الأحد ٨ - ١٢ - ٢٠١٩
 
التاريخ: شباط ٦, ٢٠١٩
المصدر: جريدة الحياة

الملف: دستور
تعديل الدستور في مصر.. ممارسة اعتيادية - محمد شومان
في خطوة متوقعة بدأت في البرلمان المصري إجراءات تعديل الدستور الحالي، حيث تقدم رئيس ائتلاف «دعم مصر» صاحب الأغلبية إلى رئيس مجلس النواب بمذكرة تقترح تعديل 12 مادة من مواد الدستور واستحداث 8 مواد جديدة، أهم ما تضمنته تخصيص ربع مقاعد البرلمان للمرأة، وتشكيل مجلس شيوخ له صلاحيات استشارية، وتمديد مدة الرئاسة من أربع سنوات إلى ست سنوات، وحق رئيس الجمهورية الحالي بعد انتهاء مدة رئاسته في ترشيح نفسه لفترتين كل منهما ست سنوات، كما يتولى الرئيس رئاسة مجلس أعلى للجهات القضائية يقوم بالإشراف على شؤونها المشتركة، ولرئيس الجمهورية أن يعين نائباً له أو أكثر، كما تضمنت مقترحات التعديل النص على أن يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

ومن الواضح أن محور التعديلات المقترحة يدور حول توسيع صلاحيات الرئيس والسماح له بترشيح نفسه عند انتهاء فترة رئاسته الثانية عام 2022، لفترتين مجموعهما 12 عاماً، ما يعني إمكانية استمرار السيسي في حكم مصر إلى عام 2034، في حال نجاحه في الانتخابات الرئاسية التي تلي 2022. لكن من غير الواضح هل سيكون السماح للرئيس بترشيح نفسه لفترتين بعد انتهاء ولايته الثانية استثناءً خاصاً للسيسي فقط، نظراً لدوره في ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013 وقيادته مصر في ظل ظروف صعبة داخلياً وخارجياً، أم أن هذا النص سيكون من ضمن مواد دستور مصر .

وكان الدستور الحالي أقره الشعب المصري بأغلبية 98 في المئة في كانون الثاني (يناير) 2014، أي منذ خمس سنوات فقط وهي فترة قصيرة قد لا تكفي لاختبار الدستور وتفعيله في أرض الواقع، لاسيما وأن بعض مواده لم يتم العمل بها، لكن المطالبين بالتعديل يرون أن اللحظة الثورية والتهديدات الأمنية التي أحاطت بلجنة الخمسين عند كتابة الدستور فرضت مواد وصياغات غير دقيقة تجاوزها الواقع السياسي والاجتماعي الحالي، كما أن أي دستور ليس نصاً مقدساً وإنما خاضع للتعديل والتغيير بحسب متغيرات الواقع والمصلحة العامة، وكانت لجنة الخمسين قد ضمت ممثلين لكل القوى السياسية بما في ذلك الإسلامويين باستثناء جماعة «الإخوان»، لكن بعض أعضاء اللجنة يطالبون حالياً بتعديل بعض مواد الدستور فيما يعارض البعض الآخر، والمدهش أن أعضاء لجنة الخمسين توافقوا على مواد الدستور، وأعلنوا بعد الانتهاء من كتابته انه أعظم دستور في تاريخ مصر الحديث وأنه من أرقى الوثائق الدستورية في العالم.

والمدهش أيضاً أن لجنة الخمسين تأثرت إلى حد كبير بعقدة تعديل الدستور وتمديد فترات الرئاسة، وهي عقدة مصرية ترتبط بتغيير الرئيس السادات لدستور 1971 وإطلاقه لمدد الرئاسة من دون حد أقصى عام 1980، وهو التعديل الذي لم يستفد منه السادات الذي اغتيل عام 1981 قبل أن يكمل فترة رئاسته الثانية، لذلك نصت المادة 126 من الدستور الحالي على أنه «في جميع الأحوال لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقا بمزيد من الضمانات»، ويرى بعض الفقهاء الدستوريين أن هذه المادة تعتبر من الأحكام فوق الدستورية ولا بد من احترامها، بينما يؤكد فقهاء آخرون أن جميع مواد الدستور متساوية، وأن المواد التي تحصن الدستور تلزم فقط السلطة التأسيسية التي وضعته، وهي متغيرة، ومن غير المنطقي مصادرة حق الأجيال القادمة في تعديل الدستور.

ويمكن القول أن لدى المصريين حساسية خاصة من تعديل الدستور، ومن فكرة عدم وضع سقف لفترات الرئاسة، لأن كل السوابق التاريخية لم تؤد إلى نتائج إيجابية فيما يتعلق بالتخلص من إرث مصر الاستبدادي والتحول الديموقراطي، كما أن تعديل المواد الخاصة بمدد وصلاحيات الرئيس تسببت في توترات ومشكلات سياسية ودستورية، فدستور 1923 الذي كان من إنجازات ثورة 1919 حمل كثير من ملامح الفكر الليبرالي لكنه لم يكن ليبراليا أو يؤسس لدولة ليبرالية، ومع ذلك أطاح به الملك فؤاد عندما حل البرلمان وكلف إسماعيل صدقي بتشكيل وزارة أقلية ثم اصدر الأخير دستور 1930 الذي منح الملك سلطات واسعة، لكن انتفاضة الشعب بقيادة الطلبة والعمال أسقطت هذا الدستور وأعيد العمل بدستور 1923، والذي لم يلتزم الملك والإنكليز بأحكامه في عديد من المناسبات، إلى أن قامت ثورة 1952 وتأسس النظام الناصري والذي اصدر ثلاثة دساتير (1956، 1958، 1964) موقتة ولم تحترم في اغلب الأحيان، من هنا اصدر السادات دستور 1971 وروج له باعتباره دستورا دائما يؤسس لشرعية دستورية بدلا من الشرعية الثورية لنظام عبدالناصر، لكن المفارقة أن السادات دعا الشعب إلى استفتاء عام 1980 لتعديل الدستور، بحيث نص ولأول مرة في تاريخ مصر على أن مبادئ الشريعة المصدر الرئيس للتشريع، ونص أيضاً على إطلاق مدد الرئاسة (كانت فترتين فقط كل منهما 6 سنوات).

هكذا تعرض «دستور مصر الدائم» لأول تعديل، لكنه لم يكن الأخير.. فقد خضع لثلاثة تعديلات الأول عام 2005 لتنظيم اختيار رئيس الجمهورية بانتخابات مباشرة، والثاني عام 2007 لحذف النصوص الخاصة بالنظام الاشتراكي للدولة، أما التعديل الثالث فكان الأغرب لأنه جاء بعد ثورة 25 يناير، التي يفترض أنها أسقطت النظام السياسي ومؤسساته بما فيه الدستور ذاته، ومع ذلك استفتي الشعب على أمرين هما إلغاء الدستور، أو تعديل بعض مواده، والخاصة بتقييد مدد الرئاسة بحد أقصى مدتين لفترة أربع سنوات، وتخفيف شروط الترشيح للرئاسة، مع النص على شرط إن يعين الرئيس نائباً واحداً على الأقل، إضافة إلى بنود تضمن الإشراف القضائي على الانتخابات. وفي إثناء حكم «الإخوان» صدر دستور 2012، الذي أسقط في 30 تموز (يوليو) 2013 ليحل محله الدستور الحالي.

القصد أن مصر تعاني عبر تاريخها من عدم استقرار دستوري، كما أن تعديل الدستور هو ممارسة مصرية عرفها النظام السياسي في العصر الملكي والجمهوري بنسخه المختلفة من عبدالناصر والسادات ومبارك، وبالتالي قد لا يبدو غريباً في ظل تقاليد السياسة المصرية والدور المحوري لرئيس الجمهورية في النظام السياسي أن يعدل الدستوري، لاسيما وان الرئيس هو السيسي الذي يري قطاع واسع من المواطنين والنخب أن سنوات رئاسته (8 سنوات بحسب مواد الدستور الحالي) قد لا تكفي لإتمام مشروعاته التنموية، والقضاء على الإرهاب وتحقيق الاستقرار، وأعتقد أن أصحاب هذا الرأي سيدعمون التعديلات المقترحة، خاصة وأنها تقترح تعيين نائب أو أكثر للرئيس، وتقتصر علي التمديد لفترتين للرئاسة في حد أقصى، كما أنها فيما يبدو ستكون بمثابة حكم انتقالي أو استثنائي محدد بشخص الرئيس السيسي ودوره الكبير بعد الثورة المصرية وحكم «الإخوان».

ويمكن القول أن البرلمان سيوافق بأغلبية تفوق الثلثين على التعديلات المقترحة، وهو شرط لازم للتعديل، كما يرجح على نطاق واسع تمرير الاستفتاء بسهولة والحصول علي تأييد أغلبية الناخبين، لكن هذه التعديلات التي تواجه حاليا بمعارضة محدودة وغير مؤثرة داخل وخارج البرلمان، ربما تدعم من قوة وانتشار هذه المعارضة، والتي ستعتمد على مخاوف وحساسية المصريين من الممارسات التي تعقب عادة تمديد فترات الرئاسة.

* كاتب مصري.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
الملف: دستور
أخبار ذات صلة
بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر يؤكدان مواصلة التعاون لتحقيق «الإخاء الإنساني»
عفو رئاسي مصري عن 333 سجيناً
البرلمان المصري يصوّت اليوم على إعلان حالة الطوارئ 3 أشهر
مصر: قانون «الأحوال الشخصية» ينذر بجدل بين البرلمان والأزهر
النواب المصري: قرار البرلمان الأوروبي عن حقوق الإنسان «غير مقبول»
مقالات ذات صلة
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
مئوية ثورة 1919 المصرية... شعب يطلب الاستقلال - خالد عزب
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة