح في أن يحرر نفسه من نزعات العنصرية والعدوان.

وإذا كنا في نهاية القرن العشرين أثرنا سؤال «ماذا حدث للعالم؟» وأجبنا عنه بدراسات معمقة عن ظاهرة العولمة والحركات القومية الجديدة وبروز تيار فلسفي جديد هو «ما بعد الحداثة» على أنقاض قيم مشروع الحداثة الغربي الذي هوى، فنحن في أشد الحاجة للإجابة عن السؤال نفسه الآن لكي نرسم خريطة معرفية جديدة ينهض على أساسها فهمنا للعالم المعاصر، ليس ذلك فحسب ولكن تفسير أحداثه المتلاطمة حتى نستطيع السيطرة عليها وتوجيهها لما فيه خير الشعوب.

ولعل هذا ما دفعنا في «المركز العربي للبحوث» في القاهرة الذي أتولى إدارته العلمية، إلى أن نجعل مشروعه الأساسي رسم «الخرائط المعرفية لظواهر العالم المعاصر» وقد صدر فعلاً عام 2014 كتاب يضم سلسلة من الأبحاث المتعمقة عن «الخرائط السياسية والدولية والاقتصادية والمذهبية والمستقبلية» في هذا العنوان وعنوانه الفرعي «سوسيولوجيا الثورة والتحول الديموقراطي».

ولنا في المستقبل القريب جولات فكرية مع هذه الخرائط المتعددة.


* كاتب مصري


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
رسالة جديدة من البغدادي: «العمليات على قدم وساق»
ضربات إسرائيلية «استباقية» لإيران في سوريا ولبنان والعراق
إسرائيل «تلاحق» إيران في العراق بموافقة أميركية وفي سوريا بـ«غطاء روسي»
إسرائيل توسع دائرة استهداف إيران
طهران تتحدى التحركات الدولية لضمان أمن الممرات
مقالات ذات صلة
عن ثوريين يكرهون الثورات... - حازم صاغية
إذ يقصّ علينا قاسم سليماني قصّة حربـ«نا» - حازم صاغية
بين الخراب الكبير والخراب بالتقسيط - سام منسى
القرن العشرون العربي لم يكن آيديولوجيّاً - حازم صاغية
مسالك التحول من الإسلام السنّي المخيف إلى كل الإسلام الخائف - محمود حدّاد
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة