الخميس ١٢ - ١٢ - ٢٠١٩
 
التاريخ: حزيران ١٧, ٢٠١٨
المصدر: جريدة الحياة

الملف: انتخابات
«تقبيطة الكيا»! - مشرق عباس
الحوار الذي فجره أخيراً إعلان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر تحالفه مع قائمة «الفتح» فريد من نوعه في العراق، فالنخب المدنية والعلمانية التي تم باستمرار تعريفها باعتبارها أقلية غير مؤثرة لا يتجاوز عددها ركاب «ميني باص» أو «تقبيطة كيا»، كما أطلق عليها أحد قادة الإسلام السياسي، وضعت للمرة الأولى بصمة على نمط المواقف والحوارات السياسية. الصدر كزعيم ديني في نهاية المطاف، كان قد خاض مغامرة كبرى، ونقل تياره الشعبي الواسع نقلة مهمة عندما قرر الوقوف مع الجموع المدنية في ساحة احتجاج واحدة، ومن ثم دعوتها إلى التحالف الانتخابي.

والحزب الشيوعي العراقي الذي استجاب لدعوة الصدر، خاض بدوره مغامرة مشابهة، خصوصاً أن الاوساط المدنية التي كان الحزب قد اصطف معها لسنوات في خندق واحد، انقسمت بشدة أمام مشهد الشراكة المقترحة مع الصدر في ساحات الاحتجاج والانتخابات.

لا يمكن القول إن التحالف الذي جمع بين الطرفين هو اقتراح لاي منهما، بل اقتراح الظرف العراقي نفسه الذي كان وما زال في حاجة إلى إصلاح جذري لإنقاذ الدولة، ومعالجة الخلل في العملية السياسية كاد يودي بالأرض ومن عليها.

على تلك القاعدة الواضحة تفجر الجدل اخيراً، فـ»الاقلية الهائلة» المقتبسة من الشاعر أوكتافيو باث، وقفت لمحاسبة المدنيين داخل تحالف «سائرون» وستحاسب من دخل منهم في كتل اخرى، على اساس المطالبة بالايفاء بالتعهدات، واهمها على الاطلاق منع تشكيل حكومة بطريقة تقاسم الدولة، وتقسيم القرار على الأحزاب، وهي الطريقة التي أنتجت الدولة الفاشلة، كوصم دولي، لا يليق بالعراق ولا بالعراقيين.

تفترض تلك الأقلية أنها تمتلك أدوات التأثير في الشارع وأنها تمتلك عبر إخلاصها وتصديها الطويل والدامي لسلطة الفساد، النزاهة الكافية التي تؤهلها لرفع سقف المطالب بألّا يتم توريط المدنيين العراقيين بحكومة تكون امتداداً لسفر الفساد والعجز والاخفاق.

ليس في النية افتراض أن تحالف الصدر مع «الفتح» يدخل في نطاق الحدود الحمر التي سبق للصدر نفسه ان اعلن عنها مراراً، بل ربما يكون هذا التحالف تراجعاً منطقياً عن تلك الخطوط التي لا يمكن أن تستقيم إدارة أي مفاوضات سياسية بوجودها. لكن حسابات الشارع ليست حسابات طاولة المفاوضات، وما يفهمه الشارع المدني وربما الشارع الصدري بالضرورة، ان الدعم الذي منحه لقائمة «سائرون» كان مشروطاً بالتزام القائمة بثوابت تظاهرات ساحة التحرير.

ارتبك «الحزب الشيوعي» في التعامل مع احباط الجمهور المدني واستيائه، كما ازداد ارتباكه مع حركة الاعتراض من قيادات الحزب نفسه، فأصدر بياناً حاول من خلاله تبرير التحالف الجديد بتجنيب البلد «حرباً اهلية». وقد كان ذلك مبرراً واهياً في الحقيقة، سارع إلى معالجته في نطاق الحوار العلني الذي اصبحت وسائل التواصل الاجتماعي طاولته في بيان آخر أكثر حصافة، أكد فيه الثوابت التي تحكم تحالفه واستعداده للمضي إلى المعارضة وعدم الاشتراك في حكومة تحمل بصمة سنوات الفشل والزيف والتردي، تصنع كما جرت العادة كاقتراح يقدمه قاسم سليماني، ويدعمه بريت ماكورغ.

رفاق الساحات يمكن أن يختلفوا، ويمكن أن يختار كل منهم مساراً يتلاءم مع أولوياته، وهذا ما يفهمه الصدر، مثلما تفهمه «تقبيطة الكيا» ويفهمه «الشيوعي» والنواب المدنيون، وهذا ما يشكل جوهر الحوار الجديد الذي يبدو صحياً للمرة الأولى، ومختلفاً، وضرورياً لخلق رؤية أقل ضبابية عن الثوابت الحزبية والوطنية المشوشة في العراق.

أمامنا وقت طويل، وسجال واسع، قبل ان يتوصل الوسط السياسي الهرم في العراق إلى صوغ نظرية حكم جديدة لا تتضمن أفكار الاستئثار والتحاصص والمؤامرات والتبعية للاجنبي، والأقرب أننا سننتظر إزاحة جيلية كبيرة، تدفع باجيال جديدة إلى الواجهة لتحفر الثوابت الوطنية باعتبارها ليست مادة صالحة للمساومة السياسية.

لكن قبل كل ذلك يجب معاينة قضية محورية تخص مشهداً عراقياً أكثر اتساعاً، فالصدر والشيوعي والنواب المدنيون في البرلمان، مطالبون سواء اختاروا الموالاة أو المعارضة، بإدامة زخم الحوار ليس في ما بينهم فقط، بل على المستوى الوطني أيضاً، وفي نطاق الاستفادة من الأخطاء السابقة التي أنتجها العزوف عن الحوار الصحي بين الجميع ومع الجميع.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
الملف: انتخابات
النظام الانتخابي في وظائفه ومفاعيله السياسية - فريد الخازن
حول شرعية الانتخابات اللبنانية - منى فياض
الجزائر كنموذج يخشى اختطافه - روزانا بومنصف
ولاية خامسة لبوتفليقة أو الفوضى!- رندة تقي الدين
"هيئة الإشراف" تُعاين في تقريرها "جروح" الانتخابات - رضوان عقيل
البحرين: أول رئيسة منتخبة للبرلمان - سوسن الشاعر
أسوأ المجالس البلدية - علي القاسمي
«انتخابات شو!» - مشرق عباس
«التطابق» لا ينزه الانتخابات - مشرق عباس
العراق: تدارك أزمة الانتخابات - مشرق عباس
حول اعادة صوغ «الكتلة الأكبر» - مشرق عباس
الاستبداد الناعم - عبد الحسين شعبان
الممتنعون عن الاقتراع في الانتخابات النيابية من يمثلهم؟ - جورج ابرهيم طربيه
الانتخابات تنهِك العراق بمزيد من الأزمات - كامران قره داغي
البرلمان اللبناني الجديد: الأكثريات التي انتخبت رؤساء جمهورية ليسوا منها - أسعد الخوري
العلمانيون واليساريون بعد الانتخابات (اللبنانية): صِفْر - طلال خواجة
البلوكات البرية بعد البحرية - فريد الخازن
الانتخابات العراقية تفتح ملف الصراع مع نظام طهران - خالد غزال
انتخابات الكومبارس مقابل سياسة الهامش في لبنان - سامر فرنجيّة
بدائل لا نصيب لها من اسمها - حسام عيتاني
الانتخابات في لبنان والعراق ذات النتائج المعروفة - مرزوق الحلبي
انتخابات لبنان لا طائل منها؟ أنطوان قربان
عن يوم أحد أجريت فيه انتخابات نيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
قانون الانتخاب تشابك الاسوأ بين النسبي والاكثري - فريد الخازن
ولي الفقيه العراقي - حازم الأمين
الانتخابات: عندما يصبح دراكولا بابا نويل - جهاد الزين
الانتخابات اللبنانية «النووية» - وليد شقير
خلفياتُ زّج النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في بازار الإنتخابات اللبنانية - مي الصايغ
المشهد غداة الانتخابات اللبنانية - حسام عيتاني
مدينتا بيروت: دُمّلةُ ما بعد الانتخابات - جهاد الزين
انتخابات العراق ولبنان ومآلات الصراع في الشرق الأوسط - بوتان تحسين
