الجمعه ٦ - ١٢ - ٢٠١٩
 
التاريخ: آب ٢١, ٢٠١٩
المصدر: جريدة الحياة
الشباب العربي ومواقفه من الدين - محمد شومان
"هل بدأ الشباب العربي يدير ظهره للدين"، عنوان اختاره موقع "بي بي سي عربي" لنشر ملخص لما أطلق عليه: "الاستطلاع الكبير... آراء حول الدين والتوجه الجنسي والهجرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، وهو عنوان مثير وجاذب ومتحيز بلا أدنى شك. لذلك، ووفقاً لـ "بي بي سي عربي" فإن هذا الملخص كان وما يزال الأكثر قراءة من الجمهور منذ نشره لأول مرة في يونيو (حزيران) الماضي وحتى الأسبوع الجاري.

تحيز "بي بي سي" في نشر ملخص الاستطلاع واضح، إذ أنه لم يوصف بأنه موجه إلى الرأي العام العربي، إنما إلى سكان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، علماً أنه لم يشمل إسرائيل وتركيا وإيران وسورية.

استخدمت المحطة، على غير عادتها، أفعل التفضيل في وصف الاستطلاع والترويج له، فهو أكبر، وأوسع، وأعمق استطلاع للآراء يجري لصالح "بي بي سي عربي". وذلك على رغم كونه الاستطلاع الخامس في سلسلة من الاستطلاعات التي أجرتها "شبكة البارومتر العربي البحثية"، والتي تدّعي الاستقلال. وأقول "تدّعي" لأنه لا وجود لوسيلة إعلام أو لمؤسسة بحثية مستقلة تماماً، فثمة علاقات معلنة أو غير معلنة تؤثر في أداء المؤسسات البحثية واستقلالها، وبطبيعة الحال فإن درجة الاستقلال أو التبعية، تختلف بين بلد وآخر حول العالم، وفقاً للحريات المتاحة والتقاليد والأعراف ومواثيق الشرف وآليات الرقابة المجتمعية، لكن في المجمل لا وجود لمؤسسة بحثية مستقلة تماماً، إنما يمكن الحديث عن استقلال نسبي مشروط بعوامل ومتغيرات كثيرة.

في هذا السياق، يمكن التعامل مع أداء "شبكة البارومتر العربي البحثية" ونتائج ما تطلق عليه استطلاعات للرأي العام، والتي انطلقت منذ العام 2006، وأجرت 50 استطلاعا وفق ما نشر موقعها الرسمي في 15 دولة عربية، كان معظمها في أجواء ما يسمى "الربيع العربي" العاصف وما طرحه من آمال ومخاوف لدى الشعوب والحكومات العربية. وأعتقد أن هذا المناخ يمنح استطلاعات "البارومتر العربي" أهمية كبيرة، إذ أنه سجل ولعدة سنوات متتالية آراء قطاعات واسعة من الرأي العام العربي إزاء قضايا مهمة كالتحول الديموقراطي والأداء الحكومي والفساد والحوكمة والمساواة بين الرجل والمرأة والقيم الأساسية في المجتمع.

أتصور أن استمرارية هذه الاستطلاعات ووجود مقارنات بينها عبر السنين يسمح للباحثين العاملين في "شبكة البارومتر العربي" أو خارجها من إدراك بعض حقائق الواقع العربي وما طرأ عليه من تغيرات أو انقطاعات، خاصة وأن الشبكة تتيح بيانات ومعلومات شبكة كاملة عن كل أنشطتها واستطلاعاتها، ما يعني أنها حققت أحد أهم اشتراطات البحث العلمي المهني وهو الشفافية وإتاحة البيانات والمعلومات سواء على موقعها الرسمي أو لمن يطلبها من الإعلاميين أو الباحثين.

ومن أهم المعلومات المتاحة على موقع الشبكة تمويلها وطرق سحب العينة (إطار المعاينة) وطريقه جمع البيانات والعمل الميداني وأساليب التحليل، وهي أمور لا تتيحها أو تكشف عنها مراكز البحوث العربية أو الهيئات العربية التي تقوم بإجراء استطلاعات للرأي العام، وتتلقى شبكة البارومتر العربي تمويلها من مبادرة الشراكة الأميركية الشرق أوسطية، بي بي سي العربية، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي، جامعة برنستون، جامعة ميشيغان، جامعة هارفارد، مؤسسة الولايات المتحدة للسلام، والمعونة الأميركية، ومؤسسات أميركية أخرى، لكن السؤال الكبير والذي لا توجد إجابة عنه يتعلق بنسب كل هيئة من هذه الهيئات في تمويل استطلاعات "شبكة البارومتر العربي؟" لأن من البديهي أن صاحب النسبة الأكبر من التمويل سيكون أكثر تأثيراً من بقية المشاركين في التمويل، لكن الشبكة تتدعي أن الجهات المانحة لا تتدخل في اختيار موضوعات الاستطلاعات أو الأسئلة، وهذا أمر لا يمكن تصديقه، وغير منطقي.

على أي حال، هناك مقاربتان في مناقشة مجمل استطلاعات "شبكة البارومتر العربي"، بما فيها الملخص المنشور والخاص باستطلاع آراء حول الدين والتوجه الجنسي والهجرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا:

المقاربة الأولى: رفض استطلاعات الشبكة باعتبارها إحدى أدوات الهيمنة الغربية – الإمبريالية الناعمة على العالم، إذ أنها جزء من استطلاعات الباروميتر العالمي والذي يتضمن الباروميتر الإفريقي، الباروميتر الآسيوي، باروميتر آسيا الوسطى، الباروميتر اللاتيني، والباروميتر الجنوب آسيوي. وتجتمع هذه الشبكات الاخطبوطية التي تغطي العالم مرتين سنوياً مع قادة من هذه المشاريع من أجل تبادل الأفكار والخبرات وتنسيق أسئلة الاستطلاعات للمشاريع المختلفة.

باختصار، يفترض هذا المنظور وجود مؤامرة غربية – أميركية تهدف إلى معرفة آراء المواطنين عبر العالم – بما فيها المواطنون العرب – وتوظيفها لمصلحة السياسة الأميركية، بدليل أن الجهات المانحة في أغلبها أميركية ومرتبطة بدوائر صناعه القرار، كما لا يوجد ما يؤكد أو يثبت أن أسئلة الاستطلاعات محايدة تماما، أو أن كل المعلومات والبيانات التي تم الحصول عليها نشرت بالكامل. وفي هذا الإطار يمكن التشكيك بنتائج الاستطلاع الخاصة بالقيم والتدين التي قيل أنها لعينات تمثل الشباب العربي ورفضها.

المقاربة الثانية: التعامل النقدي الواعي مع استطلاعات "شبكة البارومتر العربي" اعتماداً على النظريات والأساليب العلمية في تحليل استطلاعات الرأي العام ونشر نتائجها، إضافة إلى مواثيق الشرف التي تنظم إجراء الاستطلاعات ونشرها في وسائل الإعلام وفي مقدمتها "بي بي سي عربي". وأنا شخصياً أميل إلى هذه المقاربة لأنها لا تركز على فكرة المؤامرة والتحيز المسبق، وإنما تجتهد في تحليل أساليب عمل الشبكة ونتائجها خاصة ما يتعلق بالتفسيرات والتعميمات التي انتهت إليها التقارير البحثية لكل استطلاع، لأن هذه النتائج ستصبح بغض النظر عن صحتها من أهم مكونات تشكيل الرؤية الأمريكية والغربية نحو المنطقة العربية وشعوبها، وبالتالي ستؤثر في عملية صناعة القرار السياسي.

من جهة أخرى، إن نتائج هذه الاستطلاعات قد تؤثر في إدراكنا عن أنفسنا كعرب وفي مكونات الهوية العربية خاصة لدى الشباب. وأتصور أن المقاربة الثانية تثير عدداً من الملاحظات النقدية عن أداء "شبكة البارومتر" وأعمالها، وعلى التغطية الإعلامية لنتائج الدورة الخامسة لـ"البارومتر العربي" والتي نشرتها "بي بي سي" ولعل أهمها:

الملاحظة الأولى: يدعي البارومتر أنه اعتمد على عينات احتمالية، يفترض فيها الدقة في تمثيل كل فئات وطبقات المجتمع في كل بلد عربي أُجري فيه الاستطلاع، وهو ادعاء غير صحيح لأن المنشور عن إجراءات المعاينة غير واضح ولا يحقق شروط العينات الاحتمالية وفق الإجراءات المنهجية العلمية المعروفة، خاصة وان أغلب الدول العربية لا تتوافر فيها قواعد بيانات إحصائية تتيح لجهة بحثية محلية أو أجنبية إطار معاينة سليمة تتضمن اختيار عينة احتمالية ممثلة للسكان.

الملاحظة الثانية: افتقار أغلب شركاء "البارومتر العربي" أي الجهات أو الأشخاص الذين طبقوا الاستطلاع في الدول العربية الي المعرفة والخبرة، فقد اعتمد البارومتر على بعض النشطاء ممن ليس لهم خبره أو تاريخ بحثي أو مؤسسات مجهولة، ما يفقد الاستطلاع الصدقية ويدفع للتشكيك في دقة وسلامة كثير من البيانات.

ولنأخذ على سبيل المثال شركاء "البارومتر العربي" في دورته الخامسة 2018-2019، إذ أشارت صفحته الرسمية الى منظمة أبحاث محلية في مصر من دون توضيح، ومنظمة أبحاث محلية في المغرب، كما أشار إلى أن الاستطلاع أُجري في ليبيا ولم يتسن إجراؤه في سورية! وهي أمور غريبة ومجهلة وتثير الشك، وبطبيعة الحال قد يقال إن الظروف السياسية قد لا تسمح بالإعلان عن اسم المنظمتين المحليتين، وهو أمر مرفوض في البحث العلمي، خاصة وأن كثيراً من أسئلة الاستطلاع تتسم بالجرأة والاشتباك المباشر مع أمور سياسية مثل أداء الحكومة ومؤسسات الدولة بما فيها الجيش والحوكمة والفساد والمشاركة السياسية.. وغيرها من الأمور بالغة الحساسية والتعقيد، والتي قد تثير أسئلة مشروعة حول مدي تسامح حكومات الدول العربية مع استطلاع اراء مواطنيها في مثل هذه الأسئلة؟ وهل وافقت الجهات الحكومية أم أن هذا الاستطلاع أجري بشكل سري؟

وبغض النظر عن إجابة السؤالين، من المرجح أن طرح أسئلة جريئة عن السياسة الداخلية والخارجية بهذا الشكل (انظر أسئلة استطلاع الدورة الخامسة للبارومتر https://www.arabbarometer.org/wp-content/uploads/ABV_SourceQuestionnaire_ARA_website-1.pdf)

تؤكد أن كل الدول العربية تعيش في مناخ ديموقراطي ينفي استنتاج البارومتر بأن لا تعيشه.

الملاحظة الثالثة: أن "شبكة البارومتر العربي" لا تجري استطلاعات للرأي العام كما تدعي، لأن الشروط العلمية والمنهجية المعروفة دوليا في صناعة الاستطلاعات تتطلب وجود قضية مثارة، محل جدل وخلاف، ويدور حولها نقاش حر يستند إلى معلومات وحقائق، ثم نقوم بطرح عدد محدود من الأسئلة حول هذه القضية لمعرفة آراء الناس في توقيت محدد، ما يعني أن آراء الناس (العينة ذاتها) قد تتغير بعد فترة زمنية تطول أو تقصر. أما ما يقوم به "البارومتر العربي"، فهو قياس لاتجاهات عينة غير ممثلة للرأي العام حول قضايا كثيرة تشمل السياسة والفساد والدين والمساواة بين الرجل والمرأة وعادات التعامل مع الإعلام وغيرها من القضايا. إذن نحن إزاء استطلاعات لاتجاهات شبه ثابتة، لعينة من الجمهور العربي، وليس استطلاعات للرأي العام العربي. وهو جهد طيب لا بد من توجيه الشكر على الباحثين العاملين فيه، لكن لا بد أيضاً من أن نطالبهم بتسمية الأشياء بأسمائها الصحيحة من دون ادعاء أو تضخيم.

الملاحظة الرابعة: أن الادعاء بابتعاد الشباب العربي عن التدين هو أمر مشكوك فيه تماماً، ويتعارض مع الملاحظات العامة في المجتمع، لكنها الإثارة التي تهدف إلى جذب القراء والمتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت، وهي مسؤولية موقع "بي بي سي"، الذي ارتكب مخالفات مهنية بالجملة، لأنه استخدم أوصاف وأفضل التفعيل كثيراً، كما سارع بنشر ملخص عن نتائج استطلاع الدورة الخامسة في تموز (يوليو) الماضي، على رغم أن التقرير النهائي للاستطلاع سينشر الشهر القادم، أي أن التقرير النهائي لم يكتمل بعد، ومع ذلك نشر موقع "بي بي سي" النتائج، وهو سلوك غير مهني يتعارض ومواثيق الشرف الخاصة بنشر نتائج الاستطلاعات، لأن التقرير النهائي قد يخلص إلى نتائج مغايرة لما جاء في الملخص المتعجل للموقع.

الملاحظة الخامسة تتعلق بمفهوم وإبعاد وصف الشخص بأنه متدين أو غير متدين، والاختلاف الثقافي بين العرب والأجانب في هذا الوصف، لأن المواطن العربي قد يصف نفسه بأنه غير متدين بمعنى أنه لا يواظب على الصلاة ولا يعني بذلك أنه ملحد، أتصور أن هذا الاختلاف الثقافي هو ما دفع "بي بي سي" وربما الدوائر الغربية الى التركيز على ادعاء أن الشباب العربي يبتعد عن التدين، وذلك على رغم أن هذا الموضوع كان مجالاً لثلاثة أو أربعة أسئلة فقط، لكن التركيز عليه جاء من باب الإثارة الصحافية، والنزعة الاستشراقية الموروثة، فضلا عن التفكير الغربي الذي يتمنى رؤية الشباب العربي غير متدين وأقرب للنموذج العلماني - الغربي في الحياة. أعتقد أن هذه الاعتبارات قد تفسر التركيز على الادعاء أن الشباب العربي بدأ يدير ظهره للدين، وأكرر أنه أمر غير صحيح، خاصة أن هناك كما سبق وأشرت مشكلات ترتبط بدقة العينات وعدم الثقة في دقة عمل شركاء "شبكة البارومتر" في بعض الدول العربية وافتقارهم الخبرة في البحوث العلمية واستبيانات الرأي.

* أكاديمي مصري وعميد كلية الإعلام بالجامعة البريطانية في مصر


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
رسالة جديدة من البغدادي: «العمليات على قدم وساق»
ضربات إسرائيلية «استباقية» لإيران في سوريا ولبنان والعراق
إسرائيل «تلاحق» إيران في العراق بموافقة أميركية وفي سوريا بـ«غطاء روسي»
إسرائيل توسع دائرة استهداف إيران
طهران تتحدى التحركات الدولية لضمان أمن الممرات
مقالات ذات صلة
... عن تطوّر النفوذ الإيراني في المشرق العربيّ - حازم صاغية
انهيار جدار برلين… عن جمهورية الخوف والتلصص التي كانت - عمرو حمزاوي
استحالة الإمبراطوريات في زمننا! - حازم صاغية
عن ثوريين يكرهون الثورات... - حازم صاغية
إذ يقصّ علينا قاسم سليماني قصّة حربـ«نا» - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة