الجمعه ٢٣ - ٨ - ٢٠١٩
 
التاريخ: أيار ٣٠, ٢٠١٩
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
وقائع الهجرة اللبنانية ومستقبل "وظيفة" لبنان؟ - بطرس لبكي
يقدِّم بطرس لبكي هنا خلاصة كتابه الجديد: "هجرة اللبنانيين: 1850-2018 مسارات عولمة مبكرة" ¶
صدر هذا الكتاب وتتزايد محاولات اجتذاب المغتربين، اقتصادياً وسياسياً، من قبل مختلف الهيئات اللبنانية العامة والخاصة. كما يتزايد تنوع المنشأ الطائفي والمناطقي والاجتماعي لهؤلاء المهاجرين، وكذلك تنوع بلدان المقصد. وفي جميع البلدان، ينوع المغتربون اللبنانيون نشاطاتهم.

كذلك تتزايد مشاركة المغتربين اللبنانيين في الحياة العامة للبلدان المضيفة، كما يتعاظم دورهم في تنمية علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع لبنان.

كما إن تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان منذ 1995 أنعش الهجرة على مستوى لم يعرفه لبنان بعد. وذلك رغم حالات العودة البارزة من عدة بلدان وقارات.

إن الوقائع التي أشرنا إليها أعلاه تندرج في ظاهرة أوسع تلاحظ في مساهمة هذه الهجرات في علاقات لبنان الاقتصادية الدولية.

فهذه المساهمة تمت مع ارجحية جغرافية متغيرة من حقبة إلى أخرى :

- في عهد العثمانيين، كانت الهجرة اللبنانية تسهم في تدويل اقتصاد جبل لبنان، نظراً لارجحية المقاصد الأميركية، وذلك رغم أهمية الهجرة إلى مصر، وتلك المعروفة بدرجة أقل نحو بعض المناطق السورية وكيليكيا.

- في عهد الانتداب الفرنسي، كانت الوجهة الغالبة أيضاً هي التدويل مع انفتاح مقاصد أفريقية جديدة واستئناف الهجرة الجزئي نحو الأميركيتين وتراجع الهجرات إلى مصر وسوريا والعودة من كيليكيا.

- ومع الاستقلال (1943-1975)، أخذت الهجرة على غرار الاقتصاد بمجمله، تندفع باتجاه الأقلمة، مع المقاصد الغالبة نحو البلدان العربية المصدرة للنفط. وهذا الاتجاه نحو أقلمة تدفقات الهجرة (والاقتصاد) اللبنانية تأكد وتعزز إبان الحروب في لبنان (1975-1990) التي تزامنت مع "الفورتين" النفطيتين في 1973 و1978-1979.

لكننا لا نستطيع أن نتجاهل، المقاصد خارج المنطقة، لا سيما الهجرة الجديدة إلى أوروبا وتجدد الهجرات نحو أميركا الشمالية وأوستراليا وأميركا الجنوبية بوجه خاص، خاصة ابتداءً من 1990.

على أن نهاية الحروب داخل لبنان وفترة ما بعد الحرب، اللتين تزامنتا (ليس فقط تاريخياً) مع انتهاء الحرب الباردة في أواخر الثمانينات، ترافقتا مع عودة جديدة إلى الاتجاه السابق : فقد استؤنفت الهجرة، ولكن بوضوح إلى خارج المنطقة التي أفقرتها حروب الخليج وتدني أسعار النفط، وظهرت مقاصد جديدة في أوروبا الشرقية وفي مجموع الدول المستقلة المنتقلة إلى اقتصاد السوق كالصين مثلاً، وتجددت الى كندا والولايات المتحدة وأوستراليا.

سننظر أولاً في معايير الزمان والمكان والطائفة. في الواقع، توفر هذه العوامل الثلاثة تماسكًا معينًا لأنها تجعل من الممكن تفسير حركة الهجرة لمدة قرن تقريباً. في الواقع، الهجرة بين منتصف القرن 19 وعام 1914 كانت تتعلق بشكل رئيسي بالمسيحيين، وخاصة في وسط لبنان: جبل لبنان (قبل عام 1975، وفقا لدراسة نشرت عام 1978، كان 75٪ من المهاجرين اللبنانيين من المسيحيين). بينما تؤثر الهجرة في السنوات 1975-2018 بشكل رئيسي على المسلمين 83% ككل ومناطق الشمال والبقاع والجنوب، خاصة فيما يتعلق بالهجرة إلى أميركا الشمالية وألمانيا واميركا الجنوبية وافريقيا وبدرجة أقل اوستراليا. هذا النمو السريع لهجرة المسلمين اللبنانيين وخاصة الشيعة من الجنوب، وسنة لبنان الشمالي والبقاع الاوسط والغربي والدروز بشكل عام، يجعلهم الأغلبية في التدفقات الحالية للهجرة. هذا النمو هو ظاهرة طبيعية، تحدده نفس العوامل التي سرعت في السابق هجرة المسيحيين ولأكثر من قرن من الزمان.

