الأربعاء ١١ - ١٢ - ٢٠١٩
 
التاريخ: أيار ١, ٢٠١٨
المصدر: جريدة النهار اللبنانية

الملف: انتخابات
مدينتا بيروت: دُمّلةُ ما بعد الانتخابات - جهاد الزين
يقول إيتالو كالفينو في كتابه الرائع "مدن غير مرئية" أن بعض المدن لا تروي ماضيها، ولكنها تحتويه مثل الخطوط على كفِّ اليد...".  

في مواسم الانتخابات، وبيروت من الدوائر التي ستجرى فيها انتخابات، وليس تزكيات (بمعزل عن الزعبرات؟) لا تظهر جماليّةُ التجاعيد وإنما نزفُ التقرُّحات. وفي نظام مناطقي طائفي كنظامنا يرعى "قروية" بيروت أي يجعلها تشبه عصبيات الأرياف سياسيا يتبارى بعض ممثليها بوعي وبلا وعي لتحريك التقرّحات والضغط، الموجع طبعا، عليها.

لا برلينيون في برلين كتب الصحافي البريطاني ميكايل سيمونز في كتابه "برلين- المدينة المنزوعة الملكية" (1988)، مثلما لا قاهريون في القاهرة حتى في قاهرة نجيب محفوظ الأكثر تبلوراً سوسيولوجيا عِبْر سطور "ثلاثية" أجيالها المعاصرة، ولا باريسيون في باريس إلا بمعنى استحقاق المقيم أو المقيمة لنمط حياتها كمدينة عظيمة... هناك بالمقابل الدمشقيون في دمشق الرائعة ولكن الأقل حداثةً من بيروت والبغداديون الأكثر تشتتا في بغداد المنكوبة من صدام حسين بل من عبد الكريم قاسم إلى اليوم، وحين نبتعد... فهناك مراكشيون وفاسيّون "أصفياء"... وليس هناك نيويوركيّون قطعاً في نيويورك عاصمة العالم حتى في حي بروكلين الذي يبدو حين يشدد على الهوية اليهودية أقرب إلى إسرائيل منه إلى أميركا بينما لن يجد مثقفوه من الليبراليين اليهود الشجعان سوى رفض الهوية بهذا المعنى العصبي والتعصّبي.

في هذا الخط من التوصيف الذي يبتعد عن الهوية المناطقية ويقترب من الهوية الحياتية الحداثية كلما ارتفع رقيُّ المدينة "تقع" بيروت (بمعنيي كلمة: تقع) بين المنزلتين من الرقي التربوي والثقافي والفكري ... والتخلف السياسي.

الخلاصة: كلما استسلمت المدينة لـ"تجاعيدها" وهي تعتقد أنها تنقذ هويتَها كلما صارت مجرد تجاعيد بلا جسد (مثل بعض نساء التجميل المفتعَل)، وكلما "استوعبت" جسدَها كلما بدت روحُها رائعة.

لم أنتظر حتى تنتهي الانتخابات كي أكتب عن بيروت لأن هذه الانتخابات وبشكل لافت طرحت مسألة مهمة حول بيروت لا تعني "البيروتيّين" وحدهم ولا حتى المقيمين في بيروت.. وحدهم، وإن كان "البيارتة" وبيروت الإدارية مادتَها.

لفت نظري إعلان بعض مرشحي الدائرة الأولى في بيروت، أي المنطقة المسيحية، الأشرفية وامتداداتها، من مواقع سياسية مختلفة مطالبتهم بتأسيس بلدية خاصة بهذه المنطقة مفصولة عن البلدية الحالية. البعض صراحةً والبعض الآخر إيحاءً. إذن تقسيم بيروت إلى بلديتين واحدة ذات أغلبية مسيحية وثانية ذات أغلبية مسلمة ومن الطوائف الثلاث السنية الشيعية الدرزية.

انتخابيا القانون الجديد كرّس هذا التقسيم، أو أعاد التأسيس له، وهو الذي يبدو واقعيا بعد الحرب. فقبل الحرب وضمن التكوين التقليدي لبيروت الغربية كانت هناك أحياء مسيحية كاملة في المزرعة والمصيطبة ومار الياس (الأرثوذكس) والقنطاري والصنائع (الأرمن) ورأس بيروت وجزء من رأس النبع. هذه الأحياء فرغت بكاملها مع الأسف خلال الحرب الأهلية ما عدا أفراد باستثناء محيط الجامعة الأميركية الذي لا زال يحتفظ بنخبة قليلة مختلطة من المسيحيين الجدد والقديمين.

انتهت الحرب وقد أصبحت بيروت السلام عملياً مدينتين في مدينة واحدة. مدينة واحدة سياسيا واثنتين في "الدينوغرافيا" يفصلهما تقسيم واضح يمتد من البحر شمالا إلى الجنوب حتى طريق الشام و حتى مستديرة الطيونة أبعد قليلا إلى الجنوب.

سمعت على التلفزيون بعض المرشحين في الأشرفية يتهمون البلدية بالإهمال الإنمائي لمنطقتهم. ويخلصون من ذلك إلى المطالبة ببلدية خاصة للأشرفية حتى واجهتها البحرية المحاذية شرقا للمرفأ أو لقسمه الشرقي يعني عمليا حدود الدائرة الانتخابية المسماة الأولى. آخرون يبدون أكثر اعتدالاً فيطالبون البلدية إما بالمساواة وإلا الانفصال.

نفَسُ الكلام هو عن البلدية القائمة باعتبارها بلدية مسلمة رغم التمثيل المسيحي في المجلس البلدي ورغم كون العرف السياسي يجعل المحافظ مسيحيا أرثوذكسيا.

هل تتفاعل هذه المسألة بعد الانتخابات وهل تحتمل العلاقات السياسية اللبنانية تفاقمها بما تنطوي عليه من دلالات طائفية على قاعدة الدينوغرافيا؟ وما يرافقها أصلا من أسئلة حول عدالة الاستفادة من عائدات بلدية بيروت التي تملك فوائض مالية بمئات ملايين الدولارات قياسا إلى النسبة التي تدفعها الأشرفية ومحيطها الواسع من الرسوم البلدية؟ ولا يجب أن "تسقط سهواً" مسؤولية البورجوازية المسيحية الحاضرة سياسياً بقوة في الأشرفية عن هذا التفاوت "البلدي" أو عن التطوير الإنمائي الذاتي.

تتكبّد بيروت أحد أثمان الحرب الكبرى وهو الفرز الديموغرافي القسري والإرادي الذي شمل مناطق ومدنا عديدة وطال مسلمين ومسيحيين (وفلسطينيين) في الاتجاهين. في بيروت الطابع الغالب للفرز أصاب المسيحيين ( دون أن ننسى عرب المسلخ المسلمين) وجعل بيروت عمليا كما أشرتُ مدينتين متجاورتين في عاصمة واحدة طبعا تفصلهما طريق الشام.

قمت بجولة في بيروت السبت المنصرم لا سيما في الأحياء الشعبية المتواضعة التي تقع عموما في مهبطها الشرقي المطل على جبل لبنان ويحده نهر بيروت. أحياء (ونهر) هي أيضا تحتاج بشكل كثيف إلى تنمية وتطوير ملحّيْن ليس أقل في غرب بيروت من خندق الغميق والبسطة وأجزاء من المصيطبة وكل طريق الجديدة. هذه أحياء هنا وهناك لا تربطها بوسط بيروت علاقة، أكاد أقول حياتية، قياسا بالتفاوت الهائل بينه وبينها.

لقد هيمنت رؤية وسط بيروت على ربع القرن المنصرم من حياة المدينة - المدينتين ولأسباب معروفة وإن كانت ليست دائما مفهومة. آن الأوان، وهذا ما أعْلَتْ صوتَه مواقفُ مرشحين على الجهتين المسلمة والمسيحية لكي يعاد النظر بالمنحى الذي تأخذه إدارة شؤون بيروت فلا يبدو الفقر في المدينة موزعاً على محميات طائفية وخصوصا سنية شيعية لا تُمس، ولها وظيفتها في حراسة مصالح كبرى. الفقر يحمي الغنى في بيروت! "الأطراف" المهمشة والمعسكرة أي قلوب المدينة السابقة تحمي الوسط. في الجزء المسيحي لا أحياء معسكرة سياسياً تلاصق الوسط فقد انتهت هذه الظاهرة مع نهاية الحرب.(دون أن يعني ذلك غياب السلاح!). ففي لبنان السلاح الأهلي جزء من نمط الحياة. ربما يرى البعض أن صورة بيروت الوطنية والعربية والدولية الوهّاجة لا تحتمل الحديث عن مدينتين في عاصمة واحدة. هذا صحيح، لكن صحته لا تلغي الواقع ولا بد من معالجة "بلدية" ما وجدية له قبل أن يعلو صوته بشكل سلبي أكثر.

لا بد من إعادة إخضاع كيفية إدارة بيروت التنموية لنقاش واسع. وقد تكون هذه إحدى فوائد الانتخابات.

من مكتبي في "النهار" أستطيع أن أشاهد مباشرة الأعمال التنقيبية الدائرة في حفرة واسعة غير واضحة المعالم حتى الآن عَرفتُ أنها تُسمى متحف تاريخ بيروت. الموقع والمشروع جذابان ثقافيا وسياحيا. من المفترض أن التاريخ العريق سيتحول لاحقا إلى مصدر دخل للمدينة. في المدن الحية يسألون دائما: كم تنفق على الأحياء المحتاجة للتنمية لكي تخدم النوعيةُ الثقافيةُ الكميةَ التنموية. أو كما قال لي مرةً رجل أعمال مصري كبير في القاهرة وهو يتحدّث عن أهمية السياحة الثقافية:

دُوْلْ أجْدادْنا ما زالوا بْيِصْرِفوا علينا!

هل سيكون أجدادُنا المتعدّدون كما يظهر من حفريات بيروت أوفياءَ لنا مثل أجداد المصريين لهم!

توت عنخ آمون وعمرو بن العاص "ينفقان" على القاهرة اليوم فهل يفعلها في بيروت جوستينيان وسليمان القانوني؟


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
الملف: انتخابات
النظام الانتخابي في وظائفه ومفاعيله السياسية - فريد الخازن
حول شرعية الانتخابات اللبنانية - منى فياض
الجزائر كنموذج يخشى اختطافه - روزانا بومنصف
ولاية خامسة لبوتفليقة أو الفوضى!- رندة تقي الدين
"هيئة الإشراف" تُعاين في تقريرها "جروح" الانتخابات - رضوان عقيل
البحرين: أول رئيسة منتخبة للبرلمان - سوسن الشاعر
أسوأ المجالس البلدية - علي القاسمي
«انتخابات شو!» - مشرق عباس
«التطابق» لا ينزه الانتخابات - مشرق عباس
العراق: تدارك أزمة الانتخابات - مشرق عباس
حول اعادة صوغ «الكتلة الأكبر» - مشرق عباس
الاستبداد الناعم - عبد الحسين شعبان
الممتنعون عن الاقتراع في الانتخابات النيابية من يمثلهم؟ - جورج ابرهيم طربيه
الانتخابات تنهِك العراق بمزيد من الأزمات - كامران قره داغي
«تقبيطة الكيا»! - مشرق عباس
العلمانيون واليساريون بعد الانتخابات (اللبنانية): صِفْر - طلال خواجة
البرلمان اللبناني الجديد: الأكثريات التي انتخبت رؤساء جمهورية ليسوا منها - أسعد الخوري
البلوكات البرية بعد البحرية - فريد الخازن
الانتخابات العراقية تفتح ملف الصراع مع نظام طهران - خالد غزال
انتخابات الكومبارس مقابل سياسة الهامش في لبنان - سامر فرنجيّة
بدائل لا نصيب لها من اسمها - حسام عيتاني
قانون الانتخاب تشابك الاسوأ بين النسبي والاكثري - فريد الخازن
عن يوم أحد أجريت فيه انتخابات نيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
انتخابات لبنان لا طائل منها؟ أنطوان قربان
الانتخابات في لبنان والعراق ذات النتائج المعروفة - مرزوق الحلبي
ولي الفقيه العراقي - حازم الأمين
الانتخابات: عندما يصبح دراكولا بابا نويل - جهاد الزين
الانتخابات اللبنانية «النووية» - وليد شقير
خلفياتُ زّج النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في بازار الإنتخابات اللبنانية - مي الصايغ
المشهد غداة الانتخابات اللبنانية - حسام عيتاني
انتخابات العراق ولبنان ومآلات الصراع في الشرق الأوسط - بوتان تحسين
«الشعب» أسوأ من مرشحيه - حازم الأمين
أنا المغترب، من أنتخب؟
علي الأمين واللائحة وإعلامنا - حازم صاغية
انتخابات فولكلورية لقانون النسبية سليم نصار
كساد فكرة التغيير في لبنان - حسام عيتاني
حول قانون العدد وما يُرجّحه في انتخابات 2018 - أحمد بعلبكي
اللجنة الأوروبية إذا شاءت، لا الدولة، هي مرجعية الانتخابات - جهاد الزين
نحتاج 161704 أشخاص لمراقبة اقتراع 82000 مغترب! - طنوس فرنسيس
الانتخابات العراقية: جيوش إلكترونية ومزاد لشراء أصوات الناخبين
إلى لجنة الرقابة الأوروبية على الانتخابات اللبنانية:كيف ستواجهين عمليات التزوير؟ - جهاد الزين
دفاعاً عن «الخرزة الزرقاء» - حازم الامين
لبنان 2018: ما الجدوى من الانتخابات العامة؟ - جوزيف مايلا
مقاطعة الانتخابات: الداخل والخارج - حازم صاغية
ماذا بعد الانتخابات المصرية؟ - مأمون فندي
انتخابات بلا معنى ولا فاعليّة - حازم صاغية
انتخابات لبنانية في رداء حرب أهلية - خالد غزال
الاستابلشمنت اللبناني المشوَّه والمشوِّه - أنطوان قربان
صاعقة الانتخابات - محمد صلاح
العراق: انتخابات أم مزاد علني للبيع والشراء؟ - حميد الكفائي
الانتخابات النيابية ترفع وتيرة التصعيد بين أهل الحكم - خالد غزال
الانتخابات اللبنانية:الزبائنية لحشد التأييد سامي عطاالله - زينة الحلو
مسودة قراءة في الانتخابات اللبنانية - منى الخوري
الانتخابات وقانونها: "الولايات اللبنانية المتحدة" - فريد الخازن
أداة تأديبية تدعى الانتخابات النيابية في لبنان - سامر فرنجيّة
مراجعة متأخّرة لمقاطعة 92 المسيحيّة - حازم صاغية
هل سيكون للرأي العام من تأثير في الانتخابات المقبلة؟ - منى فياض
ورثة الطوائف في الانتخابات اللبنانية - حازم الامين
دعوة إلى مقاطعة الانتخابات غير «المدنية» في لبنان - حازم الامين
حرب أم انتخابات في لبنان؟ - حازم صاغية
انتخابات الرئاسة المصرية: تعظيم المشاركة عبر الفتاوى الدينيّة - كرم سعيد
الأحلام الانتخابيّة للمجتمع المدني في لبنان - حسام عيتاني
الاستحقاق العراقي: انتخابات إشكالية ومشكلات بنيوية على وقع انقسامات جديدة - عبدالباسط سيدا
المشاركة في انتخابات الرئاسة على قمة تحديات السلطة المصرية
البلديات تعيد رسم المشهد المغربي - محمد الأشهب
«العدالة والتنمية» يستعد للانتخابات التشريعية - محمد الأشهب
استمالة الناخبين - محمد الأشهب
الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
محطة الانتخابات البلدية في المغرب - محمد الأشهب
أخبار ذات صلة
اجتماع باريس يدعو إلى تشكيل حكومة والحريري على موقفه
لبنان: دعوات لإضراب ومظاهرات... ومحتجون يغلقون طرقاً في طرابلس
المتظاهرون في لبنان يتجهون إلى التصعيد لإسقاط الحكومة قبل تشكيلها
متظاهرون يغلقون شوارع في لبنان احتجاجاً على تشكيل حكومة تكنوسياسية
السجن 40 عاماً لعنصر بـ«حزب الله» أدين بالتحضير لاعتداءات في أميركا
مقالات ذات صلة
5 ملاحظات سريعة على هامش الثورة اللبنانية والثورات عموماً - حازم صاغية
التعامل مع حزب الله كمعضلة تواجه التغيير في لبنان
لبنان: المواقف الدولية الباهتة وممارسات السلطة المستفزة - سام منسى
السلطة تتقدم لاستعادة مواقعها... والانتفاضة ترد بحذر - حسام عيتاني
الارتباك في طهران والكر والفر في بيروت وبغداد - سام منسى
حقوق النشر ٢٠١٩ . جميع الحقوق محفوظة