الثلثاء ١٨ - ١٢ - ٢٠١٨
 
التاريخ: تشرين الأول ٩, ٢٠١٨
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
ثقوب في العباءة الإيرانية - منى فياض
لا يمنع تدهور الأوضاع المتدرج في ايران، ولا اقتصادها المتردي او عزلتها السياسية، حكامها من المكابرة والصلف والتصرف كأن "ثمة لا شيء يحدث في مملكة الدنمرك".
مع النظام الإيراني علينا ان ننظر دائماً خلف الكلمات، لنفهم معانيها.

في فيلم Ça n'arrive qu'aux autres، يعيش الزوجان المتحابان (كاترين دو نوف ومارسيللو ماستروياني) سعادة تامة متمحورة حول طفلتهما ذات التسعة اشهر، لكن ذات يوم ينهار عالمهما، لأن ما "لا يصيب سوى الآخرين"، يصيبهما: ماتت صغيرتهما فجأة. انهار العالم وتبخرت السعادة المطلقة التي كانا غارقين فيها غافلين عما حولهما.

كذلك الحكم الإيراني سيظل مقتنعا حتى آخر لحظة ان الانتفاضات والانقسامات والصراعات المذهبية والعرقية والاتنية لا تحصل سوى للآخرين. فيتصرف وكأنه في منأى عنها في حين كان له الفضل الأكبر في إعادة احيائها وتأجيجها، ظاناً ان عباءة الولي الفقيه تحميه من صراعات المنطقة. فحكم الملالي سيدوم الى الابد!

لا أقصد من ذلك الاستنتاج المتسرع ان الحكم الإيراني وصل الى آخر أيامه، بل العكس، سيحمله ذلك على الامعان في سياساته بالرغم من الثقوب التي بدأت تتسع في عباءة الحكم السوداء.

لقد سبقهم هتلر في عدم الاعتراف بمسؤوليته عما حصل لألمانيا وللعالم جراء سياساته، فحتى آخر يوم في حياته ظل يعتقد انه على صواب وان كل "الحق على الاخرين". نجد في كتاب "آخر يوم في حياة هتلر" ما يلي: "في البداية، تبدو جونغ متحمسة فهل ستكون أول من يسمع لماذا يخسر الألمان الحرب؟ ولكن بينما راح هتلر يرطن بطريقة رتيبة، تشعر جونغ بخيبة أمل على نحو متزايد. فليس في كلامه أي إفصاحات ولا مبررات ولا تعبيرات تدل على الشعور بالذنب - فقط نفس الاتهامات القديمة ضد أعدائه التي كانت قد سمعتها مرات عديدة من قبل".

اعمدة النظام الإيراني الدعائية او تلك التي بلبوس اكاديمي، تزعم ان كل ما تقوم به من ارتكابات وتهجمات ليس سوى "دفاع عن النفس"، جاعلة من حرب صدام قميص عثمان الذي ستغطي به اعتداءاتها على الشعوب العربية.

نعود الى مثال هتلر الذي فيما يعقد قرانه على ايفا براون ويقر للقاضي بأنه من «أصل آري نقي وخالي من أي أمراض وراثية ويصلح للزواج"؛ سيتبين لاحقا انه كان مصابا بشكلين من أشكال تشوه الأعضاء التناسلية: فلقد كانت لديه خصية معلقة بالإضافة إلى حالة نادرة تتمثل في تشوه خلقي في مجرى البول".

لماذا يلجأ كل مستبد الى الكذب والبروباغندا؟

كان هتلر قرأ كتاب غوستاف لوبون "عن سيكولوجية الحشود" واستنتج انه لا يجب محاججة الجماهير لكن جذبها والقيام بالتأثير على أفكارها عبر خبطات مشهدية. فتميز بخطاباته الشغوفة الملتهبة وبرفضه للنقاش وبتكرار نفس المواضيع دون ملل؛ كي تدخل جيداّ في الرؤوس. البروباغندا أهم سلاح في يد الحزب؛ فاستُخدمت الصحافة والاجتماعات والافلام الدعائية وشكلت ال SA (أو القوات الضاربة) أدوات الدعاية الأساسية. نظّم الحزب نفسه على المستوى الوطني وفي كل منطقة وحي مع قائد على رأس كل مجموعة. صارت قواته أقوى وقاموا بمعارك في الشوارع ضد خصومهم لإرهابهم واظهار سطوتهم.

هذا أسلوب ايران عينه، وسياسة أذرعها في المنطقة: من الحرس الثوري الى الميليشيات والمحطات الفضائية والاذاعات والأفلام الدعائية والابواق مدفوعة الثمن بما فاق الدعاية النازية بحيث غدت تافهة امامها.

وفيما يوجهون أصابع الاتهام الى السعودية والامارات وإسرائيل وأميركا باثارة المشاكل في ايران، نجدهم يتفاخرون بامتداداتهم في العالم العربي وباحتلالاتهم للعواصم. وعلى هذا يجيبك الباحث الإيراني انهم غير مسؤولين عن وجود انقسامات وتململ داخل النسيج العربي. في تجاهل تام للإشكالية الاولى التي تعاني منها ايران هي اشكالية الهوية القومية التي كانت دائما متنافرة؛ فإيران كبلد متعدد الاثنيات واللغات (فيه 75 لغة حية) عانت دائماً من صعوبة في استيعاب مختلف هذه الهويات. من اجل استقرارها عليها ان تبحث عن المشترك عبر هوية وطنية جامعة لكنها ستواجه عندها بهيمنة الثقافة والعنصر الفارسيين خصوصاً بعد ان سقط الخطاب الاسلامي المثالي الذي كانت تتذرع به بعد لجوئها الى الخطاب الفارسي والحلم باسترجاع مجد الامبراطورية البائد.

ربما خدرتهم فترة الهدوء التي اعقبت قضاءهم على الثورة الخضراء التي اندلعت في العالم 2009 وكان محركها الأول الاتجاه الإصلاحي داخل النظام. لكن الاحتجاجات استعادت نشاطها أواخر العام 2017 وكانت أوسع واشمل وطالت المدن الإيرانية الصغيرة وصولا الى الريف اي خزان الثورة البشرية التي كانت داعمة للنظام. ورفعت لأول مرة شعارات تنادي بإسقاط الدكتاتور وتعبر عن رفض نظام ولاية الفقيه لإوالخروج من سوريا وبأن يران أولا، لا لبنان ولا فلسطين.

لكن هذا العام، وبعد تدهور قيمة العملة الايرانية بشكل غير مسبوق، حمل مؤشرات أكثر خطورة. تحركت قوى مختلفة، فنزلت مظاهرات شعبية غاضبة شارك فيها لأول مرة البازار وهو أمر نادر الحدوث، وعمت مختلف المدن، وتكررت هجمات متمردو الحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني وتصاعد تحريض جماعة مجاهدي خلق. والأخطر استهداف مقر مجلس الشورى الإسلامي وضريح الخميني، غير المسبوقين؛ وصولا الى الهجوم المسلح مؤخرا على القوات المسلحة الإيرانية في الاحواز العربية وقتل وإصابة اعداد كبيرة من رجال الحرس الثوري.

ما يميز اعمال العنف المتعددة هذه ليس فقط تنوعها لكن اختيارها لأهداف نوعية ذات ابعاد رمزية. الملفت أيضا ان من قاموا بها ينتمون الى القومية العربية والكردية. وكانت القومية البلوشية قد سبقت في ممارسة حصتها من العنف في سنوات سابقة. فالنيران التي تلعب بها ايران في المنطقة وتعتقد انها بمنأى عنها، طالت ثوبها.

فبعد حصار اعلامي أحاطت به نفسها متبعة الاساليب السوفياتية في البروباغندا والغوبلزية في التعمية؛ مستغلة القضية الفلسطينية بالمزايدة على الدول العربية معتمدة على ما يسمى بالممانعة؛ أزالت الثورة السورية القناع عن وجهها الحقيقي ومواقفها المتبدلة والمزدوجة. لولا ذلك لربما استطاعت إيران استكمال خطتها في تخريب العالم العربي وتفجيره بصمت.

أيضاً مفاخرة السيد نصرالله بأنه جندي عند الولي الفقيه وبأن سلاحه وتمويله إيراني المصدر، إضافة الى تبريراته لتدخل الحزب في سورية بذريعة حماية المراقد الشيعية وتارة لهزم التكفيريين وأخرى حمايةً للشيعة في لبنان، ناقضت تماما تفاخرهم “بالرسالة الجهادية” في قتالهم العدو لتحرير فلسطين. كشفت جميعها تقية ايران وازدواجية سياساتها فيما تبخر الخطاب الإسلامي الجامع لصالح الخطاب المذهبي الفج. وتحول الصراع مع الشعوب العربية الى صراع مذهبي سني شيعي.

بالطبع يمكن لإيران ان تتهم السعودية واتحاد الإمارات والولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، بمساعدة التنظيمات السرية والمنظمات الإرهابية في الدولة. لكن عليها ان لا تنسى انها هي البادئة بابتداعها مصطلحات تصدير الثورة ونصرة المستضعفين والحكومة الإسلامية العالمية ومارستها. هي بضاعتها ردت اليها.

يتجاهل ساسة ايران «البطن الرخوة» لبلدهم، وهي الأقليات العرقية التي تعيش في الدولة وتتعرض للتمييز من ناحية اجتماعية ـ اقتصادية، ومحرومة من الحقوق السياسية. وللتذكير فإن عرب الأحواز كانوا من المؤيدين للثورة الإيرانية في البداية، وعبروا عن هذا التأييد بأشكال مختلفة أبرزها مشاركتهم فى إضرابات عمال النفط بهدف الضغط على نظام الشاه وإنجاح الثورة. ففي محافظة عربستان يوجد أكبر حقول النفط الإيرانية وأضخم مصافي التكرير، في الوقت الذي تعاني فيه المنطقة من الفقر والقمع والتمييز. لكن تأييدهم للثورة تراجع بعد ان غير نظام الخميني اسم المحافظة من عربستان الى الأهواز وعين لها محافظا من غير أبناء الإقليم العرب؛ فتظاهروا مطالبين بالحكم الذاتي وكانت الإجابة قمع المظاهرة بالعنف.

وقد يستغل النظام هذه العملية على المدى القصير من اجل الدعاية في الداخل والخارج لجلب الاستعطاف، لكن هذا لا يمنع ان احتمال تكاثر هذه العمليات بات كبيرا. الخارج يتدخل لا شك، لا يوجد بلد بمنأى عن ذلك، لكن الكثير من المؤشرات تدل أن التنوع العرقي الذي يميز إيران أصبح مصدرا مهما من مصادر تهديد الاستقرار السياسي. وأن الغضب الداخلي من سياساتها يتصاعد بشكل مطرد. ناهيك عن تعرض وجودها في سوريا لمخاطر جدية باستهداف إسرائيل المباشر لمواقعها ومصالحها.

هذا المقال يُنشر أيضاً في "الحرّة".


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
«العمليات الإرهابية» تتراجع.. و«داعش» يتقهقر
70 موقعاً إلكترونياً تنشر دعاية إيرانية في 15 دولة
إيطاليا تتهم سفينة لإنقاذ المهاجرين بإلقاء نفايات سامة
«تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي» يولد في 2019
الأمين العام لـ «اتحاد المتوسط» لـ «الحياة»: نحيِد الخلافات السياسية في تعاوننا
مقالات ذات صلة
أنظمة إدارية تحوِّل النزيه إلى فاسد - حميد الكفائي
الاحتجاجات الفرنسية والانتفاضات العربية - بشير عبد الفتاح
ماذا تريد واشنطن من طهران؟ - محمد سيد رصاص
الرأسمالية الأميركية غير ناجحة - ديفيد ليونهارت
لا... الناخب ليس دائماً على حق! - إياد أبو شقرا
حقوق النشر ٢٠١٨ . جميع الحقوق محفوظة