الأثنين ٢٣ - ٩ - ٢٠١٩
 
التاريخ: آب ٣٠, ٢٠١٩
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الكذبة السياسية والدستورية لإلغاء الطائفية - هيام جورج ملاّط
من اللافت حالياً مطالبة بعض السياسيين والمواطنين بإسقاط النظام الطائفي في لبنان وكأنه نظام مماثل لبعض الأنظمة السياسية التي سقطت في العالم العربي. فالنظام الطائفي في لبنان لا ينحصر بإسقاط شخص كما كانت حال الأنظمة العربية التي سقطت، بل بإسقاط نظام اجتماعي وثقافي بكامله. وبالتالي إن المطالبة بإلغاء النظام الطائفي تبدو على قياس رغبات كل فرد أو جمعية أو طائفة. لماذا؟

لأن إلغاء الطائفية السياسية في لبنان هو إلغاء لنظام اجتماعي وثقافي واقتصادي مميز ومتجذر في التاريخ السياسي نتيجة التطور اللبناني حتى منذ ما قبل نشأة الإمارة المعنية عام 1516 ومن خلال نشاط المؤسسات السياسية والإدارية اللبنانية منذ قرون، إن في جذوره أو خصائصه السوسيولوجية أو مؤسساته. ولعل البعض يجهل ان نشأة النظام الطائفي هذا تعود في الأصل إلى عوامل ليست مرتبطة بالتنوع الطائفي وحده، بل بعلاقة أبناء الطوائف بأراضيهم، والإشغال التدريجي للأرض. وهو ما ترسخ مع تقلبات الظروف في مختلف العصور إلى أن شهدت نشأة المجتمع اللبناني وتطوره. وقد عمل فخر الدين الثاني بهذا الواقع واعتمد لنفسه مستشارين ومعاونين من مختلف الطوائف. هذا الأمر لا يعني أن المدن الأخرى الداخلة ضمن الولايات العثمانية وغير الملحقة بنظام الإمارة في جبل لبنان لم تعرف هذا الخليط، ولكن خصوصية جبل لبنان تكمن في إضفاء طابع الميزة السياسية التي اقترنت تدريجاً بنصوص مؤسساتية.

وفي موضوع الخصائص السوسيولوجية، لا بدّ من الإشارة الى أن النظام الطائفي لم ينشأ قبل 1861 نتيجة فرمان أو قرار سلطاني أو أميري، بل انه فرض نفسه من خلال قيام رجال ونساء من مختلف الطوائف باعتماد وسائل العيش - وفي بعض الأحيان المكافحة من أجل البقاء في مجتمع يتميز بالتناقضات والصراعات الدموية جداً - كما يشهد بذلك تاريخ لبنان، وهي وسائل عيش مشتركة فرضها الواقع المجتمعي أولاً. أقر هذا المجتمع بعادات اعتمدها للعيش والصلاة والتعليم والعمل، وخصوصا بالعيش جنباً إلى جنب مع الآخر الى درجة ظهور العائلات الروحية للبنان بشكل واضح عند إعلان الدستور عام 1926. فهذه التجربة جنبت لبنان المغامرات والانقلابات العسكرية والتأميمات، وقد أثبتت إيجابيتها طالما لم تعترضها سياسات الدول الكبرى أو الدول المجاورة أو مزاجيات سياسيين يتلهّفون إلى السلطة.

أما في المجال المؤسساتي، فقد اقترنت هذه التجربة الإنسانية الفريدة في الشرق الأوسط مع ما نتج عنها من نشأة للحرية ابتداء من القرن السابع عشر كما شهد بذلك الرحالة الأجانب، بما قاد بعد ذلك إلى عقد مؤتمر بيروت الدولي عام 1861 وهو أول مؤتمر دولي من هذا النوع ينعقد في العالم لتقرير مصير منطقة داخلة ضمن دولة أخرى ومنحها حياداً إيجابياً. فلقد جاءت المادة الثانية من النظام الأساسي لمتصرفية جبل لبنان بموافقة الدول الكبرى وبخاصة السلطان العثماني الذي كان في حينه أمير المؤمنين وخادم الحرمين الشريفين، لتؤكد صوابية تركيبته الإنسانية من خلال اعتماد مجلس إدارة كبير مؤلف من اثني عشر عضواً مناصفة بين المسلمين والمسيحيين تثبيتاً لواقع تاريخي قائم ومؤشر صارخ لما جرى في ما بعد.

بناءً على ما سبق، فالنظام هذا ليس اصطناعياً مفروضاً بصورةٍ فوقية من قبل الغير. وبالتالي لا بدّ من المحافظة على التحليل العلمي ومحاولة إعطاء منحى منهجي متماسك لهذا الجدل الذي يعتبر كل مواطن لبناني انه معني به حكماً ومباشرةً. وفي بادئ الأمر لنميّز بين الخطاب الدستوري والخطاب السياسي.

فعلى مستوى الخطاب الدستوري، على ماذا ينص الدستور الذي هو القانون الوضعي ومصدر أي نقاش دستوري ومرجعه في الديموقراطيات الطبيعية؟ من العودة إلى مضمون أحكام المادة 95 المعدلة من الدستور، وتوضيحاً للأمور حيث إن من الممكن لكثيرين من اللبنانيين الذين لم يطلعوا يوماً على مضمون هذه المادة أن يلتزموا كالعادة المواقف الجدلية، نرى أن أحكامها شملت ثلاثة أمور:

1- صلاحية إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية: يعود لمجلس النواب وحده المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة بناء على دعوة من رئيسه بطبيعة الحال لإنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية – على ان تُشكل برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وشخصيات سياسية وفكرية واجتماعية.

2- مهمة الهيئة: حددت الفقرة الثانية من المادة 95 من الدستور مهمة الهيئة بدراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلس النواب ومجلس الوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية.

3- المرحلة الانتقالية: ما هي هذه المرحلة الانتقالية التي تمارس حالياً في نظامنا السياسي؟ ان الفقرات الأخيرة من المادة 95 من الدستور قد حددت هذه المرحلة بما يأتي:

(أ‌) تمثيل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة؛ و(ب) إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي مع اعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الأولى منها حيث توزع هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين من دون تخصيص أية وظيفة لأية طائفة مع التقيد بالاختصاص والكفاءة.

ماذا يمكن استنتاجه من هذه المراجعة للنص الدستوري؟

1- اعتماد المشاركين في مؤتمر الطائف تعديل النص الأصلي للمادة 95 الموضوع أصلاً من قبل مشرّعي الدستور بحكمة وذكاء، مع تضمين هذا التعديل آلية محددة لإنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية.

2- الخلط أو التمييز (بحسب ما يرتأيه كل محلل وفقاً لمواقفه) بين إلغاء الطائفية السياسية كما ورد في الفقرة الأولى من المادة 95 من الدستور وإلغاء الطائفية كما ورد في الفقرة الثانية من المادة المذكورة – حيث ان عدم ذكر عبارة "السياسية" في هذه الفقرة يؤكد ان مهمة الهيئة المشكلة هي إلغاء "الطائفية" وليس "الطائفية السياسية". ولكن في هذه الحال – والدستور صامت فيها – هل يمكن المجلس ان يقدِم على هذه الخطوة منفرداً، بدون التعاون أو التفاهم مع السلطة التنفيذية ومع رئيس الجمهورية المفترض فيه ان يترأس هذه الهيئة؟

3- إمكان قيام طرح موضوع إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية في مجلس النواب وفقاً لمنطق المادة الدستورية واتخاذ القرار بالأكثرية العادية وإلزام رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء الانضمام الى هذه الهيئة وترؤسها من قبل رئيس الجمهورية – علماً ان الدستور لم يتضمن أية أحكام من شأنها معالجة تحفّظ رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء عن طرح إنشاء هيئة كهذه، مما يعني ان أي قرار غير ملائم في هذا الشأن إن لجهة إنشاء الهيئة أو لجهة الانضمام إليها يشكل مدخلاً لأزمة دستورية وسياسية محتملة.

4- اعتماد المادة 95 من الدستور عبارتين متناقضتين لهما انعكاسات كبيرة على أعمال الهيئة ونتيجة أعمالها. فالفقرة الثانية من المادة 95 أوردت ان من مهمات الهيئة وضع "الخطة المرحلية" لإلغاء الطائفية (وليس الطائفية السياسية حيث سقطت هذه الكلمة في صياغة الفقرة المذكورة) في حين أن الفقرة الثالثة اعتمدت عبارة "المرحلة الانتقالية" التي لحظت توزيع وظائف الفئة الأولى مناصفة بين المسيحيين والمسلمين. وهنا يُطرح السؤال: هل ان الخطة المرحلية تلتزم المرحلة الانتقالية، وهل ان الهيئة ستلتزم المناصفة بين المسيحيين والمسلمين كفرضية وكسب دستوري نهائي ام لا؟ وما هو مصير سائر مواد الدستور المتعلقة بحقوق الطوائف والممارسة الدستورية؟

من هنا يتبين ان تعديل المادة 95 قد صيغ بشكل متسرع ومن دون الحذر اللازم الذي سبق وتوافق عليه واضعو الدستور عام 1926، وقد فتح مجالاً واسعاً لجدل كبير، مما سيولّد أزمة دستورية وسياسية بغاية الدقة والخطورة. ولهذا السبب بالذات يقتضي على الخطاب الدستوري أن يبقى ضمن منهجية متماسكة لرصد الأحكام الدستورية وتطبيقها كما هو معمول به في الأنظمة الديموقراطية التي تدرّس في جامعات الحقوق لكي لا يطغى عليه فوراً – ومن الممكن ان نقول غرائزياً - خطاب سياسي مليء بما يقال وبما لا يقال.

لماذا؟ لأن من أبرز خصوصيات الخطاب السياسي اللبناني انه يهدف إلى إبراز نفسه بأنه متماسك طبيعياً بالنسبة إلى مسلّمات سياسية، في حين أن الشجرة تحجب غابة من سوء التفاهم ومن الشكوك. وموضوع الطائفية بالذات هو بغاية الدقة في لبنان لأنه خلاصة تطور طبيعي خلال قرون عدة للمجتمع اللبناني الذي تمكن من تكوين نفسه انطلاقاً من هذا التضامن الطائفي بالذات. فالمجتمع اللبناني بمختلف مقوماته الدينية والسياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية قد سبق نشأة الدولة اللبنانية، وهذا ما يجب ألا ننساه حيث ان الدستور بالذات قد اقرّ بهذا التراث الإنساني للمجتمع اللبناني. ان طرح إلغاء الطائفية السياسية من منظار دستوري بحت يدفع بطرح القضية حكماً على المستوى السياسي لرصد مقومات خيار كهذا حيث من الممكن أن ينفذ سريعاً الى مغامرة سياسية ذات انعكاسات غير متوقعة. لماذا؟ لانه أبعد من محاولة تجاوز التوزيع الطائفي البسيط للوظائف العامة، من الممكن أن ننتهي سريعاً الى المقومات المتجذرة لنشأة هذا المجتمع من خلال التطرق إلى أساسات تاريخية هي، إن رغبنا أم لا، أصلب من مؤسساتنا السياسية بالذات. والمثل الأبرز في هذا المجال هو ان سقوط الدولة بين 1975 و1990 لم يؤدِّ الى سقوط المجتمع اللبناني الذي وجد في جذوره الدفع اللازم للاستمرار. هذا لا يعني بالضرورة أن على المجتمع اللبناني ان يستقر في موقع دفاعي خامد لما يمكن ان يعتبر بمثابة امتيازات أو تراث تجاوزه الزمن. ان العمل في سبيل الإنسان ومع الإنسان يبقى من الأمور النبيلة والمجحفة في آن. وعلى الذكاء اللبناني - أو ما بقي منه - ان ينظر بجدية إلى سيناريوات التقدم لمؤسساتنا. ولكن قيام النواب في الطائف بصورة متسرعة وبمبادرة شخصية لتعديلات دستورية من دون أن يترقبوا خطورتها حيث تم نقل أو تعزيز سلطات بعض المراكز بدلاً من توازنها، أدى إلى ما نعيشه اليوم على مستويات دستورية عدة من تفسيرات ومواقف متسرعة أو غير مبررة. لذلك يقتضي علينا أن نحافظ على حكمة الحوار وبرودة الأفكار ونؤكد استحالة تحويل التاريخ وتراث الأجيال إلى خبر سياسي يومي وعادي.

لماذا أيضاً؟

لأن من خصوصيات السياسات الواقعة في الأزمات أو التي هي في وضع التدهور ان تدفع بطروحات ذات أهمية تاريخية كبيرة لتغطية فشلها في خدمة المواطن ومواجهة التحديات التي تجتاح عمق المجتمع والسياسة في شرقنا الأدنى الحالي.

محامٍ وأستاذ جامعي - رئيس مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمحفوظات الوطنية سابقاً


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
واشنطن ترفض منح تأشيرة دخول لوزير الصحة اللبناني
الحريري يعلق العمل في تلفزيون المستقبل لأسباب مادية
دعم مالي سعودي للبنان يواكب انطلاق "سيدر"
المحكمة الدولية تتهم قيادياً في «حزب الله» باغتيال حاوي ومحاولة قتل حمادة والمر
تضامُن مع صحيفة لبنانية لوحقت لانتقادها نفوذ إيران
مقالات ذات صلة
هل على لبنان أن يخوض حرباً من أجل فك الحصار عن إيران؟ - حارث سليمان
عثمانيون وفينيقيون: تأسيس الأوطان وتفكيكها - حازم صاغية
لبنان: فينيقي... عثماني أم عربي؟ - حسام عيتاني
الحذر الإسرائيلي من شبح التسوية - سام منسى
لبنان: وطنيّات كثيرة ونشيد واحد - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة