الخميس ١٣ - ١٢ - ٢٠١٨
 
التاريخ: تشرين الأول ٩, ٢٠١٨
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الفقر وصراخ الطبقات الوسطى - أديب نعمة
الاهتمام بظاهرة الفقر في لبنان هذا العام تتجاوز المألوف. يعود ذلك في الدرجة الأولى إلى أن المعنيين بالظاهرة باتوا أوسع من السابق، حيث انضمت إلى "الفقراء" التقليديين (حوالي ثلث السكان) شرائح إضافية من الأسر والسكان (الثلث الثاني أو أكثر) الذين لطالما اعتبروا أنفسهم من الطبقات الوسطى الدنيا، أو على الأقل من غير الفقراء. وتعريف الفقر ملتبس دائماً، سواء في المقاربة التي تنسب نفسها إلى العلم والقياسات الدقيقة، أو في الوعي الشائع، نظراً لما يوحي به مصطلح الفقر من نفور حتى للفقراء أنفسهم الذين لا شك في انتسابهم إلى هذه الفئة، فكيف لمن هم أحسن وضعاً. أما انضمام فئات جديدة إلى الاهتمام بذلك، فقد ساهمت فيه بشكل مباشر أربعة عوامل، ثلاثة منها معترف بها، والرابع يتجنب المعنيون غالباً الاعتراف به. وهذه العوامل هي الآتية: 1- أزمة قروض الإسكان؛ 2- أزمة ارتفاع أقساط المدارس الخاصة؛ 3- الضرائب والرسوم الجديدة بمناسبة إقرار الموازنة؛ 4 – التراجع الهيكلي في الوضع الاجتماعي والاقتصادي، والاستنزاف المستمر والمتدرج للموارد الاحتياطية الأسرية والفردية (والعامة استطراداً).

غالباً ما يجري تجاهل العامل الرابع لتجنب إثارة مسألة الحاجة إلى سياسات اقتصادية واجتماعية جديدة لمعالجة الأسباب الهيكلية للفقر والتفاوت وتدهور الفئات الوسطى؛ ولتجنب الاعتراف بأن الأسباب هيكلية لا طارئة أو مؤقته (كأن ينسب ذلك إلى تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان مثلاً، أو إلى الفساد بما هو عامل خارجي بالنسبة إلى الاقتصاد). والعامل الثالث – الضرائب – يعبر عنه غالباً في جو من الامتعاض وعدم الرضى الذي لا يجد غالباً ترجمات عملية له. في حين أن العاملين الثاني والأول أكثر وضوحاً في الوعي الشائع، وهما يطالان فئات اجتماعية محددة تعي مشكلتها الراهنة على هذا الأساس، تحديداً فئة أهالي التلاميذ في المدارس الخاصة (لاسيما ذات الأقساط المرتفعة) وفئة طالبي قروض الإسكان لاسيما من فئة الشباب. وهاتان الفئتان ليستا من الفئات الاجتماعية الأشد فقراً، بل هما تعتبران نفسيها من الفئات الوسطى– كما سبقت الإشارة إلى ذلك– إذ إن إرسال الأبناء إلى المدارس الخاصة يتطلب مستوىً معيناً من الدخل الثابت، كما أن الحصول على قروض يتطلب وجود دخل ثابت (وضمانات أخرى ربما) من أجل الحصول عليه.

الأقساط وقروض الإسكان

من الناحية الواقعية لا أزمة قروض الإسكان، ولا ازمة أقساط المدارس الخاصة (لاحظوا أن ساحتها الأبرز هي المدارسة الكاثوليكية) تؤثر على الأسر الفقيرة ولا تعنيها مباشرة، إلا أنها تعني أن الفئات الوسطى المشار اليها (ومن هم في أوضاع مشابهة لها) هي الفئات التي ستواجه ضغوطات معيشية تضطرها إما إلى تغيير نمط حياتها، أو إلى الانحدار إلى مستويات تقترب أكثر من ظروف الأسر الفقيرة، إذا لم تجد مخارج أو حلولاً تسمح لها بالتكيّف أو تحميل فئات أخرى عبء استمرارها في مستوى المعيشة نفسه. يشكل أهالي تلامذة المدارس الخاصة فئات اجتماعية منوعة وواسعة جداً مع تفاوت في انعكاس الأزمة عليهم بحسب مستوى الأقساط ونوعية المدارس التي يقصدها أولادهم. كما أن مشكلة قروض الإسكان، وإن كانت تطال فئة محدودة العدد في اللحظة الراهنة، إلا أنها تعني أيضاً فئات متوسعة مستقبلاً، حيث إن الحاجة الكامنة راهناً ستصبح مشكلة فعلية لاحقاً. وهذا الوضع يولّد مناخاً من التماهي بين فئات وسطى غير معنية بمشكلتي المدارس والإسكان اليوم، وبين المتأثرين مباشرة فيها. ومن الناحية الثقافية لا تجد هذه الفئات حرجاً في التماهي معها كما هي الحال بالنسبة للفئات الفقيرة أو حالة الفقر، التي لا تزال موصومة "بالعيب" (الصريح أو الضمني) إذ لا يرغب كثيرون في التماهي مع الفقراء، الذين هم دائماً الآخرون الذين نتعاطف معهم، لا نحن.

من الفقر إلى القضية الاجتماعية

مع هذه المستجدات، ننتقل من مشكلة الفقر إلى "المسألة الاجتماعية"، وهي مفهوم أوسع وأكثر قبولاً. كما أنه من الناحية الموضوعية أكثر تعبيراً عن الواقع اللبناني، حيث إن مفهوم الفقر نفسه نسبي، كما أنه لا يمكن من الناحية العملية التصدي لظاهرة الفقر بعزلها عن القضية الاجتماعية في فهمها الشامل، ولا وضع سياسات ضيقة لمكافحة الفقر بمعزل عن سياسات اجتماعية شاملة. هذا أحد الدروس الأساسية لتجارب مكافحة الفقر في العالم بعد عقود الفشل في القضاء عليه، وهذا أكثر انطباقاً على الدول ذات مستوى التنمية المتوسط – ومنها لبنان – حيث الفقر النسبي هو الأساس، وحيث لا يمكن فصل الفقر عن التفاوت واللامساواة، ولا سياسات مكافحة الفقر عن ضرورة بلورة استراتيجات وخطط وسياسات اجتماعية متكاملة.

حلول غير واقعية وتشجيع على الصراع المجتمعي

المؤسف أن المواقف والسياسات الحكومية تذهب في الاتجاه المعاكس (ولا يغير من ذلك بعض الخطابات التي لا معنى لها هنا وهناك)، وهي أيضاً تدفع باتجاه اعتماد حلول غير واقعية وتزيد من حدة الصراع الاجتماعي في البلاد، دون أن تشكل حلاً فعلياً لأي مشكلة، كمن يحفر حفرة ليردم أخرى أو من يزيد من ديونه ليسدد ديوناً أخرى. إن الأفكار التي تطرح بين الحين والآخر بصفتها حلولاً لمشكلة معينة تتكشف عن غياب شبه كامل للمسؤولية، وأمامنا ثلاثة أمثلة راهنة: المثل الأول، لحل مشكلة اختلاف المصالح بين المالكين والمستأجرين القدامى، ابتكرت السلطة حلاً اسمه صندوق المستأجرين، حيث سوف تفرض ضريبة/رسوماً على عموم المواطنين من أجل تعويض بعض المالكين القدامى الذين لن يتمكنوا من استيفاء بدلات الإيجارات من المستأجرين الفقراء (نظرياً على الأقل). والمثل الثاني ما أُشيع عن فرض ضريبة إضافية على المحروقات (5000 ليرة) من أجل تمويل دعم فوائد قروض الإسكان (أن ندفّع عموم مستهكلي المحروقات من أجل إقراض فئة من السكان). والمثل الثالث، المطلب "الحق" لأصحاب المدارس الخاصة، لأن تنشئ الدولة صندوقاً خاصاً يمول أيضاً من الضرائب على المواطنين، من أجل إعفاء أصحاب المدارس من دفع أجور معلمي المدارس الخاصة التي قررها القانون. والسلوك في الأمثلة الثلاثة له خلفية منطقية واحدة: تدفيع كل الناس عبء حماية المصالح الخاصة لفئة محددة؛ وانسحاب الدولة من العلاقة المثلثة مع أصحاب المصالح المتعارضة، والتشجيع عملياً على الصراع الاجتماعي المباشر بين المالك والمستأجر، وبين المعلمين وأهالي الطلاب، وبين طالبي القروض والمسؤول "غير المعروف" عن التوقف عن الدعم. وهذا الموقف المنسحب من قبل الدولة، يشجع كل فئة بشكل مباشر أو غير مباشر على التفكير والضغط لحل مشكلتها على حساب فئات أخرى، لا من خلال معالجة شاملة ودائمة للأسباب (مثلاً في حالة قروض الإسكان، السبب الفعلي للأزمة هو الارتفاع المصطنع لأسعار العقارات، وهو ما ينبغى معالجته من خلال إعادة الأسعار إلى وضعها الطبيعي، الامر الذي سيؤدى إلى منافع اقتصادية كبيرة، لا السعي إلى اقتطاع موارد من مصادر وفئات أخرى من أجل الحفاظ على أرباح المقاولين والمصارف).

إجراءات "مكافحة الفقر"

اما لجهة إجراءات مكافحة الفقر بالمعنى المباشر (ولا نقول سياسات لانعدامها) وهو ما يفترض أن يشكل محور عمل وزارة الشؤون الاجتماعية (مع وزارات وجهات أخرى وهو ما ليس قائماً حتى اللحظة)، فلا تزال هناك عناصر قصور هيكلية وخطيرة لا يجري التصدي لها. على سبيل المثل لم تتم حتى الساعة مراجعة نظام الرعاية والمساعدات الاجتماعية في الوزارة رغم مقترحات الاصلاح الكثيرة؛ ولا جرت مواءمة نظام الرعاية التقليدي في الوزارة مع الاجراءات الجديدة التي يعبر عنها برنامج استهداف الأسر الأشد فقراً الذي فشل فشلاً ذريعاً، ولا توجد نية لمراجعته فعلياً (ورد في مقابلة أخيرة لمدير عام الوزارة أنه جرى تكليف شركة أجنبية للقيام بمراجعة البرنامج، مع العلم أنه جرت عملية تقييم عام 2015 ونتائجها واضحة، والأرجح أن الشركة الأجنبية سوف تبقي الأمور على حالها مع تحسينات تقنية لا أكثر). الأمر نفسه بالنسبة إلى برنامج دعم المجتمعات المضيفة للاجئين السوريين المجزّأ وفعاليته التنموية محدودة، وأصبح بدوره جزءاً من منظومة المحاصصة بالشراكة مع منظمات الأمم المتحدة والمانحين. وأخيراً وليس آخراً الحملة ضد التسول التي تنظم مع جهات دولية أيضاً، والتي تريد مكافحة التسول بدعوة المواطنين لعدم التعبير عن تعاطفهم مع الأطفال المتسوّلين وعدم اعطائهم أي أموال (صغيرة طبعاً)، وذلك بدل أن تجري مكافحة شبكات استغلال الأطفال المعروفة حتماً من قبل الجهات المعنية.

أين الخطة الوطنية للتنمية الاجتماعية؟

في كل حال، التوسع في الفئات المعنية والربط بين ظاهرة الفقر وظاهرة اللامساواة وتدهور أوضاع الفئات الوسطى، تتطلب مقاربة مختلفة تبدأ بالعمل الفعلي على وضع خطة وطنية للتنمية الاجتماعية تكون متكاملة، وتبدأ ببناء نظام حماية اجتماعية متدرج وشامل على أساس منظور الحقوق، ومعالجة الاختلالات الاجتماعية من خلال إجراءات وسياسات وآليات فعالة بدءاً من المجلس الاقتصادي الاجتماعي (الذي يجب تصويب عمله أيضاً ليكون منصة حوار حقيقي بين الأطراف بدل النشاطات الاستعراضية)، وصولا إلى اشتراك الخبراء الوطنيين والنقابيين وممثلي الفئات المعنية في وضعها بعيداً من النهج السائد حالياً الذي يسلم أمره إلى المنظمات الدولية والمانحين من جهة، في حين يركز المسؤولون على المحاصصة الغنائمية واستمرار النسق التوزيعي الزبائني نفسه.

الاختلالات الاجتماعية في لبنان أكبر وأعمق من أن تُحلّ بهذه الطريقة.

مستشار في التنمية والسياسات الاجتماعية


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
لبنان: "عصف أفكار" غارق في الأنفاق
عون التقى «حزب الله»: نجاح مبادرتي التوفيقية حول الحكومة أو الكارثة
اسرائيل تواصل أعمال الحفر قرب الحدود "يونيفيل" تراقب والجيش اللبناني يعزز تواجده
المشنوق: الحريري سيبقى على مواقفه أيا كانت الضغوط ... رئاسية أو حزبية
إسرائيل قد توسّع استهداف أنفاق «حزب الله» إلى لبنان
مقالات ذات صلة
حول ومن مؤتمر "الدروز": التحديات - عباس الحلبي
موجز مسيرة استيلاء "حزب الله" على لبنان - منى فياض
أولوية الأنفاق السياسية على العسكرية - وليد شقير
المأزوميّة الراسخة ومكر التاريخ - كمال بكداش
استكمال حكومة العراق وتأليف حكومة لبنان ليسا مترابطيْن - سركيس نعوم
حقوق النشر ٢٠١٨ . جميع الحقوق محفوظة