«الشعب» أسوأ من مرشحيه - حازم الأمين
أنا المغترب، من أنتخب؟
انتخابات فولكلورية لقانون النسبية سليم نصار
علي الأمين واللائحة وإعلامنا - حازم صاغية
كساد فكرة التغيير في لبنان - حسام عيتاني
حول قانون العدد وما يُرجّحه في انتخابات 2018 - أحمد بعلبكي
اللجنة الأوروبية إذا شاءت، لا الدولة، هي مرجعية الانتخابات - جهاد الزين
نحتاج 161704 أشخاص لمراقبة اقتراع 82000 مغترب! - طنوس فرنسيس
الانتخابات العراقية: جيوش إلكترونية ومزاد لشراء أصوات الناخبين
إلى لجنة الرقابة الأوروبية على الانتخابات اللبنانية:كيف ستواجهين عمليات التزوير؟ - جهاد الزين
دفاعاً عن «الخرزة الزرقاء» - حازم الامين
لبنان 2018: ما الجدوى من الانتخابات العامة؟ - جوزيف مايلا
مقاطعة الانتخابات: الداخل والخارج - حازم صاغية
ماذا بعد الانتخابات المصرية؟ - مأمون فندي
انتخابات بلا معنى ولا فاعليّة - حازم صاغية
انتخابات لبنانية في رداء حرب أهلية - خالد غزال
الاستابلشمنت اللبناني المشوَّه والمشوِّه - أنطوان قربان
صاعقة الانتخابات - محمد صلاح
العراق: انتخابات أم مزاد علني للبيع والشراء؟ - حميد الكفائي
الانتخابات النيابية ترفع وتيرة التصعيد بين أهل الحكم - خالد غزال
الانتخابات اللبنانية:الزبائنية لحشد التأييد سامي عطاالله - زينة الحلو
مسودة قراءة في الانتخابات اللبنانية - منى الخوري
الانتخابات وقانونها: "الولايات اللبنانية المتحدة" - فريد الخازن
أداة تأديبية تدعى الانتخابات النيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
مراجعة متأخّرة لمقاطعة 92 المسيحيّة - حازم صاغية
هل سيكون للرأي العام من تأثير في الانتخابات المقبلة؟ - منى فياض
ورثة الطوائف في الانتخابات اللبنانية - حازم الامين
دعوة إلى مقاطعة الانتخابات غير «المدنية» في لبنان - حازم الامين
حرب أم انتخابات في لبنان؟ - حازم صاغية
انتخابات الرئاسة المصرية: تعظيم المشاركة عبر الفتاوى الدينيّة - كرم سعيد
الأحلام الانتخابيّة للمجتمع المدني في لبنان - حسام عيتاني
الاستحقاق العراقي: انتخابات إشكالية ومشكلات بنيوية على وقع انقسامات جديدة - عبدالباسط سيدا
المشاركة في انتخابات الرئاسة على قمة تحديات السلطة المصرية
البلديات تعيد رسم المشهد المغربي - محمد الأشهب
«العدالة والتنمية» يستعد للانتخابات التشريعية - محمد الأشهب
استمالة الناخبين - محمد الأشهب
الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
محطة الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
أخبار ذات صلة
الحراك العراقي على وشك تحقيق ثاني مطالبه بعد إطاحة الحكومة
الحراك يعدّ لمظاهرة كبرى في بغداد غداً
مخاوف من فض اعتصام بغداد بعد نزول «متظاهري الحشد»
غياب الثقة يقوّض فرص حل الأزمة العراقية
«الحرس الثوري» و«حزب الله» يدفعان بمرشح لخلافة عبد المهدي
مقالات ذات صلة
عبد الكريم قاسم وطريق الوطنيّة الصعب في العراق - حازم صاغية
هل تتدخل إسرائيل ضد إيران في العراق؟ - شارلز ليستر
ما الذي يستطيعه عادل عبد المهدي؟ - حازم صاغية
بغداد - أربيل : العَودُ أحمدُ - شيرزاد اليزيدي
هل تضمد زيارة البابا جراح مسيحيي العراق؟ - جورج منصور
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة