الأثنين ٢٣ - ٩ - ٢٠١٩
 
التاريخ: آذار ١٢, ٢٠١٩
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
مَعابِر مُلزِمة لاكتساب الثقة - ميشال عقل
تأسيساً على مؤتمرات باريس 1-2-3 ونتائجها، لا يمكن الوثوق بالطبقة السياسية والتسليم مُسبقاً بنجاح "سيدر"، لا سيما لجهة "إصلاحات" البيان الوزاري للحكومة الجديدة، من دون إجراء إمتحان جدّي وإختبار للنوايا والتماس السلوك الجديد الموعود. فالطبقة السياسية إياها، وبالتزامن مع التبشير بـ "سيدر" وفضائله طيلة العام 2018، ارتكبت أكبر مخالفاتها المناهضة لمنطق الإصلاح المقرر في المؤتمر المذكور. وسأكتفي هنا بذكر إثنتين منها على سبيل المثال. الأولى فضيحة التوظيف "الإنتخابي" غير القانوني في الإدارات والمؤسسات العامة بما يُلامس العشرة آلاف متعاقد، ما أغرق الإدارة وصعّب عمليات الترشيق والإصلاح المطلوبة وكلف الخزينة ملايين الدولارات، وهي في وضعية مُفلسة لا تستطيع فيها تأمين معاشات ومستحقات الموظفين الموجودين. والثانية تتمثل بفضيحة الهندسات المالية الأخيرة، بالشراكة بين المصارف ووزارة المال ومصرف لبنان والتي قضت بإستدانة مبالغ كبيرة جداً لسدّ عجز الخزينة العامة وبفوائد لا يمكن تصديقها. أذكر هاتين الفضيحتين من بين عشرات تزامنت معها وسبقتها خصوصاً في ملفات الكهرباء والنفايات والاتصالات… وسواها. من هنا التوجس المبرر وعدم الثقة عند الغلبة من اللبنانيين وحتى عند بعض أطراف هذه الطبقة الفاسدة ونوابها وأحزابها. وبالتالي لا يمكن الركون لها ولسياساتها و"إصلاحاتها"من دون فعل الندامة والدخول في زمن التوبة والنجاح في الإمتحان. وفيما يلي بعض مواد إمتحان الدخول الإلزامي والذي من دون النجاح فيه لا يمكن العبور الى المرحلة الصعبة التالية. إن أبسط قواعد لجم الإفلاس والتدهور تبدأ بوقف الهدر والانفاق غير المجدي والحد من المبالغة في الاستدانة، وممارسة أعلى درجات التقشف بدأً من القِمّة ومن أعلى المراكز والمؤسسات، "فالدرج يُشطف من فوق يقول المثل العامي":

1- تخفيض رواتب ومخصصات الرؤساء والوزراء والنواب الحاليين والسابقين المقدرة سنوياً بنحو 72 مليون دولار وذلك بنسبة 40٪ على الأقل بمدى أربع سنوات.

2- تخفيض موازنات القصر الجمهوري ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب وسائر المؤسسات الحكومية والعامة بمعدل 30٪، وذلك باعتماد التقشف في المناسبات والاستقبالات والتجهيزات والإستغناء عن بعض المستشارين والموظفين غير الفاعلين.

3- تخفيض أعداد مرافقي وحراس الرؤساء والوزراء والنواب وكبار موظفي الدولة والقضاة والعسكريين… الحاليين والسابقين بما يزيد عن النصف، بعد درس كل حالة طبقاً للحاجة الأمنية فقط دون سواها. وفي تقديرنا أن هذه التدابير من شأنها أن تُعيد نحو ألف عنصر من القوى الأمنية الى ثكناتها ووظائفها الأساسية.

4- خفض فواتير السفر والإقامة والتمثيل في الخارج بالتحول نحو السفر في الدرجة العادية وإلغاء استعمال الطائرات الخاصة، والإقامة في فنادق الدرجات المتوسطة، وخصوصاً الإستفادة من مباني القنصليات والسفارات في الخارج لإستضافة الوفود وإقامتها.

5- إلغاء مخصصات الرسميين المدنيين والعسكريين المتعلقة بالمحروقات وسواها وبتخفيضات الرسوم الجمركية على السيارات المستوردة الخاصة بهم وبعائلاتهم.

6- إعادة النظر بالمفسدة الجماعية التي قضت بإدخال ما يزيد على عشرة آلاف موظف - متعاقد الى مختلف المؤسسات الرسمية اللبنانية سنة 2018، وذلك بإخضاع كبار الرسميين المخالفين للمساءلة، والموظفين للامتحانات عن طريق مجلس الخدمة المدنية قبل تثبيت تعاقدهم وصرف من لا يستحق منهم.

7- وضع أجندة تقضي بإخلاء الأبنية الحكومية المستأجرة وعدم تجديد أي إيجار، وإنتقال الدوائر الحكومية الى ممتلكات الدولة اللبنانية لا سيما في العاصمة بيروت حيث تملك الدولة والبلدية ما يزيد على مايتي عقار.

8- إلغاء وزارة المهجرين ومجلس الجنوب فوراً مع حفظ حقوق المواطنين المستحقة وتوزيع الموظفين على الشواغر في مؤسسات الدولة.

9- شطب الجمعيات الخيرية والأهلية "الوهمية" من سجلات وزارة الداخلية بعد إخضاعها للتحقيق والملاحقة القضائية، وهي بالآلاف وتتقاضى مساعدات حكومية ومن منظمات المجتمع الدولي واللبنانيين والبلديات ولا تقوم بأية خدمات.

10- الإلغاء الفوري لكل المعابر غير الشرعية في المرافئ العامة ولا سيما منها في مرفأ بيروت ما يُضاعف مداخيله التي يجب أن تتناسب مع حجمي التصدير والإستيراد السنوي المصرح بهما.

11- العمل على وقف التعديات على شبكات الكهرباء والمياه من قبل اللبنانيين وغير اللبنانيين وعلى الأراضي اللبنانية كافةً، وتعميم الجباية، وذلك قبل المس بالتسعيرات الحالية، مما يُضاعف مداخيل هذه المؤسسات ويُشعر المواطنين الذين يقومون بواجباتهم أنهم في بلد فيه الحد الأدنى من المساواة.

12- توسعة قاعدة المكلفين بالضريبة على الأرباح، وفي تقديرنا أن المكتومين يُعدّون بالآلاف وفي مختلف القطاعات والمهن. وبخاصة إخضاع أصحاب ومستثمري المولدات الذين تفوق مداخيلهم الملياري دولار سنوياً للضريبة على الأرباح بالتزامن مع استكمال تركيب نظام العدادات وتعميمه.

13- إعادة النظر بمساهمة الخزينة العامة في نفقات وأجور المحاكم الروحية التي بلغت نحو 41 مليون دولار سنة 2018، ووضع خطة لإلغاء هذه المساهمة في السنوات المقبلة.

هذه عينة من الإجراءات والإصلاحات المالية والضريبية والإدارية المطلوبة فوراً والتي تُنتج نحو ملياري دولار سنوياً، وذلك قبل الدخول الى "الإصلاحات" المذكورة في بيان الحكومة والمفروضة من المجتمع الدولي والمؤسسات المانحة. ونحن نأمل أن تُقر سريعاً في مجلس الوزراء بمهلة لا تزيد عن المئة يوم الممنوحة للحكومة لإثبات مصداقيتها تجاه مكوناتها أولاً والمجتمع اللبناني ثانياً. هذه إصلاحات إختبارات طوعية بديهية لا تستوجب الكثير من الوقت والدرس والتشريع، وهي مَعابر مُلزمة لإستعادة بعض الثقة وليس كلها. هذه الطريق قد تمنح النظام الذي وصفته صحيفة "لو موند" الفرنسية في عددها الأخير بالميت، فرصةً نادرة لإستعادة الحياة وإلاَّ فالدفن قريب وحتمي.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
واشنطن ترفض منح تأشيرة دخول لوزير الصحة اللبناني
الحريري يعلق العمل في تلفزيون المستقبل لأسباب مادية
دعم مالي سعودي للبنان يواكب انطلاق "سيدر"
المحكمة الدولية تتهم قيادياً في «حزب الله» باغتيال حاوي ومحاولة قتل حمادة والمر
تضامُن مع صحيفة لبنانية لوحقت لانتقادها نفوذ إيران
مقالات ذات صلة
هل على لبنان أن يخوض حرباً من أجل فك الحصار عن إيران؟ - حارث سليمان
عثمانيون وفينيقيون: تأسيس الأوطان وتفكيكها - حازم صاغية
لبنان: فينيقي... عثماني أم عربي؟ - حسام عيتاني
الحذر الإسرائيلي من شبح التسوية - سام منسى
أين تقف حدود الخنق الأميركي لـ"حزب الله"؟ - سابين عويس
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة