الخميس ١٨ - ٧ - ٢٠١٩
 
التاريخ: أيار ٢, ٢٠١٩
المصدر: جريدة الحياة
ليس لدى البدري من يكاتبه - مشرق عباس
لم يكن إبراهيم عواد البدري الملقب بـ أبي بكر البغدادي، ينوي وهو يتموضع لتصوير فيديو جديد للحديث عن معركة الباغوز واندحار تنظيمه هناك، لم يكن ينوي حتى الحديث عن المأساة الكبرى التي تركتها مغامرته الباهظة في العراق. أحداث السودان والجزائر ورئاسة نتانياهو أمور لا تعنيه، والحديث عن عمليات انتقامية في ثماني دول، ليس له معنى. ربما كانت الرسالة الوحيدة الممكنة التي أراد إيصالها إلى أنصاره، أو ما تبقى منهم، هي التي اختصرها في جملة واحدة "الله أمرنا بالجهاد ولم يأمرنا بالنصر"، وهي شيفرة إعلان موت ما.

أن يكون البغدادي حياً، بعد كل الدماء التي أراقها والمدن التي تهدمت تحت نصال جهاد تنظيمه، والأسر التي تحطمت في خيم اللجوء والمنافي الإجبارية، فذلك لم يعد خبراً. وأن يتم الإعلان عن مقتله غداً بقصف جوي أو اغتيال من بين خواصه، لن يكون صدمة، فالرجل الغارق في الـ "بارانويا" سيكتفي بلذة صناعة صورة صادمة لموته. لهذا، قدم شكره إلى الإعلاميين في تنظيمه قبل المقاتلين، فالأسترالي والبلجيكي والشيشاني صنعوا للخليفة تاجه وأزياءه في مواقع التواصل الاجتماعي، صمموا الصدمات المروعة في ذبح الأبرياء، وفرشوا أمامه الطرق لدخول مدن عظيمة لاذ مئات الآلاف من حراسها بالفرار أمام عشرات من مقاتليه.

لكن الصورة ليست سوى صورة، استنفدت خلال شهور لاحقة قدرتها على الترويع، وتطهرت قلوب الناس من الرعب الذي سببته، وصاروا يتمعنون في مشاهد الذبح والحرق والرمي من شاهق، يتأملونها كواجب مدرسي محتوم، من الضرورة مراجعته، ويتذكرونها في ملامح الضحايا التي لم تنجح قسوة البغدادي في تشويهها.

الرجل الذي تضخم اسمه في 2014 محيراً كل من عاش على الكوكب، لم يتبق من سرديته سوى ضخامة كرشه، ولون لحيته المخضّبة بالحناء، يشكو قساوة الصائلين على أنصاره، فهو ليس مستعداً في لحظة إعلان الموت أن يراجع سيل المظالم التي تركها خلفه، طريق السبايا وأبناء الاغتصاب، لعنة المحاجر والمخيمات والأطفال والنساء الذين لم يعرفوا شكل السقوف منذ خمسة أعوام، التاريخ الذي أهين واستبيح ونكل به، المنازل التي انهارت على أهلها، والدماء التي صبغت دجلة والفرات بلونها وبأسئلة أصحابها الخانقة.

في حربه التي يدّعي أنها أصبحت حرب استنزاف كونية بعدما كانت طائفية، لا يثير البغدادي الرعب، لا يستدعي أي عاطفة إنسانية جرى التلاعب بها، فقط يذكّر الجميع، بأنه صورة صنعت، ويمكن أن يتم صناعة غيرها غداً، مادامت أدوات التصوير متوافرة، والظروف متاحة، ومادام بالإمكان أن تلدغ الأصابع مرة ومرتين.

في خضم تزاحم المنتصرين لتقاسم إرث البغدادي، ينسى الجميع أي إرث يتقاتلون على نيله، فالمدن التي تركتها الحرب أكواماً من الأحجار القاتمة والنفوس المختنقة ببؤسها، ما عادت لديها قصة لترويها. حتى عندما يتجمع شباب في الموصل في محاولة لنشر الأمل، يخطفهم موت العبّارة المبهم، تسلبهم السياسات الرثة والشخصيات الأكثر رثاثة ضحكاتهم، وتطاردهم عيون التنكيل، ثمة من يريدهم أن يستمروا في دفع ثمن "داعش" وحدهم اليوم وغداً. ليس لأن هذه الشعوب مجبولة على إبدال "الطاغوت بالطاغوت" كما يعتقد البغدادي، بل لأنها شعوب مجروحة في هويتها، في ماضيها وفي مستقبلها، ولأن الطواغيت كالـ "غرغرينا" تهاجم الجروح المفتوحة. لهذا، سهل على البغدادي أن يكون خليفة لبعض الوقت، وسهل على المنتصرين عليه أن يتركوا جروح الناس مفتوحة وعرضة لطاغوت آخر.

ليس لدى البغدادي من يكاتبه، لم يعد ينتظر أخبار الولايات وتبجيل ولاتها، ستفرحه بين الحين والحين أنباء عن أولئك الذين يقتلون غيلة، عن سيارة ينجح أحدهم بتفخيخها، وعبوة يحملها انغماسي بين مصلين... الصورة لم تعد تفي بأغراضها، والخطابات الحماسية لم تعد تستدعي نفيراً، والرعب لا يعد رعباً حين يعيشه الناس ويتعايشون معه.

في معرض التأمل لصورة البغدادي الأخيرة، نبدو وكأننا فئران تجربة نجت بشق الأنفس من مذبحة مختبر ما، نستدعي تلك المهزلة الإنسانية الدامية التي مكنت هؤلاء القوم من مصير أمة عميقة، نستحضر مهازل السياسة العراقية التي سلمت رقاب الأبرياء إلى حفلة الجلادين. نغمض أعيننا، فيتكرر شريط الصور، ليس من بينها صورة إبراهيم البدري ولا حتى صور ضحاياه، بل صور أطفالنا الغافلين عن نزوة سياسية جديدة، إقليمية ودولية، ربما تدفع من قاع التاريخ بغدادياً آخر يستولي على غدهم.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
«تيار الحكمة» العراقي يحشد لمظاهرات {مليونية}
«الدعوة» يجدد ثقته بالمالكي ويوكل «الشورى» لاختيار القيادة
أيزيديات حرمهن "داعش" من أزواجهن يناضلن لتأمين لقمة العيش لأطفالهن
عادل عبد المهدي بين «فكّي» الضغوط الداخلية ومخاطر الصراع الأميركي ـ الإيراني
السلاح يزاحم السمك والخضراوات في أسواق العراق
مقالات ذات صلة
أربعة عقود على رحيل محمد شرارة: شاهَد الديكتاتورية ولم يشهد تفتت العراق - بلقيس شرارة
هل كان عباس الكليدار آخر العمالقة العراقيين؟ - حميد الكفائي
بين الدولة العراقية و"الدولة الموازية" المقترحة - مشرق عباس
صفقة الالتهام العراقية الكبرى! - مشرق عباس
العراق دولة تدار بالوكالة - حميد الكفائي
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة