الأربعاء ١٩ - ٦ - ٢٠١٩
 
التاريخ: أيار ١٨, ٢٠١٩
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
هل تجوز المقارنة بين لبنان واليونان؟ فتّشوا عن البنية التحتية ومناخ الأعمال والحوكمة
علي عودة
لا ينفكّ سياسيون واقتصاديون ومحللون عن مقارنة لبنان باليونان، وذلك بهدف "الإستنتاج" أن أوضاع لبنان اليوم هي غير ما كانت عليه اليونان عام 2010، عندما انفجرت أزمة الدَّين السيادي لديها. وفي هذه المقارنة، يقوم هؤلاء بالإضاءة على أمرين فقط: إحتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية وصلابة القطاع المصرفي اللبناني، ويتغاضون عن مؤشرات اقتصادية كلّية تشير إلى بوادر أزمة حقيقية. وعلاوة على ذلك، ينسون أن عدداً من مؤشرات الحوكمة والتنافسية الاقتصادية ونوعية البنية التحتية وسهولة القيام بالأعمال، كلها "تُكمل" الصورة عن مستقبل الإقتصاد، وإمكان (أو صعوبة) تفادي الأزمة المحتملة.

قبل البدء بالاضاءة على تلك المؤشرات، نشير إلى أن عدداً من المؤشرات الاقتصادية التي سجلها لبنان خلال السنوات القليلة الماضية هي مشابهة لما شهدته اليونان قبيل انفجار أزمتها. فبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، سجّل عجز الموازنة في اليونان 15.1% من ناتجها المحلي عام 2009 (أي سنة واحدة قبل الأزمة)، وبمتوسط 10.7% للسنوات الثلاث التي سبقت الأزمة (2007-2009). في مقابل ذلك، بلغ عجز الموازنة في لبنان 11% عام 2018، وبمتوسط 9.7% للفترة 2016-2018. وبلغ الدين العام في اليونان 126.7% من ناتجها المحلي عام 2009 وبمتوسط 113.1% للفترة 2007-2009. فيما بلغ الدين العام في لبنان 150.9% عام 2018 وبمتوسط 148.7% للفترة 2016-2018. أما عجز الحساب الجاري فقد بلغ 10.9% من الناتج المحلي لليونان عام 2009، وبمتوسط 13.1% للفترة 2007-2009. فيما سجل لبنان عجزاً في حسابه الجاري بلغ 27% من الناتج المحلي عام 2018 وبمتوسط 25.3% للفترة 2016-2018.

وبالعودة إلى مؤشرات الحوكمة، فإن وضع لبنان حالياً هو أسوأ بكثير مما سجلته اليونان قبيل أزمتها. يُقارن الجدول المرافق وضعية لبنان حالياً مع وضعية اليونان ما قبل عام 2010، وذلك باعتماد بيانات صادرة عن البنك الدولي (أحدث بيانات متوافرة هي للعام 2017). مع الإشارة إلى أن قيمة المؤشرات المعروضة في الجدول تراوح ما بين + 2.5 نقطة (الأفضل) و– 2.5 نقطة (الأسوأ). الأرقام بين قوسين تعني قِيَماً سلبية. تُظهر البيانات الواردة في الجدول أنه حتى الدولة التي قاربت الإفلاس، كانت لديها مؤشرات حوكمة أفضل مما لدى لبنان اليوم.

وفي مؤشرات الفساد بالتحديد، نشير إلى أن مؤشر Corruption Perception Index الصادر عن Transparency International أظهر أن اليونان احتلت المرتبة 56 عالمياً عام 2007، والمرتبة 57 عام 2008 والمرتبة 71 عام 2009. فيما احتل لبنان المرتبة 136 عام 2016 والمرتبة 143 عام 2017 والمرتبة 138 عام 2018. ونشير هنا إلى ان لبنان جاء في المرتبة الثالثة عشرة بين الدول العربية بالنسبة الى المؤشر المذكور، وسبق فقط الدول العربية التي تشهد حروباً وتلك المصنّفة ضمن الأكثر فقراً. وبالنسبة الى الهدر في الإنفاق الحكومي (Wastefulness of government spending)، تدل بيانات البنك الدولي على أن لبنان احتل المرتبة 135 عالمياً عام 2016 (وهو أحدث رقم متوافر)، فيما احتلت اليونان المرتبة 107 عام 2009. وعليه، كيف لبلد يُسجل تلك المعدلات الرديئة من الحوكمة وسيادة القانون تفادي أزمة إقتصادية ومالية تلوح في الأفق؟

ولا شك في أن ضعف الحوكمة وحكم القانون في لبنان قد أدى الى تأثيرات سلبية جداً على مناخ الأعمال فيه وإلى المساهمة في عرقلة الإستثمار، وهو أحد الأعمدة الأساسية للنمو الاقتصادي. فعلى سبيل المثال، احتل لبنان المرتبة 105 عالمياً في مؤشر التنافسية العالمي عام 2017 (مقابل 71 لليونان عام 2009)، والمرتبة 142 في مؤشر سهولة القيام بالأعمال عام 2018. كما تتجلى معوقات الاستثمار في مؤشرات أخرى مثل عدد الإجراءات المطلوبة لتسجيل مؤسسة والتي بلغت بحسب البنك الدولي 8 في لبنان عام 2018، مقابل 4 في اليونان، والوقت اللازم لبدء نشاط تجاري الذي بلغ 15 يوماً في لبنان مقابل 12.5 يوماً في اليونان، ومتوسط الوقت اللازم للحصول على كهرباء هو 89 يوماً في لبنان و55 يوماً في اليونان. وبالنسبة الى قوة حماية المستثمر، احتل لبنان المرتبة 116 عالمياً عام 2017.

ولا بد كذلك من الإشارة إلى أن توافر بنية تحتية جيدة يُمثل ركيزة أساسية لتطور النشاط الاقتصادي وتاليا للنمو. ولا شك في أن الإجراءات التقشفية الواسعة التي قامت بها اليونان قد أثّرت سلباً على بنيتها التحتية، حيث تراجعت مرتبتها العالمية في مؤشر جودة البنية التحتية من 54 عام 2009 إلى 61 عام 2012 لتعود وتتقدم إلى المرتبة 53 عام 2017. في مقابل ذلك، احتل لبنان المرتبة 130 عام 2017 في هذا المؤشر، كما احتل المرتبة 121 عالمياً في جودة الطرق، والمرتبة 134 في جودة إمدادات الكهرباء، والمرتبة 91 في جودة البنية التحتية للمرافئ عام 2017. كذلك سجل لبنان في مؤشر الخدمات اللوجستية الصادر عن البنك الدولي 2.7 من 5 عام 2018. كل هذه الأرقام تدل على مدى صعوبة إعادة إطلاق عجلة النمو الاقتصادي في ظل وجود بنية تحتية كهذه.

خلاصة ما سبق، أنه في ظل وجود اختلالات اقتصادية ومالية كبيرة ومتجذّرة، مترافقة مع مستوى متدنٍ جداً من الحوكمة وحكم القانون، ومناخ أعمال سيئ جداً، وبنية تحتية مترهلة، يُصبح تفادي الأزمة أكثر صعوبة. وفي حال الدخول في الأزمة، سيكون الخروج منها أكثر صعوبة. وعليه، يجب على صانعي القرار عدم التركيز فقط على كيفية حلّ مشكلة عجز الموازنة والمديونية، بل التركيز أيضاً على تحسين مستوى الحوكمة ومناخ الأعمال لتفادي الوقوع في الأزمة، لأنه في حال دخل لبنان في أزمة فعلية، قد يكون من المستحيل الخروج منها في ظل كل المؤشرات الواردة أعلاه.

باحث في الشؤون النقدية والمصرفية


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
لبنان: تحذير الحريري واعتراض جعجع وجنبلاط.. التسوية المفكَّكة
لبنان: ملف التعيينات سيُطرح «سلة واحدة» بالحكومة
الأميرة صوفي باسم الملكة إليزابيث: تعلم بريطانيا أهمية لبنان
اتفاق بين عون والحريري على التعيينات وتململ في أوساط المصارف
جعجع للمرة الأولى: اقتراح كتلة التنمية الانتخابي ولد ميتاً
مقالات ذات صلة
جبران باسيل: خصوصيّات ومقارنات - حازم صاغية
الرد على العنصرية دفاعاً عما تبقى من آدمية - حسام عيتاني
ما أسهل خداع اللبنانيين - غسان العيّاش
عاش الضعف... تسقط القوّة - حازم صاغية
تخريب التوازنات اللبنانية والعداوات اللاحقة - وليد شقير
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة