الأربعاء ٢٩ - ١ - ٢٠٢٠
 
التاريخ: تشرين الثاني ٢٣, ٢٠١٩
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
أنطوان الدويهي يحاور الثوار... ثورة 17 تشرين: أي أفق ينتظرها؟
في ذكرى مرور شهر على انطلاق ثورة 17 تشرين الأول 2019، وبدعوة من هيئة حراك زغرتا، أجرى انطوان الدويهي حواراً مفتوحاً مع حشد من المنتفضين والمهتمين بالحراك الشعبي، في ساحة التل في زغرتا، حول ماهية هذه الثورة وطبيعة ومعانيها، والأفق الذي تتجه إليه.

استهل اللقاء الشاعر فوزي يمين الذي عرّف بالدويهي "الشاعر والروائي والمفكّر"، والدكتور في الأنتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (علم الحضارات المقارن) من جامعة السوربون، ورئيس "حركة الوعي" ومفكّرها، تلك "الحركة الاصلاحية التنويرية، التي لعبت دوراً رائداً في ثورة الشبيبة اللبنانية في السبعينات". وأشار يمّين إلى أن " أعمال أنطوان الدويهي الأدبية ، تستند إلى حياته الداخلية، وترتكز على يوميات مستمدة من عوالمه الذاتية". كما "تتمحور كتاباته الفكرية، اختصاراً، حول ثلاث مسائل رئيسية: مسألة الحرية، وصون الطبيعة وجمالية المشهد، ومعنى التاريخ في المدى اللبناني".

وحدة الروح بين "حركة الوعي" وثورة 17 تشرين

وقبل ان يخوض الدويهي في موضوع الحوار، أراد التوقف عند "مصادفة لافتة ومؤثرة". فهو أصدر كتاباً عن "حركة الوعي" الصيف الفائت وقعه في إهدن في 14 أيلول. وعندما كان يُطرَح عليه السؤال: "لماذا نشرت هذا الكتاب الآن؟"، كان يجيب: " لأمرين أساسيين. لحفظ حركة الوعي في الذاكرة الجماعية اللبنانية. ولرمي حبة من الحنطة في أرض لبنان القاحلة". كان يستعمل عبارة "أرض لبنان القاحلة" للتعبير عن حزنه من عدم يقظة الشعب اللبناني بعد عقود من الفساد والخراب، وعن يأسه من عدم استفاقة الرأي العام".

"لكن فجأة"، أضاف، "بعد شهرفقط من صدور هذا الكتاب، انطلقت الثورة الشعبية العارمة في 17 تشرين الأول. كانت مفاجاة مذهلة. وكانت أيضا مفاجأة جد سارّة لي ،تحمل الأمل الكبير. خصوصاً أن روح هذه الثورة هي روح "حركة الوعي" نفسها، ولهما التوجه والأهداف نفسها. وذكر الدويهي أن "حركة الوعي" اصطدمت بحرب 1975 وتوقفت عندها. "كان أمامنا خياران"، قال، " أن نستمرّ عبر التسلح ، أو نرفض كليّاً الدخول في متاهات العنف، ونجمّد الحركة. وقد أخترنا رفض الخوض في العنف وإيقاف "حركة الوعي". و"حسناً فعلنا".

أثمن هدية للبنان الكبير عشية مئويته

بعد ذلك، انتقل الدويهي إلى البحث في ثورة 17 تشرين وآفاقها. توقف أولاً عند الطابع الشعبي العارم لهذه الانتفاضة العفوية المفاجئة، وعند طابعها الموحّد على امتداد لبنان من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، كحركة عابرة للطوائف والمذاهب والمناطق، ترفع شعارات واحدة وتتكلم لغة واحدة، في بلد يسوده الكثير من الانقسام والتفكك. لأنها منبثقة من وضع بائس يشكّل إهانة فادحة للكرامة البشرية. "ومن اللافت والمفرح"، أضاف، " ان تكون ظهرت هذه الثورة عشية مئوية لبنان الكبير"، قائلاً : " إنها أجمل وأثمن هدية إلى لبنان الكبير". وذكر أنه كان يحضّر كتاباً عن نظرته إلى لبنان الكبير في مئويته، وقد وضع العديد من الأفكار والملاحظات بهذا الشأن. لكن بعد ثورة 17 تشرين، وجد نفسه مضطراً لإعادة النظر في العديد منها.

التحوّل داخل الأفراد، محرّك المنعطفات المجتمعية الكبرى

وتساءل لماذا أحدث هذا الحراك الشعبي تغيراً في نظرته إلى لبنان الكبير؟ أجاب: " لأنه، إضافة إلى طابعها الشعبي والموحّد البارز، تحمل هذه الثورة بعداً ثقافياً بالغ الأهمية، شأنها شأن جميع الثورات الحقيقية". فهي تشكّل حدّاً فاصلاً بين زمنين، ولبنان بعدها لن يكون كما كان عليه قبلها. البعد الثقافي يتجلّى فيها، في التحرّر الداخلي لعشرات آلاف الأفراد، الذين لم يعودوا هم أنفسهم. هذا التحوّل داخل الأفراد هو أعظم وأعمق ما حملته هذه الثورة. إنها حرية الروح، التي متى انطلقت، فلا شيء يقوى عليها. إنها الولادة الجديدة لعشرات آلاف الرجال والنساء المتحررين في داخلهم، الذين لم يعودوا مرتهنين لأحد، الرافضين بعد اليوم الوقوف عند عتبة أحد، المؤمنين بقدرتهم على تغيير مجتمعهم وصنع قدرهم بأنفسهم. هذه هي حرية الروح، أعمق الحريات وأشدها. وهذه هي الخميرة التي تصنع التاريخ.

وتساءل الدويهي: "كيف تمّت النهضة الأوروبية مثلا، نهضة النصف الثاني من القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر". صحيح كانت هناك معطيات تاريخية جديدة، لكنها تجسدت في تحوّل الأفراد، الذين باتوا يؤمنون بمفهوم التقدّم، وهو لم يكن موجوداً في القرون الوسطى. ويتحلّون بالعقل النقدي الذي يقيّم المعارف والأفكار والمفاهيم، ويأبى الموافقة العمياء. ويؤمنون بقدرة الإنسان على تغيير المجتمع والعالم، بينما كان تغيير أي شيء في القرون الوسطى منوطاً بالمشيئة الإلهية وحدها. وباتوا يقدّمون الاهتمام بالحياة الأرضية وبالسعادة البشرية على الاهتمام بالحياة الأبدية. هذا التحوّل داخل الأفراد، هو الذي أوصل إلى فكر التنوير، ثم الثورة الفرنسية الكبرى، وإلى إسقاط النظام القديم برمته، وتكريس الحداثة.

ثورة الدفاع عن " نمط الحياة اللبناني"

يعتقد المفكّر الاجتماعي الكبير ألكسي دو توكفيل، الذي عايش مجريات الثورة الفرنسية، بأن التوق إلى المساواة هو محرك التاريخ.

أجل، التوق إلى المساواة يفعل فعله في الثورة اللبنانية. لكن لكل ظاهرة ثورية خصوصياتها. ولا شك في أن الثورة اللبنانية مختلفة مثلا عن الثورة السورية، المنبثقة من تراث طويل من القمع، ومن الانغلاق على العالم الحديث. اما الثورة اللبنانية فمنبثقة من تراث الحريات، الذي رافق الكيان اللبناني منذ ظهوره في العام 1861، ومن تراث التفاعل والانفتاح على العالم وعلى العصر. وانا أرى ان الحراك الشعبي الكبير، الذي نعيشه منذ 17 تشرين، هو في عمقه ثورة للدفاع عن نمط الحياة اللبناني. هذا النمط هو على الأرجح أهم إنجازات التجربة اللبنانية من 1861 إلى اليوم. وهو نموذج حياة فريد من نوعه في الشرق. وهو النموذج الذي كان العالم العربي كله، من المحيط إلى الخليج، يتوق إليه ويحلم بعيشه.

