الجمعه ١٣ - ١٢ - ٢٠١٩
 
التاريخ: حزيران ١٧, ٢٠١٩
المصدر: جريدة الشرق الأوسط
شرعية الإنجاز - مأمون فندي
«شرعية الإنجاز» ربما هي التفسير الوحيد الذي توصل إليه علماء السياسة لتفسير حالة الاستقرار السياسي في الصين ما بعد ماو تسي تونغ. في المقال السابق كتبت أن «الصين وصلت لنظام ديكتاتوري متميز يخص سرعة اتخاذ القرارات، ديكتاتورية شرعيتها الإنجاز وهي أخطر أنواع الديكتاتوريات، عندما يكون للديكتاتور إنجازات على الأرض، ليست دعاية كدعايات غوبلز وهتلر. الديكتاتورية التي تجعل من الإنجاز أساس شرعيتها يمكن لها أن تكون منافساً حقيقياً للنظام الديمقراطي الذي يعد البطء في اتخاذ القرارات إحدى سماته». «وكانت فكرة شرعية الإنجاز مدفونة في المقال السابق الذي كان مهموماً بالمعركة على المستقبل بين شركة هواوي الصينية وأبل الأميركية».

منذ ثمانينات القرن الماضي وفي صين ما بعد ماو كما تعرف الآن اتبعت قيادة الحزب الشيوعي الصيني استراتيجية شرعية الإنجاز كبديل عن شرعية آيديولوجيا ماركس ومن بعده ماو.

اتبعت الحكومة الصينية سياسة الأهداف المحددة وتعديل السياسات بصفة عاجلة عندما تفشل في تحقيق الأهداف، خصوصاً التنموية منها ليحس المواطن الصيني بأن هذه الحكومة تعمل من أجله، ويتدارس الغربيون مثلاً نموذج الإنجاز الصيني في مجال الصحة كواحدة من قصص النجاح العالمية فيما يخص شرعية الإنجاز. المرونة في تعديل السياسات، وكذلك السرعة في تلبية متطلبات المجتمع تجعلان المجتمع والدولة في الصين يصلان لصيغة التوازن والاستقرار اللذين تشهدهما الصين منذ عقود.

شرعية الإنجاز الصينية دعمتها الثقافة الأخلاقية للمجتمع الصيني ethics التي ترى في الإنجاز التزاماً أخلاقياً قبل أن يكون سياسياً.

ماذا تعني شرعية الإنجاز بالنسبة لمجموعاتنا بعد نهاية آيديولوجيا الوطنية في دولة ما بعد الاستعمار وفشل الآيديولوجيا الإسلاموية في نماذجها الشيعية (إيران) والسنية (السودان) في تقديم بديل يحافظ على تنمية المجتمعات واستقرارها؟

لم يعد أمام القادة في منطقتنا سوى التنمية البشرية وتقديم الخدمات للمواطنين بشكل مميز (أفضل نماذجها الإمارات الآن والخليج بدرجات متفاوتة) كبديل للآيديولوجيا.

لم يعد المواطن العربي اليوم يهتم بالآيديولوجيا كبديل عن الإنجازات التي تحقق له الرفاهية، لم تعد فكرة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» والمواجهة الوهمية مع إسرائيل تكفي لإلهاء المواطنين عن قضاياهم اليومية، ولم يعد الحجاب وغطاء جسد المرأة الهاجس الأول، اليوم المجتمعات تبحث عن الإنجاز في المجال الصحي والتعليمي والاقتصادي قبل السياسي، تغفر تجاوزات السياسة إذا كان هناك إنجاز في المجالات الصحية والتعليمية والاقتصادية.

الدولة التي يمكن أن تتعرض لهزات اجتماعية اليوم هي الدولة التي تفشل في تنمية البشر وتقديم الخدمات، أزمة الشرعية لم تعد أزمة قبول آيديولوجيا النخب الحاكمة، بل أزمة قبول إنجازاتهم كعامل يحقق الرضا الاجتماعي.

ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الأنظمة التي تفشل في تحقيق إنجازات ملموسة لدى المواطنين قد تعاني الاضطرابات عاجلاً أم آجلاً، إذ لم يعد الإعلام كافياً لتغطية عورات الحكم، ولم تعد رفاهية الشاشات كافية كبديل عن رفاهية الواقع. العالم الفضائي لن يغطي عورات العالم الواقعي.

لذا يجب علينا دراسة النموذج الصيني في شرعية الإنجاز، خصوصاً أن موضوع الديمقراطية في عالمنا العربي هو طريق طويل جداً وصعب التحقيق على الأقل في حياة جيلنا، ولهذا أسباب كثيرة أولها أن الثقافة العربية من المنزل إلى المدرسة إلى الإعلام لا تسهم في بناء الشخصية الديمقراطية التي تقبل إدارة الاختلاف كوظيفة أولى للسياسة، وهذا موضوع يطول الإسهاب فيه، ولهذا ومن منطلق براغماتي وعملي ليس أمام الدولة في منطقتنا سوى اعتماد الإنجاز كشرعية أساسية لاستقرار نظام الحكم.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
رسالة جديدة من البغدادي: «العمليات على قدم وساق»
ضربات إسرائيلية «استباقية» لإيران في سوريا ولبنان والعراق
إسرائيل «تلاحق» إيران في العراق بموافقة أميركية وفي سوريا بـ«غطاء روسي»
إسرائيل توسع دائرة استهداف إيران
طهران تتحدى التحركات الدولية لضمان أمن الممرات
مقالات ذات صلة
... عن تطوّر النفوذ الإيراني في المشرق العربيّ - حازم صاغية
انهيار جدار برلين… عن جمهورية الخوف والتلصص التي كانت - عمرو حمزاوي
استحالة الإمبراطوريات في زمننا! - حازم صاغية
عن ثوريين يكرهون الثورات... - حازم صاغية
إذ يقصّ علينا قاسم سليماني قصّة حربـ«نا» - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة