الأثنين ٢٢ - ١٠ - ٢٠١٨
 
التاريخ: تشرين الأول ٨, ٢٠١٨
المصدر: جريدة الحياة
نحو عقد جديد من التعاون الأورومتوسطي
فيديريكا موغيريني وأيمن الصفدي  وناصر كامل 
 
اجتمع قادة دول حوض البحر الأبيض المتوسط والاتحاد الأوروبي، دولاً ومؤسسات، قبل عشر سنوات في باريس لبحث تعزيز التعاون الإقليمي استناداً إلى عملية برشلونة التي تم تدشينها في منتصف التسعينات، إذ شهد هذا الاجتماع إطلاق الاتحاد من أجل المتوسط.
ويتضح اليوم، بعد مرور عشر سنوات، أن هناك حاجة أكبر إلى المزيد من التعاون الأورومتوسطي، إذ تشهد المنطقة مرحلة انتقالية شاقة وصعبة. ونقدر أن تنافس القوى في المنطقة وغياب آليات فعالة للحوار والتعاون لن يترتب عليه سوى تفاقم الصراعات الحالية وتأجيج صراعات جديدة. وعليه فإن الحاجة ملحة لتعزيز العمل المشترك باعتباره السبيل الوحيد لوضع حد للصراعات، وخلق الوظائف وتحقيق النمو المستدام لشعوب المنطقة.

وكانت هذه المنطقة - الغنية بتاريخها وثقافتها - مهد الحضارات والثقافات النابضة بالحياة، والتي أثرت الحضارة الإنسانية عندما قدمت للعالم الأبجدية، والديموقراطية، والفلسفة، فضلاً عن أول المكتبات والمؤسسات الأكاديمية الكبري في العالم. ومما لا شك فيه أنه لا يمكن تجاهل الثقل الاقتصادي للمنطقة لما تزخر به من ثروات، على صعيد الموارد الطبيعية أو البشرية. وعلى رغم ذلك، فقد واجهت المنطقة في السنوات الأخيرة تحديات جمة اثرت سلباً على فرص استغلال امكاناتها الهائله.

وسنعقد اليوم في برشلونة المنتدى الإقليمي الثالث لدول الاتحاد من أجل المتوسط على مستوي وزراء الخارجية، ولا شك أن الاتحاد من أجل المتوسط يعد منبراً فريداً للحوار، وهو الحيز الوحيد الذي تستطيع فيه دول المنطقة، شمالاً وجنوباً وعلى قدم المساواة، أن تمضي قدماً في التركيز على مصالحها المشتركة في تحقيق الأمن المستدام والتنمية البشرية من خلال التعاون في إطار عدد من المشروعات المشتركة.

ويعد التنوع الفريد لمنطقتنا جزءاً من ثرائنا، ولا شك في أن هذا التنوع الذي قد يمثل للبعض تحدياً يعد في الواقع فرصة يجب استغلالها. وهناك الكثير من نقاط التماس التي توحدنا أكثر من تلك التي قد تدفع الى تشتيت جهودنا. فعلى الرغم من الانقسامات العرقية والثقافية والدينية، نحن نسعى جميعاً إلى مواجهة خطر الإرهاب والتطرف، وإيجاد حلول سياسية للأزمات، في سورية واليمن وليبيا وأماكن أخرى في الشرق الأوسط، للحد من المعاناة والحروب وما خلفتة من دمار وخسائر في الأرواح البشرية، كما أننا عازمون على حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي على أساس حل الدولتين باعتباره السبيل الوحيد للأمن و السلام الشامل، كما أننا نتطلع جميعاً إلى التعامل مع قضايا الهجرة بطريقة أكثر استدامة وإنسانية، سواء بالنسبة الى المهاجرين الذين يتركون بلادهم أو في المجتمعات المستضيفة لهم، كما نشترك في الاهتمام بالاستثمار في شبابنا، وتوفير فرص التعليم والوظائف الجيدة للجميع.

وأثبتت التجربة أن السياسات الوطنية وحدها لم تعد قادرة على التصدي للتحديات الإقليمية الجديدة التي شهدتها المنطقة بشكل فعال، مما يستوجب اتباع نهج إقليمي يتسم بالتنسيق والاتساق والشمول.

هدفنا الأساسي هو وضع شعوب المنطقة في صدارة تعاوننا الإقليمي، حيث نعمل معاً على الاستجابة إلى تطلعات الشباب ومنحهم الفرص التي يستحقونها من أجل مستقبل أفضل، خصوصاً أن العواقب الوخيمة للتطرف والفقر والصراع لا يقتصر أثرها في المدى القصير، بل يمتد أثرها المدمر الى لأجيال المقبلة. وعلى رغم أننا لا نزعم المقدرة على التوصل لحلول لكافة التحديات، إلا أننا يجب أن نكون أكثر جرأة في استكشاف سبل جديدة لمعالجة هذه التحديات المشتركة سوياً.

وفي هذا السياق المعقد، عمل الاتحاد من أجل المتوسط في شكل مكثف في عدد كبير من القطاعات، حيث أنشأنا جامعات أورومتوسطية لتنشئة جيل جديد من الشباب لديه رؤية شامله للمنطقة الأورومتوسطية، كما وفرنا الفرص والتدريب لأكثر من 100.000 شاب وشابة ودعمنا تطوير ما يزيد على 800 من المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وقد اجتمع وزراء الاتحاد من أجل المتوسط في عدد كبير من مختلف القطاعات للعمل سوياً في مجالات متنوعة، من ضمنها النقل والمواصلات والتنقل، وتمكين المرأة، وتغير المناخ، والطاقة المتجددة، وحماية البيئة، وإدارة الموارد، والربط الإقليمي للبنية التحتية، والتنمية الحضرية. وقد عزز هيكل وأسلوب إدارة الاتحاد من أجل المتوسط، برئاسته المشتركة التي يتولاها الأردن والاتحاد الأوروبي، من مفهوم المسؤولية المشتركة بين مختلف الشركاء، كما كان التزام وتفاني الأمانة العامة للاتحاد من أجل المتوسط تجاه قضية وأهداف المنظمة عنصرين هامين لتحقيق ما تم إحرازه من تقدم في العمل الأورومتوسطي من خلال إطلاق مبادرات ومشروعات ملموسة ذات نتائج على أرض الواقع.

نحن على ثقة من أن الاتحاد من أجل المتوسط سيواصل جهوده لتنفيذ برنامج أعماله الإيجابي بأسلوب يتسم بالبراغماتية، مستفيداً من تنوع الخبرات والثروة البشرية والدعم السياسي المستمر من ألدول الأعضاء، وما تراكم خلال الفترة الماضية من دروس مستفادة في العمل الإقليمي. وختاماً، على رغم أننا ننظر بواقعية لصعوبة الوضع في المنطقة إلا ان هذا لا يعني الاستسلام والرضوخ للفوضى، وكما يقال "فإن سلوك كل فرد من شأنه أن يؤثر في مصير الجميع" أكثر من أي وقت مضى.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
الأمين العام لـ «اتحاد المتوسط» لـ «الحياة»: نحيِد الخلافات السياسية في تعاوننا
أميركا تسحب أنظمة «باتريوت» من البحرين والكويت والأردن
منطقة «الساحل والصحراء» خيار مرجح لمسلحي «النصرة»
السعودية: فلسطين على رأس الأولويات والتعاون ضرورة لردع الإرهاب الإيراني
821 مليوناً جياع العالم
مقالات ذات صلة
صورة المنطقة: التغيير إلى الوراء ليس بليداً - جهاد الزين
مصالحة الهويّات - طارق متري
قضايا دليلٌ جديدٌ أن المنطقةَ غيرُ صالحةٍ للسكَن - جهاد الزين
لا تعرف عدوّك! - حازم صاغية
في "أرقام" الهامشيّتين الإيرانية والعربية - جهاد الزين
حقوق النشر ٢٠١٨ . جميع الحقوق محفوظة