هو ان تولد حراً، وتعيش حراً، وتموت حراً. على مدى اجيال متوالية من البشر. حيث لا رقيب يسكن النفوس منذ نشأتها، يعقمها ويحصي عليها انفاسها، يقتل حسها النقدي وقدراتها الخلاقة. وحيث الفرح بالحياة، المتحرر من سلطان الخوف ومن هاجس العقاب. وهو ان تنهض كل صباح فتفعل ما تشاء بيومك، وتعبّر كما ترغب عن رأيك ومشاعرك. هو ان تملك المكتبة التي تريد، وتقرأ الصحف التي تريد، وان تسافر الى حيث تريد وتعود. ان تربّي أولادك بحرية وتضعهم في المدارس والجامعات التي تريد. أن تسعى دوماً إلى رفع نوعية حياتك وحياة عائلتك، المعرفية والغذائية والصحية والطبية. وان تشعر ان وطنك لبنان هو "أجمل بلد في الدنيا"... هذا هو "نمط الحياة اللبناني" الذي تسعى ثورة 17 تشرين الى الدفاع عنه. وهو رايتها الحقيقية. لأن هذا النموذج من الحياة بات مهدداً بالزوال. المنظومة الحاكمة المتوالية على السلطة حوّلت لبنان الفريد الجميل الى ما يشبه مزبلة العالم.

عجز المنظومة الحاكمة عن تقديم تنازلات

تتوق هذه الثورة، مثلها مثل كل ثورة، إلى تكوين سلطة بديلة. هل تستطيع ذلك؟

لكن ما هي السلطة التي تواجها.

ثمة بعدان أساسيان في هذه السلطة:

البعد الأول، تشكل السلطة القائمة منظومة واسعة متوالية على الحكم من زمان. وقد تحوّلت شيئاً فشيئا أخطبوطاً هائلاً، له رؤوسه المعروفة، وله مئات الأيدي والأرجل، المتشعبة، الواصلة إلى كل مكان. وقد قام هذا الأخطبوط بعملية هدر ونهب أموال شعب لبنان وموارده بما يفوق الوصف، بحيث وقعت البلاد أرضاً في نهاية المطاف. إضافة إلى ذلك، بات لبنان يضم مليوني مهجّر ولاجئ، أي ما يساوي نصف عدد مواطنيه. وباتت تقوم فيه دولتان، واحدة رسمية، والثانية مستترة. والثانية أقوى بكثير من الأولى.

ما يميّز هذه المنظومة أنها مترابطة، متواصلة، متواطئة في ارتكاباتها، على اختلاف تنظيماتها، وعقائدها، وشعاراتها، ومشاربها، وطوائفها، ومذاهبها، من الأقصى إلى الأقصى، ومن النقيض إلى النقيض. فهي تشكل في الحقيقة "الحزب الأقوى" في لبنان. لا تستطيع هذه المنظومة تقديم تنازلات فعلية للثورة، لآنها تخشى، إن انهارت حلقة منها، أن تكرّ السبحة شيئاً فشيئا وتأتي على جميع الحلقات. وكل ما رأيناه وسوف نراه، من استقالة هنا، وتقديم ملفات الى القضاء هناك، وأوراق إصلاحية هنالك، ليس أكثر من ذرّ الرماد في العيون، لن يفضي إلى تحوّل حقيقي وجذري.

المفهوم البوليسي للتاريخ

البعد الثاني، هو ان المنظومة الحاكمة التي تواجه الثورة اللبنانية تحمل مفهوماً بوليسياً للتاريخ. وهذا المفهوم هو سلاحها الوحيد إزاء ما يجري. ويقوم هذا المفهوم على الاعتقاد الضمني، او المعلن، بأن القوة المسلحة وأجهزة المخابرات ووسائل القمع هي محرّك التاريخ. لذلك، بدلا من تفهم الحراك الشعبي والتفاعل الحقيقي معه للوصول إلى حلول، تراهن على استنزاف قواه، وإضعاف ديناميكيته مع مرور الوقت، واللجؤ إلى قمعه حين تدعو الحاجة.

لكن المفهوم البوليسي للتاريخ وهم كبير يسكن الحاكمين ويدفعهم إلى إنكار الواقع. ذلك ان الأفكار والقيم هي المحرّك الحقيقي للتاريخ، وليس القوة المسلحة، الاستخبارية والقمعية. هكذا انهار فجأة الاتحاد السوفياتي، أكبر قوة مسلحة بوليسية، في القرن العشرين.

شارع قبالة شارع؟ وهم كبير يجب كشفه

وثمة مقولة شائعة لدى المنظومة المتوالية على الحكم، ويرددها دعاتها على بعض الشاشات، تفيد: ليس الشارع المنتفض هو الشارع الوحيد في لبنان. هناك شارع آخر، متعارض معه، يساويه أو يفوقه عدداً. شارع قبالة شارع.

لا شك في أن المنظومة الحاكمة، بكل أطرافها وتشعباتها، قادرة على الحشد، وإبراز قوتها البشرية. لكنّ شعار "شارع قبالة شارع" هو عملية خداع كبيرة لا بد من كشفها. ذلك ان الشارعين مختلفين بعمق في طبيعتهما، ونوعيتهما، ومعناهما التاريخي. فالمسألة ليست مسألة عدد فقط، بل مسألة نوعية ومعنى ووجهة، أيضاً وخصوصاً.

هنا شارع الأمل والضوء والكرامة البشرية وصنع التاريخ، وهناك شارع اليأس والرضوخ والظلمة والانجذاب الى القاع.

مهما كان عدد هذا الشارع وذاك. وسواء كان شارع الثورة يضم مليون شخص، أو اكثر، او أقل، وسواء اشتدت حيوته أو خفتت، وازدادت قدرته على الاستقطاب أو تدنّت، فهو سيعود وينطلق بقوة أكبر من جديد، وسيكون هو لا محالة صانع التاريخ اللبناني الجديد.

"ثورة 17 تشرين تحوّل تاريخي ونوعي عميق، لا سابق له في لبنان الكبير منذ مئة عام. هي الحد الفاصل بين زمنين، ولن يكون شيء في بلاد الأرز بعدها كما كان عليه قبلها"، قال الدويهي منهياً مداخلته على تل زغرتا، قبل ان يفتح باب النقاش مع الحاضرين على مدى ساعتين من الحوار الهادئ، الشامل، كان تقطعه من حين لآخر زمامير السيارات، وصوت جرس كنيسة مار يوحنا المعمدان القريبة.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
لبنان: محاصرة المحتجين للمعابر تدفع النواب للعبور سراً إلى البرلمان
لبنان: حكومة دياب أمام امتحان كسب الثقة الداخلية والخارجية
الحكومة اللبنانية تتجه لاقتراض نحو 4 - 5 مليارات دولار لشراء القمح والوقود والأدوية
لقاء عون ودياب لم يذلل عقدة تأليف الحكومة... والمتظاهرون يعودون إلى الشوارع
اندلاع اشتباكات لليلة الثانية خلال احتجاجات في لبنان
مقالات ذات صلة
لبنان: ما يميّز يومنا عن فترة 1998 - 2005 - حازم صاغية
حكومة لبنان الجديدة: مسك ختام الانقلاب - سام منسى
«ثقافة» العقاب الأسدية في بيروت - حازم صاغية
عن مسارات «الزعامة» في لبنان - حازم صاغية
مطالب انتفاضة تشرين، خارطة طريق نحو الدولة الحُلم - ناصر ياسين
حقوق النشر ٢٠٢٠ . جميع الحقوق محفوظة