ولكن إلى جانب واقع أن هذه العوامل كانت دائما "اتجاها"، لا نزعة منهجية، فهي متفاوتة حاليا وفقا لبلدان المقصد. على سبيل المثال، غالباً ما تكون الهجرة الحالية هجرة "ادمغة" (حالياً حوالي 50%)، ولكنها تؤثر أيضاً على سكان الريف وكذلك سكان الحضر المقيمين في العاصمة والمدن الوسطى والثانوية. وبالفعل، تشمل الهجرة مختلف المناطق والطوائف اللبنانية، ومختلف الفئات الاجتماعية من ريفيين وأيضا سكان المدن المتأثرين بالبطالة.

إن استقرار اللبنانيين هو بشكل عام في البلدان الصناعية، وكذلك في الدول البعيدة، في أميركا وأوستراليا واوروبا على سبيل المثال، وفي الولايات المتحدة وكندا على وجه الخصوص.

ومع ذلك، يمكننا استخلاص بعض النتائج نسبة الى "الوطن – المجتمع" الام: لبنان.

على المستوى الديموغرافي اولاً

التأثير السلبي للهجرة واضح جدا. في الواقع، الهجرة تحرم البلاد من القوى الحية: الشباب.

ان فقدان هذا الرأسمال البشري الكبير يؤثر بشكل خطير على البلاد. وستكون العواقب على المدى الطويل أكثر ضررا، بالنظر إلى شيخوخة السكان التي لا مفر منها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام العمالة الأجنبية، التي أصبحت إلزامية للتعويض عن نقص العمالة الوطنية، يطرح مشاكل خطيرة.

على المستويات الاجتماعية والاقتصادية

يمتلك لبنان اقتصادًا يعتمد على تحويلات المهاجرين الى حد ما. تمثل الهجرة دخلاً سنوياً، مما يدعم ميزان المدفوعات وموازنة الاسر، جزئياً على الأقل. على المدى القصير والمتوسط، يمكن بالتأكيد أن تمثل التحويلات رصيدا للوطن. ولكن على المدى الطويل، فان هذه الهجرة الكثيفة تعني بالتأكيد وجود عقبة مقارنة ببلدان أخرى في المنطقة. وسيكون لهذه العقبة انعكاسات سلبية على مستقبل البلد وديناميكيته الاقتصادية.

من ناحية أخرى، لا يمكن إنكار تأثير وقع الهجرة على مستوى التوجه الاقتصادي الوطني نحو اقتصاد الخدمات وهيمنة التجارة وتهميش الانتاج السلعي. هل يجب علينا الحفاظ على هذه الخيارات الاقتصادية ؟ ألا يجب علينا إعادة النظر في "وظيفة" لبنان؟

كما انه في الواقع، السؤال الذي يطرح نفسه هو جنسية وهوية المهاجرين وأحفادهم: هل ما زالوا يشعرون بأنهم يرتبطون بلبنان؟

لقد سعت الدولة اللبنانية الى اشعارهم بذلك منذ مطلع الاستقلال. وتسارع ذلك في الخمسينات وخاصة بعد 1959 مع انشاء "الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم".

جاءت حروب (1975-1990) واضعف نشاطها ووحدتها.

وبعد عودة السلام عام 1990، انشأت الدولة وزارة لشؤون المغتربين عام 1992، ثم وزارة المغتربين عام 1993. ونشطت بنفس الاتجاه لكنها الغيت واعيد ملاكها ودورها الى كنف وزارة الخارجية والمغتربين عام 1999، حيث تقوم بنفس المهمات.

ومنذ 2014 اعيد تنشيط عمل الوزارة في مجال الاغتراب وذلك لمجابهة بعض المشاكل الاساسية التي يشكو منها المغتربون : فاقر قانون استعادة الجنسية الذي سهل عملية عودة الجنسية الى المتحدرين من اصل لبناني.

كما اقر قانون الانتخاب الصادر عام 2018 الذي تحقق بموجبه اقتراع المغتربين من المغتربات. وقد مارس المغتربون ولو بشكل محدود هذا الحق في انتخابات 2018 النيابية. وسيمارسون حقهم بالترشيح في الانتخابات النيابية المقبلة. وكما انشأت الوزارة مؤسسة L.D.E (Lebanese Diaspora Energy) التي لها فروع في العديد من دول الانتشار.

وهي تعقد مؤتمرات سنوية عامة وإقليمية متخصصة (شباب، رجال اعمال، طلاب، الخ). وقد كانت لكل هذه التدابير القانونية والتنظيمية مفعولاً اساسياً لتقوية الروابط بين المقيمين والمغتربين، وخاصة الروابط بين فئتي رجال الاعمال من جهة والشباب من جهة أخرى.

نتقدّم بعدد قليل من الاقتراحات:

1- لا تملك الدولة حاليا بيانات أساسية كافية عن المغتربين. ومن الضروري بناء قاعدة بيانات تدريجياً وتحديد هذه الجاليات، وإنشاء صورة جغرافية اجتماعية واقتصادية وقانونية عنها في بلدان الهجرة. والحكم على تكاملها واحتمالات وإمكانية وشروط العودة إلى البلد. الاداة هذه سوف تساهم في توجه الخيارات المستقبلية للدولة.

2- كما يجب أن يكون للدولة مشروع جعل التراث الثقافي اللبناني معروف ومشترك للمهاجرين والمقيمين وأحفادهم من أجل المساهمة بالحفاظ على مستقبل العلاقات بين اللبنانيين المقيمين واللبنانيين والمتحدرين في المهجر وقد بوشر بذلك الى حد ما.

3- كما انه بالنسبة للبنانيين الذين يعيشون في الخارج، لا يوجد سوى القليل من الاتصال مع بعضهم البعض، باستثناء مجتمعهم المحلي. رغم ذلك تنجح بعض الجمعيات الثقافية والاقليمية من وقت لآخر في إعادة تقريب اللبنانيين الذين يعيشون في دولة اغترابية. يجب دعم الاتجاهات والمؤسسات التي تربط المهاجرين في كل دولة مقصد ببعضهم.

4- يجب أيضا تطوير وتقوية المشروع الوطني والعالمي الهادف الى توليد وتطوير دعم مجتمعات الانتشار اللبناني والدول المضيفة لقضايا لبنان والمنطقة. وعلى المدى الطويل لتشجيع ومساعدة العودة إلى لبنان. او على الاقل المساهمة باستثمارات ونشاط تجاري وتعاون مع رجال الاعمال المقيمين ومع الدولة اللبنانية لتنمية اقتصاد بلدان المقصد والاقتصاد اللبناني.

باختصار، هذا الكتاب يساهم في إلقاء بعض الضوء على ظاهرة الهجرة اللبنانية ووضع بعض المعالم من أجل المستقبل الوطني يحتاج الى نقاش حواري وفقا لمعطيات تبدو أساسية عشية التغيرات الاقليمية المحتملة.

¶ كتاب "هجرة اللبنانيين : 1850 - 2018 – مسارات عولمة مبكرة"

منشورات دار سائر المشرق – آذار 2019


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
كلام عون عن «تغيّر مقاييس الاستراتيجية الدفاعية» يفتح السجال حول سلاح «حزب الله»
البرازيل بعد الأرجنتين قد تعلن «حزب الله» منظمة إرهابية
«صفحة جديدة» بين عون وجنبلاط
لبنان: احتدام السجال حول التوازن الطائفي يعيد طرح «الدولة المدنية»
العقوبات الأميركية على حلفاء «حزب الله» رهن «التوقيت المناسب»
مقالات ذات صلة
لبنان: الأغاني الناشزة والطوائف القويمة - حازم صاغية
"لا يا حبيبي"... لا يا حفّاري قبرشمون...- سليم معوض
إحباط انقلاب في لبنان! - حازم صاغية
المطران ميشال عون يعيدنا إلى العام 1277 - أنطوان قربان
تفسير الدستور شأننا جميعاً: في الترفّع عن سجال ٍعقيمٍ - شبلي ملاّط
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة