الأحد ١٥ - ٩ - ٢٠١٩
 
التاريخ: حزيران ١١, ٢٠١٩
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
صعود الإسلاموية الريعية: "حزب الدعوة" العراقي نموذجاً
حارث حسن  المصدر: (كارنيجي)
تتميّز السياسات العراقية هذه الأيام بوجود مؤسسات ديمقراطية شكلية، تغشاها السياسات الزبائنية والممارسات خارج القانون. هذه الحصيلة كانت إلى حد بعيد الابنة الشرعية للاقتصاد العراقي، حيث أدى الاعتماد على عائدات النفط إلى التسابق والتدافع على الغنائم، ما خلق ثقافة سياسية ريعية. ولذا، يمكن الحديث عن إسلاموية ريعية تحل فيها الزبائنية غالباً مكان الإيديولوجيا في تشكيل السلوك السياسي للأحزاب الإسلامية.

استخدم نور المالكي، خلال تسنّمه رئاسة الحكومة، أسلوب الزبائنية في إدارة الدولة والموارد. مثلاً، بث الروح مجدداً في سياسة نظام حزب البعث الخاصة بكسب ولاء شيوخ القبائل من خلال العطايا المالية، فشكّل ما بات يُعرف بـ"مجالس الإسناد" في المدن الجنوبية. وفي حين أن الهدف المُعلن من هذه التجمعات العشائرية هو ضمان الدعم المحلي للأمن، إلا أن المالكي وظّفها لتوسيع قاعدته الانتخابية. وقد خصصت موازنة العام 2015 التي وضعتها حكومة المالكي 380 مليون دينار عراقي (مايوازي 282 مليون دولار اليوم) لتمويل هذه المجالس، بما في ذلك رواتب شهرية لأعضائها. لكن المالكي رفض، في المقابل، مواصلة تمويل بعض مجالس الصحوة القَبَلية السنّية التي قاتلت تنظيم القاعدة، ما أضعف هذه المجموعات وسهّل عودة الجهاديين في المناطق السنّية.

بالمثل، طوّرت حاشية المالكي، التي تضم أعضاء من عائلته، شبكة من الشراكات مع العديد من أصحاب المصالح ورجال الأعمال، مُستغلة سلطة مؤسسة رئاسة الوزراء التي أصبحت في عهد المالكي أقوى من أي هيئة أخرى في الدولة. ويمكن قول الأمر نفسه عن منصب القائد العام للقوات المسلحة، الذي اعتبره النقاد أداة غير شرعية في يد المالكي لتأكيد سلطته الشخصية على الجيش ولتقويض مسؤوليات وزارة الدفاع. ولهذا، عمد العبادي، في سياق تنافسه مع المالكي، إلى إلغاء هذا المنصب حين أصبح رئيساً للوزراء. وفي حين عزّز المالكي الموالين شخصياً له على حساب عناصر من قيادة حزب الدعوة، تحالف العبادي مع كوادر معيّنة في الحزب، مقرباً بعضا منهم على حساب أعضاء آخرين كان قد جرى إقصاؤهم. وبعد فشل الدعوة في الاحتفاظ برئاسة الحكومة، دفع الامتعاض ثلاثة أعضاء قياديين إلى إصدار بيان اتهموا فيه العبادي بالتسبّب في انقسام الحزب.

استخدم حزب الدعوة، الذي يحظى بدعم شعبي واسع، وسائل أخرى أيضاً لبناء قواعده الشعبية، فكان من ضمن المؤسسات العامة التي وُظفت للأغراض الزبائنية مؤسسة السجناء السياسيين ومؤسسة الشهداء، اللتين كانتا بقيادة شخصيات في الحزب أو عناصر قريبة منه. وكانت الوظيفة الأساسية للمؤسستين التدقيق والتصديق على طلبات التعويض لأولئك الذي سجنوا في عهد البعث، أو الذي أعدم النظام أفراداً في عائلاتهم (وعدد كبير منهم كانوا مرتبطين - أو اتهموا بالارتباط - بحزب الدعوة). بيد أن دائرة المستفيدين توسّعت لتشمل حتى أفراداً فرّوا من العراق. وقد ساعد نواب الدعوة في البرلمان على إقرار قوانين تسمح بفتح باب التعويض على مصراعيه، بغية كسب المزيد من الدعم من المستفيدين.

خلق استخدام حزب الدعوة للسياسات الزبائنية شبكات أتباع ترتبط بالمصالح وليس بمشروع إيديولوجي مُتّسق. وما ميّز حزب الدعوة عن باقي الأحزاب المنخرطة في سياسات مماثلة، هو غياب أي شخصية حزبية تعمل كمرجع أعلى وملاذ أخير. فسلطة المالكي والعبادي اشتقت أساساً من موقع رئاسة الوزارة. ولهذا قد يشهد حزب الدعوة في طوره مابعد الإيديولوجي، انحساراً في أهميته السياسية أكثر من أي مجموعة أخرى على إثر خسارته لهذا المنصب

لم يمت، لكنه يحتضر

في تشرين الأول/أكتوبر 2018، وبعد 13 عاماً كان فيها أحد أعضاء حزب الدعوة رئيساً للوزراء، عُيّن عادل عبد المهدي، الذي كان سابقاً في المجلس الأعلى الإسلامي، رئيساً للحكومة. واليوم، حزب الدعوة مُنشطر ولا يمتلك رؤية موحّدة حول هدفه ومراميه. الحزب لم يمت، لكنه يحتضر ويعاني سكرات الموت. معظم قادته باتوا مُسنين، والحزب عاجز تقريباً عن استقطاب جيل جديد من الناشطين. ثم أن فكرة الدولة الإسلامية لم تعد مُغرية لشيعة العراق، على الأقل كما طُرحت في حقبة الستينيات والسبعينيات. وتتركز نقاط دعم حزب الدعوة اليوم بين قطاعات الطبقة الوسطى وموظفي الدولة لمابعد العام 2003، لكنه يُواجه منافسة شديدة من أحزاب أخرى في هذه القطاعات نفسها. ومع خسارة الدعوة لمزايا المناصب الحكومية، ومع انقساماته الحادة، ستشهد قاعدة الحزب المزيد من الانكماش والانحسار.

لكن مهلا. هذا الحال يعكس في الواقع أزمة كل التنظيمات السياسية التي تشكّلت إبان مرحلة الإيديولوجيات والسرديات الكبرى. ففيما تخوض هذه التنظيمات عباب عملية سياسية تُشكّلها المتطلبات الانتخابية، ستجد من الصعوبة بمكان أقلمة إيديولوجياتها الأصلية - وطرازها - مع الحقائق السياسية الجديدة. لقد خسرت هذه الاحزاب في نهاية المطاف جاذبيتها الإيديولوجية، وهي تعتمد أكثر فأكثر على الزبائنية لتبقى على قيد الحياة، ما يتطلب منها الآن البقاء في موقع المسؤولية لتقديم العطايا. ومع وجود جماعات تمثّل الاجيال الجديدة من الإسلاميين، بما في ذلك الصدريين وفصائل الحشد الشعبي، أصبحت إسلاموية حزب الدعوة إرثاً في طور الأفول وغير قادرة على تعبئة أعداد كبيرة من الأنصار، ولا على منحهم إحساساً قوياً بأنهم أصحاب رسالة.

لكن أزمة حزب الدعوة لاتنفصم عراها عن التحديات التي تواجه الجماعات الإسلامية الأخرى. فقد تقلصت جاذبية هذه الجماعات بسبب الفساد والخلل الكبير الذي يضرب نظام الحكم الراهن، والذي تتمتع فيه الأحزاب الإسلامية بموقع مُهيمن. وهذا ما أبرزته الاحتجاجات منذ العام 2015 والتي كشفت النقاب عن مدى الحنق الشعبي وخيبة الأمل المُتصاعدة من النخبة الحاكمة. هذا علاوة على أنها أوضحت أن التعبئة السياسية كانت تتحوّل من قضايا تتعلّق بالإيديولوجيا - والهوية - إلى مسائل تُشدّد على المطالب الاجتماعية - الاقتصادية. وبسبب ذلك، أصبح الإسلاميون الشيعة أكثر انقساماً، وبعضهم بدا أكثر استعداداً للجّوء إلى إجراءات قمعية لحماية سلطته وشبكات مصالحه. وعلى المدى الطويل، يمكن لمثل ردة الفعل هذه أن تُزعزع أكثر شرعية هذه الأحزاب، ما يفسح المجال أمام احتمال تطور ديناميكيات تعبئة بديلة وبرامج سياسية مُعارضة مختلفة، تستهدف حصد دعم أكبر في الشارع.

(خلاصة مقالة مطولة)

باحث أول غير مقيم في مركز كارنيجي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثه على العراق، والطائفية، وسياسات الهوية، والقوى الدينية، والعلاقة بين الدولة والمجتمع (كارنيجي)


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
جدل في العراق حول دلالات ظهور الصدر مع خامنئي وسليماني
«12 غارة» استهدفت مواقع لـ«الحشد»
قناة «الحرة» تغضب الوقفين السني والشيعي والبرلمان العراقي
«المغيبون» يشعلون صراع زعامات في المحافظات السنية بالعراق
فصائل «الحشد الشعبي» تحرج بغداد بمقاومة ضغوط الاندماج
مقالات ذات صلة
هل تتدخل إسرائيل ضد إيران في العراق؟ - شارلز ليستر
ما الذي يستطيعه عادل عبد المهدي؟ - حازم صاغية
بغداد - أربيل : العَودُ أحمدُ - شيرزاد اليزيدي
هل تضمد زيارة البابا جراح مسيحيي العراق؟ - جورج منصور
أربعة عقود على رحيل محمد شرارة: شاهَد الديكتاتورية ولم يشهد تفتت العراق - بلقيس شرارة
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة