الخميس ٢١ - ١١ - ٢٠١٩
 
التاريخ: تشرين الأول ٩, ٢٠١٤
المصدر: جريدة القدس العربي
انتكاسة امنية في البحرين تعرقل احتمالات التسوية - سعيد الشهابي
ما لم يحدث تحول ديمقراطي حقيقي في العالم العربي فستظل المنطقة محصورة بين خيارين: الاستبداد او التطرف وما يصاحبه من ارهاب اعمى. وقد يرفض البعض التلازم بين الاجهاز على الثورات وافشال مشروع التغيير الذي كان قبل قرابة السنوات الاربع واعدا من جهة، وتصاعد ظاهرة التطرف والارهاب التي تعيشها المنطقة من جهة اخرى. ولكن هذا التلازم حقيقة لانه نتيجة طبيعية لحرمان الشعوب من التمتع بحقوقها الطبيعية المشروعة في الحرية والشراكة السياسية والتعددية والشفافية. فليس من باب الصدفة ان تكون القوى التي تصدت لكافة الثورات واحدة، بدأت بالتصدي العسكري لثورة البحرين وواصلت مشوارها حتى شمل تدخلها المباشر في ليبيا ثم مصر واخيرا العراق. هذه القوى هي نفسها التي ترفض شرعية المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي.

 وباستخدام «الفقه المذهبي» استطاعت قوى الثورة المضادة تهميش «فقه المقاومة» و «فقه الحرية»، وحولت المنطقة الى حالة كريهة من التصدع وفق خطوط الانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية. لم يكن المسيحيون مستهدفين من قبل المسلمين، بل كانوا يمارسون شعائرهم بحرية (في ما عدا في الجزيرة العربية التي لا تسمح لهم ببناء كنائسهم)، ولم يكن المسلمون يستهدفون بعضهم البعض على اساس الخصوصيات المذهبية. هذه الظاهرة انما تصاعدت بعد اصطناع فراغ نفسي وايديولوجي كبير في نفوس قطاعات الشباب التي كانت قبل اربعة اعوام تتحفز للثورة على واقع مكفهر ساهم في تشكيله الاحتلال والاستبداد والهيمنة الغربية معا. وفي غضون اسابيع قليلة من العام 2011 اتضح ان الشعوب العربية ما تزال تمتلك ارادة التغيير وانها قادرة على تحقيقه والتضحية من اجله. سقط الشهداء في ميادين الثورة في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا، وعمت كافة قطاعات الامة روح من الأمل بالتغيير وتشييد مستقبل تسوده الحرية والعدل وتغيب عنه انظمة الاستبداد، وتغلق فيه المعتقلات وغرف التعذيب. كان واضحا ان اعداء الحرية يتربصون بالشعوب التي كسرت كبرياءهم وكادت تقتلع ظاهرة الاستبداد الى الابد، ففعلوا فعلتهم النكراء التي كان من نتائجها ما تعيشه الامة اليوم من واقع غير مسبوق من حيث الانحطاط والتشظي والردة على المشروع الاسلامي الذي كان تطبيقه، بنسخه المطورة والمحدثة، حلما يراود الكثيرين.

آلة الموت اكتسحت العواصم العربية، تارة بعناوين طائفية، واخرى بدواع أمنية، وثالثة بصراعات فئوية. والأسوأ من ذلك ان الانحدار اصبح يهدد الامة بالمزيد من التقسيم والتفتيت، خصوصا الدول العربية الكبرى كمصر وسوريا والعراق. بل ان تركيا نفسها التي فشلت في اداء دور قيادي لدعم الحرية والتصدي للاستبداد واستهداف الاحتلال، لم تعد بعيدة عن مشاريع التفتيت، خصوصا انها ترعى ظاهرة التطرف والعنف على حدودها معتقدة ان ذلك سيضمن لها البقاء خارج الصراعات المفروضة على المنطقة. ومهما كانت المواقف ازاء ما حدث في اليمن مؤخرا، فانه اكد حقيقة مهمة بان الشعوب لم تستسلم للواقع المفروض عليها من خارج الحدود، وانها قادرة على مواصلة مشروع التغيير برغم مقاومة اعدائه. ولقد اصبح واضحا الدور الذي يلعبه اعلام القوى المضادة للثورة بالتعاطي مع كافة التطورات من منظور الانتماء الطائفي وتجاهل المشاعر الحقيقية لدى قطاعات الامة التي تشعر بالغبن وترغب في تغيير حقيقي يطورها الى الامام، لا ليعيدها الى الوراء قرونا.

 صحيح ان تنظيمات مثل «داعش» استطاعات تجنيد الآلاف من شباب الامة والزج بهم الى طواحين الموت، ولكن ذلك ليس خيارا لامة تسعى لتحرير الانسان واعمار الارض وتطهير الارض من الاستبداد والاحتلال واقامة العدل. فالاسلام رسالة للحياة، يمقت ازهاق الارواح او استرخاص كرامة الانسان او استهداف من لا يؤمن برسالته بالموت والتدمير.

في الاسبوع الماضي اعتقلت السلطات البحرينية واحدا من اهم نشطاء حقوق الانسان في المنطقة لدى عودته من الخارج. كان نبيل رجب، رئيس مركز البحرين لحقوق الانسان، عائدا من جولة في الخارج بدأها بعد خروجه من سجن استمر عامين. وفتح اعتقاله ملفات عديدة لا تخص البحرين فحسب، بل تتصل بمشروع التغيير في العالم العربي. فمن الحقائق التي لا يمكن انكارها ان حقوق الانسان لا يمكن ان تحترم في غياب نظام الحكم العادل المؤسس على حرية الارادة الشعبية وتجريم اية معاملة حاطة بالكرامة الانسانية. انظمة الاستبداد لا تؤمن بذلك لانها تعتقد ان الحرية هي الباب الاوسع لاسقاطها، وان الحكم الفردي او الحزبي او الفئوي لا يستقيم مع قيم الحرية ومبادىء الشراكة السياسية وحرية الاختيار وتقرير المصير. اعتقال نبيل رجب لم يكن الاول من نوعه، فقد سبقه اعتقال نائبته السابقة بمركز البحرين لحقوق الانسان، الناشطة مريم الخواجة، لدى عودتها من الخارج لمواساة عائلتها خلال الفترة التي اضرب والدها، عبد الهادي، عن الطعام، مطالبة بالافراج عنه. هذه الاعتقالات لا يمكن تفسيرها الا في اطار السياسات القمعية التي تنتهجها انظمة الاستبداد التي لا تستطيع استيعاب قيم الحرية وحق الشعوب والشراكة السياسية وحق تقرير المصير. نظام الحكم في البحرين عجز حتى الآن عن استيعاب مطالب شعبه الذي استمر في ثورته 45 شهرا بدون توقف، ملتزما بالاحتجاج السلمي في الاعم الاغلب، ورافضا الانزلاق الى مستنقعات العنف او الطائفية او التطرف. وما استهداف نشطاء حقوق الانسان الا مؤشر لمدى ما بلغه الوضع في هذا البلد الخليجي الصغير من انهيار في معايير العدل والانسانية.

كان ثمة أمل بان يستوعب نظام الحكم في البحرين ابعاد الثورة الشعبية التي تواصلت برغم التدخل العسكري السعودي والاماراتي في منتصف آذار/مارس 2011 الذي استمر حتى الآن. هذه القوى هي نفسها تدخلت في مصر ودعمت الجيش بقيادة عبد الفتاح السيسي للانقلاب على الرئيس المنتخب واستهداف جماعة الاخوان المسلمين. وهي نفسها التي وقفت ضد مجموعات المقاومة الفلسطينية خصوصا حماس والجهاد الاسلامي التي صمدت امام قوات الاحتلال الاسرائيلية في حربين مدمرتين. 

وتشارك اليوم طائرات سعودية واماراتية وبحرينية في ما يسمى الحرب ضد داعش بجانب القوات الامريكية. ألا توضح هذه الحقائق بعض معالم التحالف المضاد للتغيير في المنطقة؟ فما معنى مشاركة البحرين بطائرتي اف 16 في العمليات؟ وهل هذه المشاركة الا رمزية لتبرير الدعم الانكلو – امريكي لسياسات نظام يواجه ثورة شعبية لم تستطع تلك القوات قمعها برغم التدخل العسكري المباشر؟ ان قعقعة السلاح لا تحل المشاكل السياسية التي تقتضي علاجا محليا يتأسس قبل كل شيء على استيعاب المشكلة القائمة والاستعداد للتصدي لها. ولكن التجربة تؤكد عدم امكان ذلك، لان حكام الجزيرة العربية لم يرفضوا مبدأ الاصلاح السياسي الجاد فحسب، بل تصدوا لكافة محاولات التغيير سواء في بعض دول مجلس التعاون الخليجي ام الدول العربية الاخرى خصوصا مصر. وحين يقدم نظام الحكم في البحرين على اعتقال نشطاء حقوق الانسان بالشكل الذي حدث فانه قد ضمن موافقة «الحلفاء» في الرياض وواشنطن ولندن، لانها هي التي تحميه وتزوده باحتياجاته المالية والعسكرية.

وماذا عن «الانتخابات»؟ لقد اصبح واضحا ان نظام الحكم البحريني استثمر كثيرا في انتخابات المجلس النيابي الذي انسحبت قوى المعارضة منه بعد قيام الثورة في شباط/فبراير 2011. يراهن حكام المنامة على اسكات الاصوات المعارضة بفرض المشروع الانتخابي الذي لا توحي الظروف القائمة بقدرته على حل المشاكل السياسية الجوهرية في البلاد. ومع انها ليست المرة الاولى في المسلسل الانتخابي الا ان اجراءها الشهر المقبل له دلالات سياسية ونفسية كبيرة. وقد استوعبت قوى المعارضة السياسية ذلك فقررت مقاطعتها بعد ان تأكد لها عدم جدوى المجالس النيبابية وعدم امكان اصلاح الوضع السياسي من داخل قبتها. وقد احدث قرار مقاطعة تلك الانتخابات غضبا شديدا لدى نظام الحكم، فاصبح بين خيارين: الانتقام من رافضي المشاركة، بحل جمعياتهم السياسية والتنكيل برموزهم، او اجراء تعديلات فنية سطحية توحي بوجود رغبة في الاصلاح. هذا هو التفكير السائد لدى النخبة الحاكمة وداعميها الاقليميين والدوليين. غير ان القوى الثورية والسياسية اصبحت اكثر اصرارا على مقاطعة الحكم وانتخاباته مكررة قولها بعدم جدوى المؤسسة التشريعية التي اقيمت وفق دستور رفضه الشعب عندما اصدره الحاكم في فبراير 2002. وهكذا تبدو دوامة المناكفات بين الشعب ونظام الحكم تتحرك بدون توقف وبدون هدف او وجهة واضحة. الامر المؤكد ان متابعة ثورة البحرين وتطوراتها ضرورة لاستيعاب ديناميكية التغيير التي انتهجتها قوى الثورة في اغلب البلدان التي شهدت حراكات من اجل التغيير. الامر الآخر ان النظام الذي يهدف لاستمالة شعبه لمسايرته في مشاريعه السياسية يسلك نهجا آخر للتعاطي مع القضايا المثارة، ويسعى لمد الجسور بشكل متواصل مع ذلك الشعب لضمان عدم تمرده بالشكل الذي يقطع الطريق على اية تسوية. 

٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
متظاهرون في الجزائر يطالبون بـ«رحيل النظام بجميع رموزه»
البحرين: إلغاء سحب جنسية 92 شخصاً شكلوا حزباً لصالح إيران
ملك البحرين يلغي أحكاماً بإسقاط جنسيّة 551 مواطنًا
البحرين: السجن المؤبد لـ69 وإسقاط الجنسية عن 138 في قضية "حزب الله"
البحرين: أحكام بالمؤبد وإسقاط الجنسية عن إرهابيين
مقالات ذات صلة
البحرين: أول رئيسة منتخبة للبرلمان - سوسن الشاعر
المفوضية السامية وحقوق الإنسان العربي - عبدالنبي العكري
البحرين.. مقاطعة متوقعة لانتخابات تنتظر بعث الحرارة فيها - محمود الريماوي
رؤية في الموقف الإقليمي والدولي من الانتفاضة البحرينية - حمزة الحسن
نحو «ليبرالية» إسلامية قوامها عقلانية المعتزلة - محمد جابر الأنصاري
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة