الخميس ١٢ - ١٢ - ٢٠١٩
 
التاريخ: حزيران ٧, ٢٠١٩
المصدر: جريدة الحياة
تغير المناخ بين العلم والآيديولوجيا - وليد محمود عبدالناصر
يثور هذه الأيام جدل حول تغير المناخ على كوكب الأرض: حقيقته ومعدلاته وتأثيراته، وهو موضوع مطروح على جدول أعمال العلاقات الدولية منذ سبعينات القرن العشرين. في السبعينات كان النقاش بين طرفين؛ أحدهما يمتلك قوة العلم والسند الداعم لوجهة نظره من واقع نتائج سنوات طويلة من البحث العلمي في ذلك الوقت، والآخر كان مدفوعاً باعتبارات آيديولوجية في الأساس، ولكن كان خلف هذه الاعتبارات بالتأكيد مصالح تجارية ومالية لمؤسسات اقتصادية عملاقة في مجالات كثيرة مثل الصناعة والتعدين وغيرهما. وتنوعت تلك المصالح بين بلدان ومناطق العالم المختلفة، سواء داخل حدود البلدان الصناعية المتقدمة في العالم الرأسمالي أم خارجها، وتحديداً في بلدان الجنوب في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، بحيث مثَّلت الدفوع الآيديولوجية الغطاء الملائم لتلك المصالح خلال تلك المرحلة التاريخية الهامة من التوسع الصناعي والتجاري لشركات غربية وانتقال نشاطها الاقتصادي، بما في ذلك أجزاء من العلمية الإنتاجية ذاتها، من دول "المركز" في الشمال الصناعي الرأسمالي المتقدم إلى دول "الهامش" في الجنوب التابع والمتخلف.

وإذا استحضرنا مخزون تلك المرحلة من الذاكرة التاريخية، نجد أن شخصية عربية مصرية كان لها بصماتها في تلك المرحلة، وهو العالم الراحل الكبير الدكتور مصطفى كمال طلبة، المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة في ذلك الوقت، إذ كان هو من أنصار، بل ومن رواد الدفاع عن طرح "تغير المناخ" والدعوة إلى الحاجة لسرعة بلورة استراتيجية كونية لمواجهة تلك التغيرات ومقاومتها والتصدي لها ومحاولة التغلب عليها، أو على الأقل احتواء وتحجيم نتائجها وانعكاساتها على سكان الأرض بصفة عامة، من خلال ما تنتجه هذه الظاهرة من تغير الحالة والظروف المناخية وتبدل الخصائص البيئية ما بين فصول السنة الأربعة، وكذلك مخاطر اندثار نوعيات من النباتات والحيوانات في ظرف سنوات أو عقود أو قرون، وتداعيات ذلك كله على أنماط الحياة البشرية، بما في ذلك بالطبع البيئة الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المحيطة بالبشر.

أما الطرف الآخر في ذلك النقاش المستعر –آنذاك- فقد كان يمسك بزمام السلطة في دول هامة ومؤثرة، بل ومركزية، في سياق منظومة العالم الرأسمالي وفي النظام الدولي ككل، وخاصة في الولايات المتحدة، حيث اليمين المحافظ داخل صفوف الحزب الجمهوري كان مسيطراً على البيت الأبيض من خلال الرئيس الأميركي الراحل "رونالد ريجان"، وعبر الأطلسي في المملكة المتحدة من خلال حليفة هامة أعادت اللحمة للتحالف الأنجلو ساكسوني، وهي "المرأة الحديدية" رئيسة الوزراء الراحلة مارجريت تاتشر، زعيمة حزب المحافظين آنذاك والتي أعادت ذلك الحزب للسلطة، فكلاهما إذاً جاء من الخلفية العقائدية نفسها المتمثلة في اليمين المحافظ، وما يحميه من مصالح اقتصادية للشركات والمؤسسات الغربية الكبرى، وتحديداً الأميركية والبريطانية.

ومن هذا المنطلق وعلى هذه الخلفية، واجه الزعيمان اليمينيان الغربيان طرح "تغير المناخ" بكل قوة وحدة، نظراً للإدراك العميق لمدلولات الإجراءات المطلوبة لمواجهة الظاهرة ولانعكاسات تلك الإجراءات، حال تنفيذها على أرض الواقع وفرضها من جانب الدول على المؤسسات الاقتصادية العامة والخاصة على حد سواء عبر إصدار القوانين واللوائح اللازمة لذلك، على الأرباح والعوائد المالية للشركات الاقتصادية الغربية الكبرى، ودخل الزعيمان في مواجهة مع خصومهما، خاصة مع الدكتور مصطفى كمال طلبة واتهماه بالاعتماد على معلومات غير مؤكدة علمياً وبالترويج لأطروحات ذات صبغة آيديولوجية وسياسية (!!!) كل غرضها هو الإضرار بمصالح المؤسسات الاقتصادية الغربية، ولم يتنبها إلى حقيقة أن موقفهما هو المدفوع باعتبارات آيديولوجية توفر المظلة لمصالح اقتصادية رأسمالية يمثلها آنذاك بقوة اليمين المحافظ وقواه وتياراته في المعسكر الغربي، بل ذهبت بعض دوائر اليمين الأوروبي والأميركي المحافظ آنذاك إلى درجة اتهام الدكتور طلبة بأنه يتآمر مع الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية في ذلك الوقت للإضرار بمصالح الغرب الاستراتيجية والاقتصادية، وزعزعة استقراره وأمنه وإضعافه من خلال الدفع بطرح "تغير المناخ" وما يتطلبه مواجهة ذلك من مراجعة أنماط الإنتاج والاستهلاك واستغلال الموارد الطبيعية وإدخال تغييرات جذرية عليها، وبالتالي الحديث عن ضلوعه في مسعى يود الوصول إلى إعطاء تميز للعالم الثاني (الشيوعي) في ظل حرب باردة مشتعلة على المستوى العالمي آنذاك بين المعسكرين الشرقي والغربي.

وكان للأمر حساسية خاصة لدى قوى اليمين الأوروبي في تلك الحقبة، وربما حتى الآن، لسبب آخر لا يتعلق بالمصالح الاقتصادية فقط، ولكن بخليط من الآيديولوجيا والسياسة، وهو أن الأحزاب "الجديدة" التي أفرزتها الحركة العالمية المدافعة عن البيئة في السبعينات، قويت سريعاً في بعض البلدان الغربية وببطء في بلدان أخرى، وتبنت تلك الأحزاب منذ انطلاقها مواقف واضحة ضد غالبية تيارات اليمين ومناوئة لتوجهاتها، وهي وإن كانت في بعض الحالات أو في بعض الفترات الزمنية سعت للحفاظ على استقلاليتها في الصراع بين اليمين واليسار في بلدانها، فإنها وجدت نفسها في كثير من الحالات في حالة تحالف طبيعي، وإن لم يكن مخططاً له من قبل أحياناً، مع أطياف من قوى وتيارات اليسار أو الوسط أو كليهما معاً في بلدانها. وبالتالي، شهدنا خلال نحو خمسة عقود، مشاهد كثيرة حرمت فيها حركات وأحزاب البيئة قوى اليمين في بلدانها، خاصة اليمين المحافظ واليمين المتطرف، من فرصة تحقيق مكاسب انتخابية أو سياسية في ضوء حقيقة الحجم والثقل المتزايد لهذه الحركات والأحزاب لدى شعوبها من جهة وفي ظل حالات تحالفها مع قوى أخرى من اليسار أو الوسط في بلدانها من جهة أخرى، بل كان لهذا الأمر انعكاساته أيضاً على الساحة الأوروبية ككل، خاصة منذ تمكين مؤسسات الاتحاد الأوروبي وتعزيز سلطات البرلمان الأوروبي وتحول انتخاباته إلى معارك انتخابية حقيقية وساخنة على امتداد البلدان الأعضاء به.

وقد يقول قائل في ضوء ما تقدم: "ما أشبه الليلة بالبارحة"، إلا أن المعطيات اختلفت والتوازنات تفاوتت والعلم والتكنولوجيا حققا طفرات وطفرات على مدار النصف قرن الأخير، إذ زادت الأدلة العلمية المرتكزة على إثباتات معملية من جهة وتجارب عملية وملموسة من جهة أخرى، والتي تشير في اتجاه يعزز رأي أصحاب الطرح الخاص بتغير المناخ ويدعم دفوعهم ويقوي من مواقعهم، ولكن هذا بدوره لم يحل دون استمرار قوى كثيرة، خاصة في البلدان الغربية، سواء في الدوائر الأكاديمية والبحثية والفكرية، أم الأوساط الصحفية والإعلامية، أم منظمات المجتمع المدني، أو وربما يكون هذا هو الأكثر أهمية وتأثيراً وخطورة، في صفوف أصحاب القرار والمحيطين بهم وصناع الرأي العام والمتفاعلين معهم، ما زالت تتمسك بالأطروحات القديمة التقليدية نفسها المناهضة لأي نقاش علمي أو موضوعي أو منهجي يتصل بظاهرة تغير المناخ والرافضة لدفوع ذلك الطرح من جذورها، وهي جميعاً يجمعها مجدداً الانتماء إلى دوائر يمينية محافظة وذات تحيزات مسبقة لديها اعتباراتها الآيديولوجية، على رغم انتهاء الحرب الباردة منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، وحساباتها السياسية المتفردة، وشبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والمالية والتجارية لمؤسسات غربية كبرى عبر وطنية تمثلها تلك النخبة المشكلة من مفكرين وساسة وإعلاميين وقادة رأي عام بتوجهاتها اليمينية.

وهكذا لا نتوقع أن يحسم العالم موقفه إزاء تحدي "تغير المناخ" قريباً، نظراً لحقيقة أن النزاع حول هذه الظاهرة ليس جدلاً علمياً ولا هو حواراً بين علماء، بل هو اختلاف تتداخل فيه، مع الاعتبارات العلمية، اعتبارات أخرى لا تقل أهمية أو تأثيراً أو دلالة، في مقدمها الانتماءات الآيديولوجية لنخبٍ هنا وهناك، ولكن خاصة في البلدان الغربية، ترتبط بدورها مع تقديرات جيو استراتيجية عالمية وإقليمية وحسابات سياسية داخلية. وكذلك تمثل تلك الانتماءات مصالح اقتصادية تركز على معايير المكسب والخسارة بالمعنى المادي والآني، بغض النظر عن تحديات ستواجهها الإنسانية حتماً عبر أجيال لم تولد بعد.

* كاتب مصري.
 


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
رسالة جديدة من البغدادي: «العمليات على قدم وساق»
ضربات إسرائيلية «استباقية» لإيران في سوريا ولبنان والعراق
إسرائيل «تلاحق» إيران في العراق بموافقة أميركية وفي سوريا بـ«غطاء روسي»
إسرائيل توسع دائرة استهداف إيران
طهران تتحدى التحركات الدولية لضمان أمن الممرات
مقالات ذات صلة
... عن تطوّر النفوذ الإيراني في المشرق العربيّ - حازم صاغية
انهيار جدار برلين… عن جمهورية الخوف والتلصص التي كانت - عمرو حمزاوي
استحالة الإمبراطوريات في زمننا! - حازم صاغية
عن ثوريين يكرهون الثورات... - حازم صاغية
إذ يقصّ علينا قاسم سليماني قصّة حربـ«نا» - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة