السبت ١٤ - ١٢ - ٢٠١٩
 
التاريخ: تشرين الثاني ١٧, ٢٠١٩
المصدر: جريدة الشرق الأوسط
«طَهْوَجَة» في تحليل الأوضاع العراقيّة واللبنانيّة - حازم صاغية
يقولُ بعضُ دارسي القسوة إنَّ مَن يتعرَّضون للتعذيب يُصدرون أصواتاً بدائيَّة لا تنتمي إلى النطق واللغة. التعذيب يعيد الأصوات التي تنبعث منهم إلى الأصول البيولوجيّة الأولى، أصولنا السابقة على اختراع اللغة كأداة للتواصل والتفاهم.

شيءٌ من هذا القبيل نسمعه اليوم ما بين بيروت وبغداد. حكَّام العاصمتين يقولون كلاماً لا يؤلِّف معنى، كلاماً يناقض أوّلُه آخرَه. ما هو وصفٌ فيه لا يتّصل بالموصوف، وما هو علاجي فيه أشبه بالمرض ذاته.

بطبيعة الحال، فإنّ هؤلاء النافذين أشبه بممارسي التعذيب لا بضحاياه. مع هذا، لا بدّ أنّ الموقع الذي يدافعون عنه، أو يحاولون تبريره، يمارس عليهم تعذيباً من نوع آخر. المهمّة التي يتصدّون لها تقارب الاستحالة وتجعلهم يطلقون أصواتاً متضاربة أو غير مفهومة، أصواتاً لا تؤلّف معنى.

رئيس جمهوريّة لبنان، في حديثه الصحافيّ، دعا شبّانه المنتفضين إلى الهجرة ما داموا لا يجدون في السلطة من يستحقّ محاورتهم. راهنَ على «تاريخه» الشخصي كضمانة للمستقبل. اتّهم الدول الغربيّة بتقويض الاقتصاد اللبناني والضغط على لبنان لتوطين اللاجئين السوريين.

اللغة، هنا، لم تؤدّ وظيفة التفاهم. كانت أقرب إلى أصوات سابقة على اللغة أشعلت البلد كلّه بما أثارته من سوء تفاهم. رئيسٌ هو «بي (أب) الكلّ» يدعو أبناءه إلى الهجرة، ويعوّل على تاريخه الذي سبق أن ساهم في تهجير آبائهم، ويُفتي في أمور الغرب والتوطين من دون إيراد معلومة واحدة مفيدة!

إنزال ميشال عون إلى الحلبة كان استئنافاً لسياسة استعراض الأسلحة الثقيلة: رياض سلامة المصرفي وحسن نصر الله المقاوم. الأسلحة كلّها بدت خفيفة جدّاً بوصفها أدوات قادرة على الإقناع. لم يبرهن أي منهم أنّ فعاليّته تفوق فعاليّة نائب مضطرب من «التيّار الوطني الحرّ» أو «محلّل استراتيجيّ» من «حزب الله». الرغبة في تسمية محمد الصفدي لرئاسة الحكومة توّجت هذه الخفّة: الناس يصرخون في الشوارع ضدّ «زيتونة باي» ويقتحمونها، فيما يُراد تسليم مفاتيح السلطة إلى «زيتونة باي».

خطاب نصر الله الأخير حاول أن يقنعنا بأنّ الوضع الاقتصادي البائس في لبنان هو من نتائج المؤامرة الأميركيّة إيّاها. اقترح علينا عدداً من النماذج المأزومة لبلدان منكوبة يمكننا أن نطلب منها العلاج. اقترح أيضاً استجلاب استثمارات صينيّة لا يحول دون قدومها إلاّ الولايات المتّحدة التي تمنع السلطة اللبنانيّة من استضافة الصينيين. زعيم حزب الله لم «ينتبه» إلى حقائق بسيطة منها أنّ الحرب التجاريّة المندلعة بين أميركا والصين ما كانت لتندلع لولا حجم التبادل الهائل بين البلدين. الزميل مهنّد الحاج علي ذكّرنا، في موقع «المدن»، بمعلومات أوّليّة أخرى فاتت نصر الله: «لماذا لم تنفق الصين ملياراً واحداً حتّى الآن في إعادة إعمار سوريّا، سيّما أنّ واشنطن لا تملك أوراق ضغط على النظام هناك؟ الإجابة هي أنّ الصين تستثمر حيث ترى مجالاً لعائدات كبرى. والحقيقة أنّ الاستثمارات الصينيّة الكبرى في المنطقة تقع غالباً في دول حليفة لواشنطن، من مصر والمغرب ودول الخليج. والشروط الصينيّة قاسية، وفي حالات كثيرة هي غير مربحة للاقتصاد المحلّي للدول المستثمَر فيها، كما تراعي بكين السياسات الأميركيّة في المنطقة، مثلما يحصل في الملفّ الإيرانيّ».

بالتوازي، كان العراق يشهد شيئاً مماثلاً. يقال، من جهة، إنّ الثورة العراقيّة لا تعدو كونها مؤامرة أميركيّة لتدمير العراق الوطني ومعه الصداقة العراقيّة - الإيرانيّة! ويقال، من جهة أخرى، إنّ المسؤولين عمّا يجري، ممن يثور الشعب عليهم، هم أولئك الذين نصّبهم الأميركيّون على العراق في 2003. إذا جمعنا هاتين «الحقيقتين» انتهينا إلى النتيجة التالية: إنّ الشعب العراقي يثور على من نصّبهم الأميركيّون من أجل تدمير العراق وصداقته مع إيران!

وبالطبع ففي تضاعيف كلّ واحد من التناقضات تقيم تناقضات أخرى: مثلاً: إنّ الذين نصّبهم الأميركيّون على العراق، رحّبت إيران بهم وبتنصيبهم، لا بل وصل بعضهم كآل الحكيم من طهران إلى بغداد مباشرة بعدما دخلها الأميركيّون...

أهمّ من ذلك: كنّا قرأنا، في هذه الغضون، مئات التحليلات التي تقول إنّ «الصداقة» الإيرانيّة العراقيّة لم تنشأ وتتطوّر إلا بنتيجة الانسحاب الأميركي الذي أعطى طهران فرصتها لـ«ملء الفراغ في العراق».

هذه «الطَهْوَجة» في التحليل ليست بنت اليوم بطبيعة الحال. في 2005 مثلاً جرّب اللبنانيّون أن يفهموا كيف أنّ الذين اغتيلوا عملاء لأميركا وإسرائيل اغتالتهم أميركا وإسرائيل. عقول كثيرة ما انفكّت، منذ ذلك الحين، تحاول حلّ ذاك اللغز فيما يُعييها الفشل.

بيد أنّ الوضع اليوم صار أشدّ تعذيباً لمُبرّريه. تزويج الفيل والنملة لا ينتج عرساً. إذن: إلى مزيد من «الطهوجة» والكلام الذي لا يعني. لنلاحظ مثلاً كيف تتوازى الحجّتان الرئيسيّتان في العراق ولبنان: تقول الأولى: إنّ «الحشد الشعبيّ» و«حزب الله» يؤيّدان انتفاضتي شعبيهما لكنّهما يحذّران منهما. وتقول الثانية: «الحشد» هزم «داعش»، و«الحزب» هزم إسرائيل، لذا يحقّ لهما ما لا يحقّ لغيرهما. في الحجّتين التأسيسيتين هاتين تقيم «الطهوجة» الأمّ التي يفجّرها سوء نواياها. الباقي تفاصيل.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
مجموعة الدعم الدولية إلى لبنان: فرصة 6 أشهر للإصلاح أو انهيار شامل
باسيل لن يشارك في الحكومة المقبلة وسيمارس {معارضة قوية}
اجتماع باريس يدعو إلى تشكيل حكومة والحريري على موقفه
لبنان: دعوات لإضراب ومظاهرات... ومحتجون يغلقون طرقاً في طرابلس
المتظاهرون في لبنان يتجهون إلى التصعيد لإسقاط الحكومة قبل تشكيلها
مقالات ذات صلة
5 ملاحظات سريعة على هامش الثورة اللبنانية والثورات عموماً - حازم صاغية
لبنان: المواقف الدولية الباهتة وممارسات السلطة المستفزة - سام منسى
التعامل مع حزب الله كمعضلة تواجه التغيير في لبنان
السلطة تتقدم لاستعادة مواقعها... والانتفاضة ترد بحذر - حسام عيتاني
الوطنيَّات الجديدة والتاريخ المفتوح في منطقتنا - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة